اختبار جدّي للإرادة الدوليّـة

  • 8 يونيو 2010

 في البيان الرئاسي الذي أصدره "مجلس الأمن الدوليّ" حول الاعتداء الإسرائيلي على أسطول "قافلة الحريّة" في عرض البحر المتوسط، دعا إلى إجراء تحقيق "عاجل ومحايد وذي صدقيّة وشفاف يتوافق مع المعايير الدولية" بشأنه. وخلال الأيام الماضية تصاعدت المواقف الدوليّة المطالبة بتحقيق دولي في ما جرى. وكان الموقفان الفرنسي والألماني واضحين في التعبير، مؤخراً، عن الإصرار على التحقيق ذي الطابع الدولي. فيما دعا الأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون، إلى تشكيل لجنة تحقيق دوليّة بمشاركة الأمم المتحدة والولايات المتحدة وتركيا وإسرائيل، في محاولة، في ما يبدو، لإقناع تلّ أبيب بالتعاون معها. لكن إسرائيل ما زالت تصرّ على رفض هذا التحقيق، وتطرح بدلاً منه تحقيقاً داخليّاً خاصّاً يجعلها في موقف الخصم والحكم، أو الجلاد والضحية، في الوقت نفسه، فضلاً عن أنه تحقيق معروفة نتائجه مسبقاً، خاصة مع الكمّ الكبير من الأمور الملفّقة التي تعمل الحكومة الإسرائيلية على طرحها لتبرير عدوانها على أسطول "قافلة الحرية".

وفي مواجهة هذا الموقف الإسرائيلي المتعنّت أولاً، الذي لا يعطي أيّ اهتمام لموقف "مجلس الأمن الدولي"، أو مواقف الأطراف المختلفة في العالم ثانياً، فإن الإرادة الدوليّة المجتمعة على ضرورة إجراء التحقيق، وأن يكون ذا طابع دولي لضمان جدّيته ونزاهته، تواجه اختباراً جدّياً من المهم أن تنجح فيه، حتى لا تكون إسرائيل قادرة على فرض إرادتها الخاصة على العالم، ومنع تحقيق العدالة في حادث مأساوي تفاعل معه العالم كلّه، وما زال على المستويين الشعبي والرسمي في ظل مطالبات قويّة بمحاسبة المسؤولين عنه. لا بدّ من أن تخضع تل أبيب للإرادة الدولية بشأن التحقيق في الاعتداء على سفن أسطول "قافلة الحرية"، حتى لا يتكرّس الاقتناع في منطقة الشرق الأوسط بشكل عام، والمنطقة العربية على وجه الخصوص، بأنها دولة فوق الحساب والقانون الدولي والأمم المتحدة ومقرّراتها، وأن الآليّات السياسية والقانونية الدولية غير كافية لإحقاق العدالة والحصول على الحقوق المشروعة، لأنه في هذه الحالة سوف تكون النتائج على درجة كبيرة من الخطورة على أمن المنطقة كلّها.

تخشى إسرائيل دائماً أيّ تحقيق دولي في ممارساتها العدوانية، وتصرّ باستمرار على عدم التزام قرارات الأمم المتحدة والهيئات التابعة لها، ولا شكّ في أن سكوت العالم على هذه السياسة يشجّع القادة الإسرائيليين على المضيّ قدماً في رفع قفاز التحدّي في وجه الجميع، والضرب بإرادة المجتمع الدولي عرض الحائط، وهذا يعرّض ليس أمن الشرق الأوسط فقط، وإنما الأمن العالمي كلّه لخطر كبير. يمتلك العالم والقوى الكبرى فيه فرصة ذهبية هذه المرة لإخضاع إسرائيل لمقرّرات "مجلس الأمن"، في ظل الغضب الدوليّ الكاسح تجاه عدوانها على سفن المساعدات الإنسانية لغزة، ولذلك فإن على العالم عدم تفويتها، أو التفريط فيها، وعدم ترك ما حدث ليمرّ من دون تحقيق وحساب، حتى تعود وتتعزّز الثقة بأطر العمل الدولي وآليّاته وقدرتها على ضبط تفاعلات العالم والحفاظ على أمنه واستقراره.

Share