اختبار إرادة في العراق

  • 13 أبريل 2003

أياً كان تفاوت التقديرات والمشاعر والآراء حيال ردود فعل الشارع العراقي عقب انهيار نظام صدام حسين، فإن "اللعبة قد انتهت" كما قال محمد الدوري مندوب العراق لدى الأمم المتحدة، وانتهاء "اللعبة" يعني بالأساس تراجعا في حدة الحرب وانحصارها في مواجهات منفصلة وقليلة بين القوات الأمريكية وجيوب المقاومة المتفرقة على أراضي العراق، ولكن يبقى تحدي البحث عن استمرار العراق. وفي ظل التقارير التي تتحدث عن استمرار انتشار الفوضى وغياب القانون والأمن الاجتماعي في المدن العراقية تصبح الأولوية لإعادة الأمن والاستقرار، كما يصبح فراغ السلطة في العراق بمنزلة مناسبة لاختبار إرادة قادة الفصائل والتنظيمات العراقية كافة في الحفاظ على الأمن والاستقرار، ووضع أساس لنظام ديمقراطي متعدد الأعراق يتسع لجميع أبنائه في الداخل والخارج.

والمؤكد أن الفيصل في إثبات جدية قادة التنظيمات والفصائل العراقية لا يكمن في إيجاد واقع سياسي معين على الأرض أو الحصول على تعهدات من دول التحالف بدور ما في لعبة تقاسم السلطة والنفوذ في عراق ما بعد الحرب، ولكن الفيصل هنا يكمن في المقدرة على تحمل المسؤولية ومواجهة تحديات بناء الدولة وتجاوز الشكوك والخلافات الضيقة بين التنظيمات والفصائل العراقية. وإذا كان تحقق النصر بمفهومه العسكري يرتبط بتنفيذ الأهداف "السياسية" الموضوعة، على اعتبار أن الحرب هي في النهاية أداة لتحقيق غرض سياسي ما، وأن حرب العراق لم تكن استثناء من تلك القاعدة، فإن الخبراء يرون أن الانتصار العسكري يجب أن "يتوج" بانتصار سياسي لا يقل أهمية عما تحقق على مسرح العمليات، فالقضاء على عمليات السلب والنهب وتحقيق الاستقرار الأمني والاجتماعي، والتوصل إلى آليات لتقاسم السلطة في دولة تتسم بـ "موزاييك" عرقي وديني فريد ليس سوى حلقة ضمن حلقات التغيير في العراق كي يلمس المواطن العراقي البسيط حجم التحولات السياسية والأمنية الجارية في بلاده، وكي يقطف البسطاء، الذين كانوا أشد الفئات والقطاعات معاناة في السنوات السابقة، ثمار التغيير.

وفي ضوء الخلافات والمعارك الدبلوماسية التي تلوح في الأفق سواء بين التنظيمات والفصائل العراقية حول تقاسم السلطة، أو القوى الإقليمية والدولية حول الدور المفترض للأمم المتحدة، فإن الأولوية يجب أن تعطى كذلك لتلبية الاحتياجات الإنسانية للشعب العراقي، ولذا فإن الأيام المقبلة تنطوي على تحديات هي في جوهرها تمثل اختبار إرادة لقادة الفصائل والتنظيمات العراقية كافة، وإذا كان الحسم العسكري قد أنهى المعارك إلى حد كبير، وإذا كان سقوط التماثيل بمنزلة إعلان عملي لانهيار نظام صدام حسين، فإن كسب الحرب لن يتأتى إلا بعد أن يثبت الجميع نجاحهم في بلورة صيغة حكم سياسية تتلاءم وحضارة هذا البلد العريق، ولذا فإن رهان قوات التحالف على كسب معركة "العقول والقلوب" قد يمثل دافعا قويا يحرض الفصائل العراقية على ترجمة شعور العراقيين بالتغيير.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات