اختبار حاسم للنظام الدولي

  • 7 يناير 2009

لا شك في أن العدوان الإسرائيلي السافر على قطاع غزة، الذي تسبب بوضع إنساني خطر تتصاعد تحذيرات المنظمات الدولية المختلفة منه ومن تطوراته خلال الفترة المقبلة، يمثل اختبارا حاسما للنظام الدولي برمته، ومضامين الشرعية الدولية، والقانون الدولي، وصدقية الأمم المتحدة، وقدرتها على حفظ الأمن والسلام في العالم، أو أن تكون إطارا مقبولا وفاعلا ومقنعا للحصول على الحقوق المشروعة، وصد العدوان، وحماية الضعفاء، وصيانة أرواحهم وممتلكاتهم، وبعث الطمأنينة في قلوبهم.

في كل مرة تتعثر فيها الأمم المتحدة في ممارسة ضغط حقيقي على إسرائيل لوقف عدوانها، أو الاعتراف بالحقوق الفلسطينية والعربية المشروعة، أو يفشل المجتمع الدولي في اتخاذ موقف حاسم تجاه أزمات منطقة الشرق الأوسط العديدة، يزداد موقف القوى المعتدلة والمؤيدة للسلام والنابذة للعنف في المنطقة حرجا وصعوبة، فيما تكتسب القوى الراديكالية والداعية إلى العنف أرضا جديدة ومؤيدين جددا، لأنها تصبح قادرة على الدفاع عن منطلقاتها وترويج أفكارها، ولهذا فإن التحرك الدولي السريع من أجل إيقاف المجازر التي ترتكبها إسرائيل في غزة من دون وازع من ضمير أو أخلاق، لن ينقذ سكانها الأبرياء من القتل والدمار والجوع فحسب، وإنما سيحمي الاستقرار في هذه المنطقة المهمة من العالم، لأنه سيعيد ثقة شعوبها بالشرعية الدولية، وتمسكهم بها طريقا لاستعادة الحقوق وضمان الأمن، ويقدم دعما لتيارات الاعتدال والتعايش والحوار.

إن تعامل المجتمع الدولي مع العدوان الإسرائيلي على غزة، هو أحد تجليات تعامله مع الكثير من الأزمات والقضايا المطروحة على الساحة الدولية، فعلى الرغم من أن العالم قد أصبح يعاني تحديات كبيرة على أكثر من مستوى سياسي واقتصادي وأمني ومناخي، يمكن أن تهدد الوجود الإنساني نفسه، فإن التعامل الدولي مع هذه التحديات ما زال يفتقر إلى الجدية والفاعلية من ناحية، والتعاون وتنسيق المواقف من ناحية أخرى، في الوقت الذي تؤكد فيه المؤشرات المختلفة أن أسباب الاضطراب وعدم الاستقرار والصراع تتصاعد على الساحة الدولية بشكل كبير، وتطول آثارها السلبية كل دول العالم، كبيرة كانت أو صغيرة، حيث لا يمكن لأي دولة أن تعزل نفسها عنها من ناحية، أو أن تواجهها بمفردها، مهما كانت قدراتها وإمكاناتها، من ناحية أخرى، لأن مشكلات مثل الإرهاب والاحتباس الحراري والانتشار النووي والأزمات المالية والاقتصادية، تفرض تحديات ذات طابع عالمي، ولا تمكن معالجتها إلا من خلال إطار جامع. هناك حاجة إلى دفعة جديدة للعمل الدولي المشترك، وتدعيم مفهوم الأمن الجماعي على الساحة العالمية، خاصة وقد تحول العالم إلى قرية واحدة في ظل ثورة الاتصالات، وكذلك هناك حاجة إلى إعادة الاعتبار إلى الأمم المتحدة، المنظمة الدولية الأم التي أنشئت لحفظ الأمن، وتحقيق التنمية في العالم، ومنع انزلاقه إلى الحروب والصراعات بعد تجربة الحرب العالمية الثانية المدمرة، فهذا هو الطريق الوحيد الذي تستطيع من خلاله البشرية معالجة مشكلاتها، والتصدي لتحدياتها الكونية الخطرة.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات