اختبار أوروبي حاسم

  • 17 فبراير 2003

اليوم يلتقي قادة الاتحاد الأوروبي في قمة طارئة في العاصمة البلجيكية بروكسل، في محاولة للوصول إلى موقف أوروبي موحد ومشترك بشأن الأزمة العراقية والسيطرة على الخلافات الشديدة التي برزت بين دوله خلال الفترة الأخيرة حول السياسة الأمريكية تجاهها، ومن هذه النقطة الأخيرة تنبع أهمية هذه القمة التي يمكن اعتبارها قمة فاصلة في تاريخ الاتحاد الأوروبي، واختباراً حاسماً لمدى تماسك البناء الأوروبي المشترك ومقدرته على التعامل مع الخلافات بين أعضائه وترشيدها بما يحافظ على بقائه واستمراره وتطوره.

والواقع أن هذه ليست المرة الأولى التي تختلف فيها الدول الأوروبية حول بعض القضايا، ولكن خطورة الخلافات الأوروبية هذه المرة تكمن في العديد من الاعتبارات التي تتعلق بمضمونها وأطرافها والمدى الذي وصلت إليه. أول هذه الاعتبارات أن هذه الخلافات حادة وشديدة وتتباعد المواقف في ظلها بشكل كبير وربما غير مسبوق لدرجة تحولت معها أوروبا إلى حلفين، أحدهما مؤيد للولايات المتحدة وسياساتها تجاه العراق بزعامة بريطانيا وإسبانيا، والآخر يعارض السياسة الأمريكية تجاه العراق وتتزعمه كل من فرنسا وألمانيا، والاعتبار الثاني أنها خلافات تتعلق بقضايا محورية في تقرير مستقبل الاتحاد الأوروبي مثل شكل العلاقة مع الولايات المتحدة ومساحة التبعية والاستقلال فيها، فضلا عن مدى مقدرة الاتحاد على لعب دور مؤثر في الساحة الدولية ينطلق من سياسة خارجية واحدة ومتسقة بعد أن حقق درجة عالية من التكامل الاقتصادي ضمنت له تأثيراً اقتصادياً كبيراً في الساحة العالمية. والاعتبار الثالث هو أن هذه الخلافات تتلامس مع خلافات وتحالفات موجودة بالفعل داخل الاتحاد الأوروبي ذاته حول العديد من القضايا والسياسات، أي إن الخلاف حول العراق بهذا الشكل الحاد وبهذا الاستقطاب له جذوره داخل أوروبا، حيث يعد المحور الألماني-الفرنسي أحد مسببات القلق لبعض الدول الأوروبية الأخرى وفي مقدمتها بريطانيا، على مدى تاريخ العمل الأوروبي المشترك منذ بدايته، خاصة أنه يرتبط بقضايا الزعامة والقيادة الأوروبية. أما رابع هذه الاعتبارات فإن الخلافات بين دول الاتحاد الأوروبي بهذا الشكل الخطير الذي يهدد وحدته تجيء بينما يستعد الاتحاد لانضمام عشر دول من أوروبا الشرقية إليه، حيث ثبت أن ولاء معظم هذه الدول العشر للولايات المتحدة كبير وتعطي لعلاقاتها معها أهمية ربما تفوق أهمية علاقاتها الأوروبية، وهذا ما وضح من خلال مواقفها من الأزمة العراقية. وهذا يطرح تساؤلاً مهماً يتعلق بتأثير انضمام هذه الدول إلى الاتحاد الأوروبي في وحدته وتوازنات القوى الداخله، خاصة بعد أن قال وزير الدفاع الأمريكي إن النفوذ داخل أوروبا يتجه إلى الشرق فيما تمثل فرنسا وألمانيا "أوروبا القديمة".

ورغم كل ماسبق فإن ثمة درساً مهماً تقدمه أوروبا إلى التكتلات الإقليمية الأخرى المشابهة للاتحاد الأوروبي من خلال أسلوب تعاملها مع خلافاتها وكيف تديرها، يتمثل في أنه على الرغم من عمق هذه الخلافات يحرص أطرافها على الحوار والالتقاء لمناقشتها ضمن المؤسسات المشتركة مما يكسب هذه المؤسسات القوة والمصداقية.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات