ازدواجية الخطاب الإيراني

  • 22 سبتمبر 2015

من يتابع السلوك الإيراني منذ توقيع الاتفاق النووي مع مجموعة (1+5) في شهر يوليو الماضي، سيتأكد له بجلاء مدى ازدواجية الخطاب الذي تتبناه طهران إزاء دول المنطقة، ما بين محاولة إظهار الانفتاح وفتح صفحة جديدة معها، وما بين ممارسات تدخلية تستهدف زعزعة الأمن والاستقرار في بعضها. إيران التي أعلنت أنها ستبدأ صفحة جديدة في علاقاتها مع دول المنطقة، وقام وزير خارجيتها بزيارات إلى كل من الكويت وقطر والعراق في شهر يوليو الماضي، وصرح خلالها بأن هناك إرادة مشتركة للتعاون وتعزيز العلاقات، ما لبثت أن أثارت في الشهر التالي لهذه الزيارة توتراً بشأن حقل الدرة النفطي مع الكويت، حينما أعلنت طرح مشروعين لتطوير امتداد حقل الدرّة أمام الشركات الأجنبية، متجاهلة الرفض الكويتي القاطع لأي مشاريع تطوير في الحقل قبل ترسيم الحدود في المياه الإقليمية بينهما.
 
كما بدت هذه الازدواجية أيضاً في التصريحات التي أطلقها مؤخراً مساعد وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبداللهيان التي دعا فيها دولة الإمارات العربية المتحدة إلى إرسال الغذاء والدواء إلى اليمن بدلاً من السلاح، في وقت تؤكد فيه الشواهد والمعطيات أن إيران هي من تقف وراء تفاقم الأزمة اليمنية، حينما اعتبر العديد من مسؤوليها سقوط العاصمة اليمنية صنعاء في أيدي الحوثيين في شهر سبتمبر من العام الماضي بأنه «امتداد للثورة الإسلامية الإيرانية»، وواصلت منذ ذلك الوقت الدفاع عن الحوثيين وتقديم أوجه الدعم المختلفة لهم، برغم أنها تدرك أنهم انقلبوا على الشرعية السياسية والدستورية في اليمن. كما لا يخفى على أحد التدخلات الإيرانية الأخيرة في العديد من دول المنطقة، بل ومواصلتها تقديم الدعم العسكري لحلفائها، كما أظهرته تصريحات وزير خارجيتها محمد جواد ظريف في شهر أغسطس الماضي والتي أعلن فيها أن بلاده ستستمر في تعزيز قدراتها الدفاعية وتقديم الدعم التسليحي لحلفائها، ثم تأتي إيران لتوزع الاتهامات على دول المنطقة بأنها تقف وراء إشعال الأزمات، في محاولة منها لليِّ الحقائق، بينما يواصل إعلامها بث سمومه التي تستهدف إثارة البلبلة وزعزعة الاستقرار في دول المنطقة.

الازدواجية الإيرانية تبدو أيضاً في طريقة تعامل إيران مع قضايا المنطقة المختلفة، ترفع شعارات التعاون والحوار لحل القضايا الخلافية، وتتعامل على الأرض بمنطق «فرض الأمر الواقع»، متجاهلة مبادئ حسن الجوار التي تقرها الأمم المتحدة ومبادئ القانون الدولي،  بل إنها لا تجد غضاضة في التدخل في الشؤون الداخلية للعديد من دول المنطقة، بدعوى حماية من تسميهم «أقليات مظلومة» في هذه الدول، وتتعهد بدعمهم، لكنها على الجانب الآخر ترفض أي دفاع عن حقوق الأقليات فيها، وتصر على أنه تدخل في شؤونها، وتصفه بالمؤامرة.

السلوك الإيراني المتناقض في الآونة الأخيرة يكشف عن عدد من الأمور المهمة، أولها محاولة طهران استثمار الاتفاق النووي الأخير في تعزيز نفوذها الإقليمي، وفرض أمر واقع على دول المنطقة في هذا الشأن، حتى لو كان هذا على حساب مصالح هذه الدول. ثانيها توظيف أزمات المنطقة المختلفة لتحقيق مصالحها، أو ما يمكن تسميته «الإدارة بالأزمات»، حيث تحرص إيران على الاحتفاظ ببعض الأوراق، كأدوات للمناورة والضغط، ولتأكيد أهميتها باعتبارها لاعباً أساسياً في حل أزمات المنطقة. ثالثها أن إيران تسعى إلى فرض تصوراتها الخاصة بقضايا وأزمات المنطقة على دولها، بل وتنكر على هذه الدول حقها في المبادرة والتحرّك لحل الأزمات بما يراعي مصالح جميع الأطراف.

إذا أرادت إيران فعلاً فتح صفحة جديدة مع دول المنطقة، فإن عليها أن تتخلى عن سلوكها المتناقض، وأن تتوقف عن النشاطات التي تزعزع الأمن والاستقرار في المنطقة، والأهم أن تلتزم بمبادئ حسن الجوار، والتعاون البناء، بما يعزز أجواء الأمن والسلام والاستقرار.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات