ارتباط حيوي بين منطقة المحيط الهندي ومصالح دول مجلس التعاون الخليجي

  • 25 أبريل 2012

أجرى موقع مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية على شبكة الإنترنت مقابلة حصرية مع الدكتور فيجي سوكوجا، مدير البحوث في المجلس الهندي للشؤون الدولية (مقرّه نيودلهي)، أكد فيها ضرورة أن تعزز دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية استثماراتها في القوى الاقتصادية الصاعدة المطلّة على المحيط الهندي من أجل حماية مصالحها الاستراتيجية والبحرية المختلفة في هذه المنطقة. وسلّط الضوء على بعض التهديدات والتحديات غير التقليدية المتزايدة في المحيط الهندي، وتنامي الوجود البحري لقوى من خارج المنطقة.

وقد أُجريت هذه المقابلة على هامش المحاضرة التي ألقاها الدكتور ساخوجا في 23 إبريل 2012 بقاعة الشيخ زايد بمركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية تحت عنوان "الأهمية الاستراتيجية لمنطقة المحيط الهندي"، وفيما يلي نص المقابلة:

س: ما هو موقع دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية في مختلف الهياكل والاتفاقات المتعلقة بالجوانب الاستراتيجية والبحرية في منطقة المحيط الهندي، وما الذي يتعيَّن عليها عمله من أجل تعزيز مصالحها في تلك المنطقة؟

ج: دول مجلس التعاون الخليجي جميعها دول بحرية، وتحتل منطقة المحيط الهندي مكانة بارزة في اقتصاداتها البحرية. وهذه الدول، في الواقع، لها مصالح مهمة في منطقة المحيط الهندي، سواء كان ذلك لأغراض تجارية أو في مجال الموارد البحرية الحية وغير الحية، أو كبح القرصنة ومحاربة الإرهاب … إلخ. لذلك، من المهم أن تقوم دول الخليج العربية ببناء هياكل بحرية قوية فيما بينها، والسماح لهذه الهياكل بأن تتكامل مع الهياكل الإقليمية الأخرى في منطقة المحيط الهندي دعماً لقاعدة إقليمية أوسع.

أعتقد أن منطقة المحيط الهندي قد حُرِمت بطريقة ما من السمة الإقليمية. إن رابطة التعاون الإقليمي للبلدان المطلّة على المحيط الهندي (IOR-ARC) التي بدأت في عام 1995، كانت تهدف في الأساس إلى تحقيق التعاون والعمل المشترك بين اقتصادات منطقة المحيط الهندي. وقد بدأت بداية موفّقة، لكنها فقدت زخمها بعد فترة من الزمن وتضاءل شأنها. ومع مرور الوقت، طوّرت مختلف دول منطقة المحيط الهندي هياكلها وتكتلاتها الخاصة بها. فإذا نظرنا إلى القارة الإفريقية، نجد أن دول شرق إفريقيا أنشأت الجماعة الإنمائية للجنوب الإفريقي (SADC)، كما نجحت دول مجلس التعاون الخليجي بشكل فعّال للغاية في تطوير الهياكل الخاصة بها، وكذلك فعلت رابطة جنوب آسيا للتعاون الإقليمي (SAARC)، ورابطة أمم جنوب شرق آسيا (ASEAN)، لكن لم ينظر أحد إلى منطقة المحيط الهندي الكبرى. هناك بعض المؤسسات التي بحثت في قضايا هذه المنطقة البحرية، لكنها لم تلتق على أمرٍ مشترك قط. مع ذلك، هناك إدراك الآن داخل رابطة التعاون الإقليمي للبلدان المطلّة على المحيط الهندي (IOR-ARC)، التي يقع مقرها الرئيسي في موريشيوس، بأن الوقت قد حان لمعالجة القضايا الأمنية غير التقليدية، مثل القرصنة والإرهاب وتغيُّر المناخ … إلخ. لذلك، في حين أن الارتباط الاقتصادي بين دول المنطقة سيستمر، فمن المهم إدراج القضايا الأمنية غير التقليدية في سياسات الدول المطلة على المحيط الهندي.

التطور الآخر الذي حدث مؤخراً في منطقة المحيط الهندي يتمثل في إقامة ما يعرف باسم "الندوة البحرية لدول المحيط الهندي (IONS)". وخلال الأسبوع الماضي عقد أعضاء الندوة اجتماعاً في جنوب إفريقيا شارك فيه قادة بحريون من 33 دولة. وقدّم المشاركون وجهات نظرهم حول مختلف الأمور وناقشوا القضايا الصعبة، وأعتقد أنهم عادوا إلى أوطانهم بفكرة العمل المشترك وأنهم سيعملون على إيجاد تكتُّل إقليمي أكثر قوة. وسيكون من المفيد تطوير الندوة البحرية لدول المحيط الهندي إلى هيكل إقليمي، كما أن الدعم المقدم من دول مجلس التعاون الخليجي سيكون حاسماً جداً في هذا الصدد.

هناك أيضاً الشق الثاني الذي يتمثل في ضرورة تعزيز الجهود اللازمة لتطوير الهياكل الإقليمية لهذه المنطقة. وفي هذا الصدد، يمكن أن يجتمع العلماء والمحللون والخبراء لتبادل الأفكار والخروج بنقاط التقاء وتقارب تُقدَّم إلى الحكومات لإدراجها في عملية صنع السياسات، ثم تزوّد الحكومات الهياكل الإقليمية بهذه السياسات وتعمل على جمع المناطق معاً.

س: في رأيك، ما هي أهم التحديات والتهديدات التي تواجه الأمن البحري في منطقة المحيط الهندي؟

ج: ظل المحيط الهندي فضاء بحرياً يساعد على تسهيل المعاملات الاقتصادية والاستراتيجية بين الحضارات. لقد ارتبطت الحضارات في الشرق الأوسط والصين عبر المحيط الهندي منذ أزمان بعيدة. وكانت مناطق العالم العربي والهند وآسيا تتمتع بنوع من التفوّق في طرق التجارة إلى أن دخلت القوى الغربية، مثل البرتغاليين والفرنسيين والبريطانيين والأمريكان، المحيط الهندي. وفي نظري هذه هي القوى القادمة من خارج المنطقة. مع ذلك، دعونا لا نغفل مساهمة هذه القوى الخارجية في حفظ النظام في مياه المحيط الهندي ومساهمتها في مكافحة الإرهاب والقرصنة ومكافحة أسلحة الدمار الشامل، وكذلك مساهمتها في مجال المساعدات الإنسانية والإغاثة في حالات الكوارث، خصوصاً خلال كارثة تسونامي التي وقعت في المحيط الهندي في عام 2004.

الأمر الآخر الذي نشهده في المحيط الهندي يتمثل في التهديدات والتحديات الأمنية غير التقليدية، والتي تظهر في عدة صور، كالقرصنة والإرهاب وتهريب الأسلحة وتهريب المخدرات والهجرة غير الشرعية وتغير المناخ. وفيما يتعلق بالأخير، سوف يتعين على الدول المطلة على المحيط الهندي بذل جهود جبارة لمعالجته. ونحن جميعاً نعلم أنه من المتوقع أن ترتفع مناسيب مياه البحار، وسوف يؤثر ذلك في المناطق الساحلية، وستكون الدول الجزرية هي الأكثر تضرراً من غيرها. فعلى سبيل المثال، يُخشى أن يغرق بعض من جزر المالديف بعد فترة 30-40 عاماً أخرى. وهذا يعني أن سكان هذه الجزر سيتحولون إلى ما يسمّى "لاجئو المناخ". إن التحدي أمام جزر المالديف كبير جداً. فهذه الدولة بدأت تفكّر بالفعل في تأجير أراضي في الهند أو سريلانكا أو أستراليا لإعادة توطين شعبها. ويمكن أن تكون هذه العملية معقّدة بسبب الهجرة غير الشرعية، وسيثار السؤال حول مدى قبول الدول الأخرى لشعب جزر المالديف.

هناك مسألة أخرى متعلقة بالتهديد المحدق بالبنية التحتية الساحلية. وكمثال على ذلك، نجد أن نحو 25% من مومباي يقع في مناطق منخفضة، ويعيش نحو 40% من سكانها في هذه المناطق المنخفضة. كما أن أنماط الرياح الموسمية الحالية تُظهر زيادة في معدلات هطول الأمطار والفيضانات في هذه المناطق. وهذه الحوادث أصبحت أكثر تكراراً في بحر العرب وخليج البنغال. لذلك، لا يكفي تطوير القوات المسلحة والقوات البحرية فقط لمعالجة القضايا الأمنية المعقدة. وسيتعيّن على القوات البحرية تكييف نفسها لمعالجة القضايا الأمنية غير التقليدية. من ناحية أخرى نحن نواجه مشكلة الإرهاب القادم من البحر. وقد رأينا ذلك خلال هجمات مومباي، حيث جاء الإرهابيون من البحر إلى المناطق الساحلية. لذا فإن المناطق الساحلية ستصبح أكثر فوضوية.

بناءً على ذلك، إذا قمنا برصد التهديدات الأمنية غير التقليدية فسنجدها تتمثل في القرصنة والإرهاب وتهريب الأسلحة وتهريب المخدرات والهجرة غير الشرعية، وستحدث جميع هذه الأنشطة على طول المناطق الساحلية، ما يعني أن المناطق الساحلية بدأت تصبح أماكن تسودها الفوضى، وهو ما أسميه "الفوضى في المناطق الساحلية". لذلك يتعيّن على الهند والدول الأخرى الواقعة في منطقة المحيط الهندي أن تطوّر قدراتها لمواجهة التهديدات والتحديات غير التقليدية.

س: يرى بعض الخبراء أن الصين أخذت توسّع وجودها في المحيط الهندي وبدأت تدخل في منافسة مع الهند للسيطرة على الطرق البحرية في المحيط الهندي. فكيف تنظرون إلى تطوّر هذا التنافس؟

ج: ما يحدث بين البلدين هو منافسة عادية. وقد برزت هذه المنافسة على عدة مستويات–اقتصادياً وسياسياً واستراتيجياً وأمنياً. وتتجلى هذه المنافسة على المستوى الاقتصادي في معدلات النمو في البلدين، رغم عدم عدالة المقارنة بين الهند والصين بحكم اختلاف نماذج نمو الناتج المحلي الإجمالي في كل منهما. وفيما يتعلق بالديناميات السياسية والاستراتيجية، من الطبيعي جداً أن توسِّع الدول نفوذها من أجل حماية مصالحها الوطنية، خصوصاً أن كلاً من الهند والصين قوى صاعدة. وعندما تكون القوى الصاعدة في حالة نمو، فإنها تحتاج إلى فضاء تتمدّد فيه، ولا بد من حدوث بعض الاحتكاكات، لكن هذا الجانب تمت إدارته والتحكم فيه على نحو بنّاء حتى الآن. وسوف يُفاجأ المرء بالتعاون الجاري بين الهند والصين واليابان في خليج عدن في مجال مكافحة القرصنة ومرافقة السفن التابعة لبعضهما البعض. وهذا يعني أن هناك نوعاً من التعاون بين الهند والصين في التصدي للقضايا ذات الاهتمام المشترك. علاوة على ذلك، تعمل الهند والصين معاً ضمن مجموعة دول البريكس (BRICS)، كما تعملان معاً على مستوى متعدد الأطراف لمعالجة الأزمة المالية العالمية والقضايا المتعلقة بتغير المناخ. لكن باعتبارهما قوتين صاعدتين، لا بد من وجود بعض الاختلافات بينهما.

Share