استئصال الإرهاب يتطلب استراتيجيات متعددة

  • 27 نوفمبر 2017

باتت ظاهرة الإرهاب أكثر، من أي وقت مضى، معضلة عالمية بامتياز؛ بل لم يعد هناك دولة أو مجتمع أو مؤسسة أو مسجد أو كنيسة، أو حتى فرد يتسوق، أو رجل أو طفل يتعبد بمنأى عن خطره. كما تعقدت الظاهرة بسبب تعدد أسبابها وتشعب دوافعها، وتأثيراتها المدمرة في الفرد والمجتمع على حد سواء؛ ولذا لم يعد من الممكن مطلقاً التخلص من هذه الظاهرة ما لم يتم التعامل معها بشكل جماعي وشامل وحازم. وهذا ما دعت وتدعو إليه دولة الإمارات العربية المتحدة منذ سنوات؛ وقد جددت هذه الدعوة وبقوة يوم أمس في الاجتماع الأول لمجلس وزراء دفاع التحالف الإسلامي العسكري لمحاربة الإرهاب، الذي انعقد في الرياض تحت شعار «متحالفون ضد الإرهاب»، برئاسة ولي العهد السعودي، نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع، الأمير محمد بن سلمان آل سعود، حيث أكدت الإمارات أن التحالف مطالب بوضع استراتيجيات وخطط متعددة ومتجددة ومستدامة في مختلف المجالات لاستئصال الإرهاب من جذوره، والتعامل بجدية مع مصادر التهديد الآنية لأمن الدول العربية والإسلامية، كما شددت الإمارات على ضرورة العمل الجماعي ضد الإرهاب، وإمساك التحالف بزمام المبادرة في خوض هذه الحرب المصيرية. ولم تأتِ هذه الدعوة من فراغ، فقد أثبتت الأحداث والتطورات الأخيرة، وخاصة الهجوم الإرهابي الجبان الذي استهدف عباداً لله كانوا يؤدون صلاة الجمعة بأمان وبين يدي الله في سيناء بجمهورية مصر العربية، أن الإرهاب ليس لا دين له ولا قيم فقط، وإنما أيضاً لا يأبه مطلقاً بدماء البشر أياً كانوا، شيوخاً أو صغاراً، رجالاً أو نساءً، مسلمين أو غير مسلمين، فهو يستهدف البشر من دون أي وازع إنساني أو ديني أو أخلاقي.

وما يزيد من خطورته وصعوبة السيطرة عليه أو التنبؤ بتحركاته هو استغلاله للظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تمر بها بعض المجتمعات أو المناطق والبؤر الساخنة؛ فضلاً عن وجود شبكات إجرام ترتبط بها ليس في العالم الحقيقي وحسب، وإنما أيضاً – وربما الأخطر – العالم الافتراضي الذي يتيح له قدرة على التخطيط والتمويل والتوجيه عن بعد، ومن ثم صعوبة المتابعة أو السيطرة عليه. وهذا يعني أنه لا يمكن لدولة أو قوة بمفردها التعامل مع هذه الظاهرة. وهذا ما أكده معالي محمد بن أحمد البواردي الفلاسي، وزير دولة لشؤون الدفاع في كلمته: «يجب الإدراك أن أي دولة مهما كانت قدراتها وإمكانياتها ومواردها لا تستطيع خوض الحرب ضد الإرهاب بمفردها». فبرغم كل الجهود الفردية أو الجماعية التي بذلت وعلى مستويات مختلفة، وبرغم النجاحات التي تحققت ضد بعض التنظيمات الإرهابية كتنظيم داعش الإرهابي، فلا يمكن أن يكون العالم بأمان ما لم يتم استئصال هذه التنظيمات تماماً، والتخلص من الظاهرة كلياً.

فمن الواضح أن الجماعات الإرهابية، ومنها تنظيم داعش، تبحث بعد الهزائم التي منيت بها، عن مناطق أخرى لتنشر فيها رعبها وتوحشها؛ ونجدها تلجأ إلى أساليب خسيسة بما فيها استهداف بيوت الله، وأماكن التسوق، وحتى المارة في الشوارع لم يسلموا من جرائمهم. ولهذا كله فإن معالجة هذه الظاهرة واستئصالها، كما يدعو ويريد الجميع، يعنيان أن يكون هناك استراتيجيات متعددة؛ وهذا يعني عدم الاقتصار على الجانب الأمني ولا حتى الدعوي، وإنما أيضاً التركيز بشكل أكبر ووفق خطط شاملة على التعليم والفكر، وبالضرورة الظروف الاجتماعية والاقتصادية التي قد تسهل وجود حواضن له أو بيئات مشجعة؛ وقد أكدت دولة الإمارات العربية المتحدة بوضوح، أن مكافحة الإرهاب تتطلب من الجميع عملاً وجهداً متكاملين، ليس على الصعيد العسكري والأمني فقط، بل معالجات شمولية وتكاملية على الصعد الفكرية والثقافية والتربوية والدينية من أجل التصدي لمنابع التطرف وجذور الفكر الإرهابي. وكما قال معالي محمد بن أحمد البواردي الفلاسي فإن «معركة دول التحالف العربي ليست مع التطرف والإرهاب فقط، بل هي بموازاة ذلك معركة تنموية تستحق الخوض فيها بكل جدية وإصرار من أجل الأجيال المقبلة؛ ولذا فإن تطوير التعليم رهان أساسي لكسب معركة المستقبل، ونشر ثقافة الاعتدال والتسامح والتعددية، وقبول الآخر، وترسيخ قواعدها في المجتمعات الإسلامية عبر الأطر التشريعية والقانونية رهان حيوي آخر».

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات