ارتفاع الطلب على النفط في آسيا يوازن رياح التغيير

  • 10 نوفمبر 2011

في مقابلة حصرية مع موقع مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية على الإنترنت، قال الدكتور هيرمان ت. فرانسين، المدير التنفيذي لمجموعة إنيرجي إنتلجينس جروب بالولايات المتحدة، إنه على الرغم من احتمالات ارتفاع إنتاج النفط في الولايات المتحدة، وتوسع استخدام تكنولوجيا النفط الصخري، وتراجع الطلب في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، فإن قطاع النفط في منطقة الشرق الأوسط سيواصل الازدهار مع ارتفاع الطلب على النفط في الاقتصادات الناشئة خلال العقود المقبلة.

وقد أجريت المقابلة على هامش مشاركة د. فرانسين في المؤتمر السنوي السابع عشر للطاقة، بعنوان: "أسواق الطاقة العالمية: متغيرات في المشهد الاستراتيجي"، والذي نظمه المركز، في مطلع نوفمبر/تشرين الثاني 2011. وفيما يلي نص المقابلة.

س. ما هي الاتجاهات الجديدة المهمة التي ستشكل مستقبل قطاع الطاقة؟

ج. ثمة عدد من الاتجاهات التي من المتوقع أن تشكل مستقبل قطاع الطاقة. أحد هذه الاتجاهات أن السوق سيواصل التوسع؛ لأن غالبية سكان العالم يستهلكون القليل جداً من النفط والطاقة، الأمر الذي يعني أن الاستهلاك قد يرتفع. ومع ذلك، يمكنك ملاحظة بداية انخفاض في معدل استهلاك النفط فقط في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية؛ بسبب المكاسب الناتجة عن كفاءة استخدام الطاقة، ودوران رأس المال. لكن الطلب على النفط سيزداد في كل مكان آخر تقريباً؛ لأن الطبقة المتوسطة تتزايد في الاقتصادات الناشئة، خاصة في آسيا. وكما حدث مع نمو الطبقة المتوسطة في أجزاء أخرى من العالم، فستجد في هذه البلدان المزيد من أعمال الكهرباء؛ حيث يسعى الناس إلى اقتناء أكثر من منزل. وثاني شيء يحتاجه الناس بعد أن يصلوا إلى هذا الهدف هو المواصلات. ومن طبيعة البشر أنهم، حتى وإن توافرت وسائل الموصلات العادية، يفضلون اقتناء مركباتهم الخاصة. وبالتالي إذا افترضنا أن 1% من إجمالي 1.2 مليار شخص في الصين و1.1 مليار نسمة في الهند ينتقلون سنوياً من الطبقة الأدنى إلى الطبقة المتوسطة، فإنه سيكون هناك زيادة كبيرة وثابتة في الطلب على الطاقة أو النفط تحديداً.
ومؤخراً، أصبح سوق السيارات الصينية أكبر من نظيره الأمريكي. ونرى حالياً أن هذا الاتجاه آخذ في التزايد. ولذا، فإن الطلب سيواصل الارتفاع سريعاً في آسيا. ولسوء الحظ، فإن دول آسيا، بشكل عام، تفتقر إلى موارد النفط والغاز مقارنة بحجم السكان. ولذا، يتعين عليها المجيء إلى هذا الجزء من العالم، الشرق الأوسط، لتلبية احتياجاتها من الطاقة. كما يمكنها أيضاً الذهاب، إلى حد ما، إلى أجزاء أخرى من العالم، مثل أفريقيا، لكنها ستواصل الاعتماد بشكل كبير على الصادرات من منطقة الشرق الأوسط لتلبية احتياجاتها النفطية. ومن الأهمية بمكان أن نلاحظ أن 55% من واردات الصين من النفط، و80% من واردات اليابان النفطية تأتي من منطقة الشرق الأوسط. وهذا الأمر سيستمر ما لم تعثر هذه الدول على تراكمات ضخمة من النفط والغاز داخل أراضيها، وهو ما أشك فيه.

س. ماذا عن آخر الطفرات التكنولوجية في قطاع النفط والغاز.. وإلى أي مدى يمكن أن نصفها بأنها واعدة؟

ج. ما حدث في السوق الأمريكية، خلال السنوات العشر الماضية، هو أن الشركات الصغيرة كانت مبدعة جداً في العثور على التكنولوجيا اللازمة لاستكشاف سر تطوير الغاز الصخري. وقد وجد الغاز في شكل مادة صلبة نسبياً مدمجة في الصخر. ومن ثم، استخدمت هذه الشركات تكنولوجيا لتوليد ضغط مائي هائل، ومع استخدام مواد كيميائية معينة مختلطة بالماء يتم فتح الجزيئات التي يخرج منها الغاز إلى السطح. كان هذا الأمر مستحيل التحقيق في الماضي؛ لأن التكنولوجيا لم تكن قد تطورت بعد؛ ويعزى ذلك جزئياً إلى أن سعر الغاز الطبيعي كان منخفضاً لدرجة لا تبعث على التحفيز والإبداع. لكن تم كشف السر الآن، وأصبحت التكنولوجيا وجدواها الاقتصادية تتحسن بشكل سريع. وفي الواقع، بدأت تلك الشركات تنتج كميات كبيرة جداً من الغاز الصخري؛ ما أدى إلى تراجع أسعار الغاز الطبيعي. ويصل سعر الغاز الصخري حالياً إلى نحو 4 دولارات لكل مليون وحدة حرارية بريطانية (BTU)؛ وهذا يعني أننا نستطيع الحصول على كمية الطاقة التي يولدها برميل من النفط بـ 25 دولاراً فقط باستخدام الغاز الصخري. ويعد هذا السعر رخيصاً جداً مقارنةً بما يتم دفعه في آسيا وأوروبا.
بيد أن الشركات العاملة في مجال الطاقة تركز حالياً على استخراج النفط الصخري بشكلٍ أكبر، والموجود في نفس التكوينات الأساسية، ويستخدم لاستخراجه ذات التكنولوجيا الموظفة في عمليات استخراج الغاز. ولكن لماذا تركز هذه الشركات أكثر على جانب السوائل وليس الغاز؟ 
في الواقع، فإن الصناعات تركّز بشكل أكبر على السوائل؛ لأن الغاز سينتج بأي حال على أنه منتج ثانوي مجاني، لكن في حال إمكانية بيع السوائل مثلاً بمبلغ 100 دولار للبرميل، فإنها ستصبح أكثر جذباً من سعر 25 دولاراً لبرميل الغاز. وسيكون لذلك تداعيات كبيرة لأن مثل هذه الصخور موجودة في كل مكان. وفي منطقة الشرق الأوسط، توجد أعداد كبيرة من الصخور، كما أن الصين لديها تراكمات صخرية كبيرة. وفي الواقع هي منتشرة حول العالم. لكن العامل الأساسي يكمن في معرفة أيّ من الصخور مناسب لعملية التطوير. هل هذه الصخور توجد في أماكن قريبة من الأسواق؟ إذا لم يكن الأمر كذلك يجب تدشين بنية تحتية كاملة لتقريبها من الأسواق. بالإضافة إلى ذلك، أنت بحاجة إلى أن يكون لديك البنية التحتية المناسبة والأفراد المؤهلون الذين يعرفون كيفية استخدام هذه التكنولوجيا. يشار أن أمريكا تمتلك دوماً أعداد كبيرة من الشركات الصغيرة التي تعمل على تطوير النفط؛ نظراً لأن القوانين الأمريكية تنص على أن أي مصدر يتم العثور عليه تحت الأرض يعتبر مصدراً خاصاً بك، بخلاف الدول الأخرى في باقي العالم، حيث إن معظم الموارد التي يتم العثور عليها تحت الأرض تغدو ملكاً للحكومة.

س. بصرف النظر عن هذه التطورات التكنولوجية، يوجد لدى الولايات المتحدة احتياطات نفطية كبيرة لم تستكشف بعد. وبحسب ما جاء في محاضرتك بالمؤتمر، فإن بوسع الولايات المتحدة زيادة إنتاجها من النفط، ألا يمكن أن يتسبب ذلك في أن تُغمر الأسواق العالمية بالكثير جداً من النفط؟

ج. نعم، الولايات المتحدة لديها موارد غاز ونفط في خليج المكسيك وألاسكا، كما يوجد لديها حالياً موارد غير تقليدية. وفي حال تم تطويرها جميعاًً، فإنه يمكن زيادة إنتاج السوائل والغاز في الولايات المتحدة بشكل كبير. بيد أن هذه الوفرة في النفط ستكون فقط للولايات المتحدة. إن تكنولوجيا النفط الصخري لن تحقق أي فرق كبير للعالم، ما لم تشرع بقية الدول أيضاً في تطوير هذه الموارد. ولا يتوقع أحد حدوث تطورات كبيرة في مجال الغاز الصخري خارج أمريكا الشمالية خلال هذا العقد. وقد نشهد بدايات ذلك، كما هو الحال على سبيل المثال في بولندا والصين، لكن ليس على المدى القريب.

س. كيف تستشرفون مستقبل أسعار النفط في الأجلين القصير والمتوسط؟
ج.
حتى الآن، معظم دول أوبك بحاجة إلى سعر أدنى للنفط بمعدل 80 دولاراً تقريباً للبرميل. وفي حال انخفاض السعر عن هذا الحد، فإن الميزانية الحكومية لهذه ستتآكل. وفي أسوأ الاحتمالات، في حال تعرض العالم لفترة كساد في العام المقبل، وعدم ارتفاع الطلب بل انخفاضه، وإنتاج ليبيا مزيد من النفط- على افتراض استقرار الأمور هناك- وزيادة إنتاج النفط في العراق؛ فعندئذٍ ستضطر "أوبك" بالفعل إلى خفض الإنتاج. وفي سوق المضاربات، هناك إدراك لموضوع أن العام المقبل قد يشهد انخفاضاً في سعر النفط إلى حد ما، لكنه ليس انخفاضاً كبيراً. بيد أن هذا في المقابل سيلحق الضرر بالطاقة البديلة التي تستفيد من ارتفاع أسعار النفط.

س. يقال إن الدول المنتجة للنفط غير الأعضاء بمنظمة "الأوبك" سيكون لها مزيد من النفوذ أو التأثير في السوق. ما مدى صحة هذا القول؟

ج. ما أود قوله هو أن هذه الدول كانت مؤثرة في الماضي عما عليه الحال اليوم. وبعد تعرض النفط لصدمتين إبّان فترة السبعينيات من القرن المنصرم، ارتفعت الأسعار إلى نحو 35 دولاراً للبرميل في 1980، والذي يساوي بالأسعار الحالية زهاء 100 دولار للبرميل. وفي ذاك الوقت، كان النفط هو الوقود الرئيسي لكل شيء تقريباً. كما حدث ذلك أيضاً بالتزامن مع التطور المثير الذي شهدته الطاقة النووية. ولذا، عجّل الناس من خطاهم نحو إنتاج التكنولوجيا النووية. وعليه تم استبدال النفط في محطات الطاقة على وجه السرعة.
وفي الصناعات، تم استبدال النفط بالفحم أو الغاز الطبيعي. ولهذا السبب، انخفضت حصة النفط من 52% إلى نحو 40% في منتصف الثمانينيات بشكل سريع نسبياً. لكن بمجرد الوصول إلى هذه النقطة يصعب جداً حدوث مزيد من الانخفاض لأنه كلما تراجعت الحصة، بدأ ذلك يؤثر في قطاع النقل والمواصلات. وفي دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، نلاحظ أن 70% من النفط يستخدم في قطاع النقل والمواصلات ومن الصعوبة بمكان تحسين الكفاءات، مثلاً في أوروبا واليابان؛ لأنهم فعلوا ذلك بالفعل من قبل.

Share