اختبار حاسم للأمم المتحدة

  • 11 مارس 2003

تواجه الأمم المتحدة، بسبب الأزمة العراقية، فترة صعبة في تاريخها، خاصة مع اقتراب هذه الأزمة من مرحلة الحسم في ظل مشروع القرار الأمريكي-البريطاني-الإسباني المطروح على مجلس الأمن الدولي والذي يمنح العراق مهلة حتى السابع عشر من هذا الشهر لنزع أسلحته سلماً وإلا واجه الحرب، وسيمثل أسلوب تعاطي المجلس مع القرار اختبارا فاصلا للمنظمة الدولية الأم التي حملت آمال العالم في الأمن والسلام بعد حربين عالميتين طاحنتين، ومازالت محط أنظار المتطلعين إلى فكرة الأمن الجماعي العالمي والداعين إلى التعاون بدلا من الصراع والتصادم على الرغم مما تواجهه من عثرات ومشكلات وما يوجه إليها من انتقادات بين الحين والآخر. ولقد كان تعامل الأمم المتحدة الجماعي والفاعل مع الغزو العراقي للكويت في عام 1990 دافعاً للكثيرين لكي يؤكدوا أن دورها سوف يتعاظم في قضايا العالم المختلفة بعد انتهاء الحرب الباردة وتخلصها من عقد الصراع بين الشرق والغرب وسيف "الفيتو" الذي كان مسلطاً عليها ومكبلاً لحركتها، واليوم، وبسبب العراق أيضاً، تبدو النظرة إليها مختلفة والخوف على مستقبلها كبيراً والدعوات إلى الحفاظ عليها وعلى دورها كثيرة ومتنوعة، حيث يبدو العالم بحاجة إليها ربما أكثر من أي وقت مضى في ظل دعوات الصراع بين الحضارات والأديان التي تتصاعد وتيرتها مسببة حالة من الاحتقان والتوتر.

إن مكمن التحدي والخطر الذي تواجهه الأمم المتحدة في الأزمة العراقية، يعود إلى العديد من الاعتبارات والعوامل التي تتعلق بالتطورات التي لحقت ببنية النظام الدولي على مدى السنوات الماضية والقواعد الحاكمة للتفاعلات بين دوله. أول هذه الاعتبارات أن الأمم المتحدة على الرغم من الجهود التي بذلتها أو تلك التي بذلت عبرها ومن خلالها لم تستطع تأمين تسوية سياسية للملف العراقي المثار والحاضر فيها على مدى أكثر من اثني عشر عاماً، وهذا دعا البعض إلى التساؤل الجدي عن أهمية الأمم المتحدة كإطار مناسب لحل النزاعات والحيلولة دون تفجرها وتحولها إلى صراعات مسلحة، ومن هذا التساؤل خرجت الدعوات إلى ضرورة إصلاح الأمم المتحدة إلا إنها لم تلق الاهتمام اللازم من الأطراف المعنية. والاعتبار الثاني يتعلق بالحدة التي تتسم بها الانقسامات حول العراق، بحيث إنها تحوّلت إلى مادة للصراع بين القوى الكبرى المؤثرة في الأمم المتحدة بصورة تذكّر بفترة الحرب الباردة وتهدد بإصابة مجلس الأمن بالشلل، وبالتالي ابتعاده عن إدارة أزمة من أخطر الأزمات التي تواجه العالم منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية. ويرتبط بالاعتبار السابق اعتبار آخر على درجة كبيرة من الأهمية وهو أن العالم مملوء بالأزمات، حيث يعول كثيراً على الأمم المتحدة ودورها في حلها، ولا شك في أن أسلوب تعاملها مع العراق سوف يؤثر في مستقبل تعاطيها مع الأزمات الأخرى في مختلف المناطق من العالم، أي أنه سوف يمثل سابقة مهمة في هذا الصدد. يضاف إلى ما سبق أن الأزمة العراقية بكل أبعادها الدولية والإقليمية سوف تحدد شكل النظام الدولي وقواعده خلال السنوات المقبلة، ومع كل نظام دولي جديد يثار التساؤل عن موقع الأمم المتحدة ودورها فيه. إن ما سبق يشير إلى أهمية الحفاظ على وجود الأمم المتحدة وتماسكها ووحدتها ضمن أهم أولويات العالم خلال هذه المرحلة، لأن بديل ذلك سوف يكون مقدمة لتطورات خطيرة، فرغم كل شيء تظل هذه المنظمة هي الأمل في عالم أكثر أمناً وتقدماً وتماسكاً.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات