اختبار صعب للحكومة العراقية الجديدة

  • 10 مايو 2005

بعد انتظار طويل، اكتمل التشكيل الحكومي الجديد في العراق بعد مرور نحو ثلاثة أشهر اختلطت فيها أخبار مفاوضات التشكيل بإحصاءات القتلى والعمليات الإرهابية التي تجوب مدن العراق. والحكومة الجديدة، وهي الحكومة الثالثة منذ سقوط نظام صدام حسين، تواجه مهمات وملفات صعبة ومعقدة، بخاصة مهمة ضمان تحقيق استقرار البلاد والبدء بإعادة الإعمار، ولكن الاختبار الحقيقي الأبرز للحكومة العراقية الجديدة يتمثل في العمل كفريق واحد بعيداً عن فكرة "المحاصصة" التي سادت أثناء التفاوض حول تقاسم السلطة، حيث تراجع الحديث عن الهوية الوطنية الواحدة نسبياً لمصلحة خطاب قائم على الانتماءات العرقية والدينية. وإذا كانت "المحاصصة" هي السبيل الذي اختاره الساسة العراقيون للتعامل مع تحديات المرحلة الراهنة والحد من التوترات الناشبة بين مكونات المجتمع العراقي وتشكيل حكومة ائتلاف وطني واسع، تطوي مختلف التيارات والطوائف تحت لوائها، فإن من المفيد الآن بدء مرحلة جديدة تعتمد على المصالحة والمصارحة الوطنية كسبيل لإعادة الأمن والاستقرار، ودحض أي شوائب أو ضغائن سياسية ربما تكون قد أفرزتها مفاوضات التشكيل الحكومي.

واللافت أن الاختلاف لم يقتصر على تشكيل الحكومة بل يمتد إلى مهامها وأولوياتها حتى داخل قوى "الائتلاف الشيعي الموحد"، فبعض المرجعيات الدينية الشيعية تطالب بالاهتمام بالملفات الساخنة وأولها الملف الأمني الذي يؤثر في الاقتصاد، وتقديم الخدمات، إلى جانب القضاء على الفساد الإداري والمشروعات الوهمية واختراق الأجهزة الأمنية، فيما يرى آخرون من رجال الدين الشيعة أن أهم مهمة يمكن أن تقوم بها الحكومة الجديدة هي إعدام صدام حسين ومساعديه، واعتبارها "أفضل هدية" يمكن أن تقدمها حكومة الجعفري إلى الشعب العراقي، ولكن من بين أفضل ما قيل من التعليقات على تشكيل الحكومة العراقية الجديدة، هو أنها تمثل الحالة الممكنة ولا تمثل الحالة المثالية، وأن هذه الحكومة ليست نهاية العالم سياسيا بالنسبة إلى من لم يشارك فيها، فعجلة الديمقراطية دارت في العراق وصناديق الاقتراع ستكون هي الفيصل في تشكيل صفوف الحكومة والمعارضة، وبالتالي فإن الممارسة الديمقراطية ينبغي أن تكون محور الرهان والتركيز ضمن تحول هائل يعتبر الشعب العراقي هو الفائز الأكبر فيه.

الحقيقة الثابتة الآن، أن هناك حكومة جديدة تواجه مهام صعبة ومتعددة والمدة المتاحة أمامها قصيرة، وما يزيد موقفها صعوبة هو أنها تعمل وسط أجواء من الشكوك في مقدرتها على التحدث بصوت واحد والجمع والتنسيق بين الأهواء والبرامج المتفاوتة لأعضائها، ومع ذلك تبقى فرص النجاح وتحقيق إنجاز تاريخي يحسب لهذه الحكومة، قائمة في حال وضعت مصلحة العراق نصب عينيها وحاورت جميع الأطراف الوطنية من دون استثناء ومن دون شروط، ووضعت آلية جدية لإشراك كل مكونات الشعب العراقي الدينية والسياسية والقومية في صياغة الدستور. وما يشجع على التفاؤل أن المسؤولين في القوائم الانتخابية الفائزة بالانتخابات على وعي بذلك، وقد عبروا عن رغبتهم في دعوة كل الأطراف الوطنية لصياغة الدستور. وأن الأطراف المقاطعة للعملية السياسية والانتخابات والتي انسحبت منها، عبرت كلها من دون تردد، في مواقف عدة، عن رغبتها في الإسهام بكتابة الدستور.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات