احتمالات تباطؤ الاقتصاد الصيني

  • 7 مارس 2012

سواء أكان الأمر مخططاً له أم محض مصادفة، فإن معدل النمو الاقتصادي في الصين أخذ ينخفض بعدما كان قوياً. فمنن ناحية، دأبت الحكومة الصينية على مدار سنتين تقريباً على تنفيذ تدابير تمنع وصول الاقتصاد إلى مستوى عال من النمو لا يمكن التحكم فيه. ومن ناحية أخرى، ساهم انخفاض حجم الصادرات الصينية، وتباطؤ قطاع العقارات والأسواق الائتمانية، في تراجع نمو ثاني أكبر الاقتصادات في العالم، وبشكلٍ فاق التوقعات.

وقبل ذلك، كانت الصين تسجل معدل نمو سنوياً مؤلفاً من خانتين لأكثر من عقدين. لكن معدل النمو انخفض إلى 9.2% في عام 2011، مقارنة بنحو 10.4% عام 2010. وفي 6 مارس 2012، خفّضت الصين معدل النمو الاقتصادي المستهدف بشكل كبير ليصل إلى 7.5%، وهو المعدل الأدنى منذ عام 2004. ودق هذا ناقوسَ الخطر خشية أن يؤدي التباطؤ الحالي إلى "هبوط تصحيحي حاد" لاقتصاد البلاد، عندما يصل معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي إلى أقل من 6%. ومن شأن هذا الهبوط أن يؤثر بشكل كبير وسلبي، ليس في الصين وحسب، وإنما في الاقتصاد العالمي أيضاً.

وفي 22 فبراير 2012، أصدر البنك الدولي ومركز بحوث التنمية التابع لمجلس الدولة، وهو مؤسسة فكرية صينية لها نفوذها، تقريراً من 468 صفحة، عنوانه "الصين 2030: بناء مجتمع حديث ومتجانس مرتفع الدخل يتميز بالابتكار". ومع أن التقرير يتوقع أن تغدو الصين الاقتصاد الأكبر في العالم قبل عام 2030 بكثير، إلا أنه يحذّر من وقوع البلاد في "فخ الدخل المتوسط" الذي يترافق والنمو الاقتصادي البطيء، ويتمثل، وفقاً لـ "روبرت زوليك" رئيس البنك الدولي، في ركود الإنتاجية ونمو الدخل بعد أن يصل نصيب الفرد من الدخل إلى ما يراوح بين ثلاثة آلاف وستة آلاف دولار سنوياً. وبالإضافة إلى ذلك، علّق زوليك على صدور التقرير بقوله: "يعلم قادة الصين أن النموذج الحالي لنمو بلدهم ليس مستداماً"، ويرى زوليك أن هذا النموذج لن يناسب العقود المقبلة، وأن الصين وصلت الآن إلى نقطة تحول في مسار تنميتها، وأن على القادة الصينيين الشروع بإصلاحات فورية، مثل تحرير الاقتصاد من قبضة الشركات المملوكة للدولة؛ حتى تؤدي السوق دوراً أكبر وأكثر إيجابية.

وفيما كان المستثمرون العالميون قلقين أصلاً من تراجع الناتج الصناعي الأوروبي والطلبيات التي تستقبلها المصانع الأمريكية في شهر فبراير الفائت، ازداد توتّرهم بعد صدور تقرير البنك الدولي الذي دعا إلى إصلاحات هيكلية في المحرك الرئيسي للنمو في العالم. واللافت أن الاقتصاديين الصينيين البارزين بدؤوا بالإعراب عن مخاوفهم إزاء آفاق الاقتصاد الصيني في عام 2012. ففي مقابلة أجرتها معه وكالة رويترز مؤخراً، حذّر "شي زياو مين"، نائب رئيس الجمعية الصينية للإصلاح الاقتصاديCSER ومستشارالحكومة الصينية، من أن اقتصاد الصين قد يعاني من "هبوط تصحيحي عنيف" في عام 2012؛ لأن تباطؤ الطلب المحلي والخارجي قد يدفع نمو الناتج المحلي الإجمالي إلى الانخفاض لأقل من 8%، وربما إلى 6-7%". وقال زياو مين إن المشكلة لا تقتصر على تباطؤ الاقتصاد فحسب، لأنه من المحتمل أن يقلل الاستثمار الزائد أو فرط الاستثمار خيارات بكين.

وفي إشارته إلى الاستثمار الزائد، كان زياو مين يلمح إلى خطة تحفيز بقيمة 4 تريليونات يوان (حوالي 570 مليار دولار) أطلقتها الصين بعد الأزمة المالية العالمية بين عامي 2008-2009، والتي ساعدتها في العودة إلى معدل نمو من خانتين. لكن هذا "التمويل التعويضي" الهائل من قبل الحكومة ذهب معظمه إلى سوق العقارات، وذهب أقله إلى الزراعة أو المشروعات الصغيرة والمتوسطة. ومع إقراض البنوك الحكومات المحلية بشكلٍ كبيرٍ، نشأ كمّ هائل من الديون؛ يقدّر رسمياً بـ10.7 تريليون يوان (1.7 تريليون دولار). ولكن مع معاناة سوق العقارات بعد اتخاذ الحكومة تدابير مشددة لمواجهة أو تفريغ فقاعة محتملة، بدأ تراجع مبيعات الأراضي يلحق الضرر بعائدات الحكومات المحلية؛ ما زاد احتمالات التخلف عن سداد القروض.

ولا بدّ من الإشارة هنا إلى أنه على الرغم من أن القطاع العقاري لا يمثل سوى 13% تقريباً من الناتج المحلي الإجمالي الصيني (ترفع الصناعات الملحقة بالقطاع مثل الخرسانة والصلب حصته إلى ما يقرب من 20%)، يسهم هذا القطاع بـ40% من إيرادات الحكومات المحلية من خلال مبيعات أراضي البناء. وفي الواقع، أصدرت الجهات المنظمة لعمل البنوك في الصين بالفعل توجيهات للبنوك لإعادة جدولة بعض قروض الحكومات المحلية بهدف تأجيل حدوث موجة محتملة من التخلف عن السداد.

وبالإضافة إلى ذلك، ومع انتهاء آثار خطة التحفيز الاقتصادي الكبيرة، التي وضعت لمواجهة ركود عام 2008، اكتشف الاقتصاديون انخفاضاً مقلقاً في الطلب المحلي. ومع أنه كان ينظر إلى خطة التحفيز من قبل على أنها وسيلة لتعويض الإيرادات من أسواق التصدير المتقلصة، إلا أن الزيادة المتوقعة في الاستهلاك الداخلي لم تتحقق، وهذا بدوره ضاعف احتمالات حدوث تباطؤ كبير في الاقتصاد الصيني. وهناك أيضاً مشكلات هيكلية كبيرة تواجه الاقتصاد الصيني، مثل شيخوخة السكان وانخفاض إنتاجيتهم، وزيادة المعاشات التقاعدية، وارتفاع تكلفة نظام الرعاية الصحية في البلاد؛ ناهيك عن اتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء، ما قد يؤدي إلى تصاعد التوتر الاجتماعي في أوقات الانكماش الاقتصادي.

ومع ذلك، يعتقد عدد من الاقتصاديين أن الصين قد تَحول دون حدوث أي انخفاض كبير في نموها الاقتصادي، وأن هناك كثيراً من الخيارات المالية والنقدية تحت تصرف الحكومة الصينية، على عكس أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية. وهم يشيرون إلى أن الصين تتمتع باحتياطيات هائلة متنامية من العملات الأجنبية، ويمكنها استخدامها في مكافحة الانكماش؛ وأن الديون السيادية للبلاد لا تزيد على 40% من الناتج المحلي الإجمالي، وهي نسبة تعدّ من أدنى المعدلات في العالم؛ ما يمنح الصين فسحة كافية للتوسع المالي. كما تمارس الصين سيطرة قوية على قيمة عملتها، وتمتلك الدولة مؤسسات مالية مهمة مثل البنوك وشركات التأمين، ويمكن للدولة إنقاذها بسهولة إذا ما عجزت عن الوفاء بالتزاماتها. وكما قال جوزيف تايلور، خبير استراتيجي في "لوميس، سايلز وشركاؤهما" Loomis, Sayles & Co. ومقرها بوسطن: "مازالت البنوك الوسيلة التي تستخدمها الدولة (في الصين)، ولن يُسمح لها بالإفلاس، ولن يسمح لها بإثارة أزمة هيكلية".

ويشير الاقتصاديون الصينيون إلى أن بكين كانت مدركة لمخاطر فقاعة العقارات، وسعت عن عمد إلى تفريغها؛ إذ طلبت من البنوك الحدّ من منح القروض للمطوّرين العقاريين. كما بدأت عدة برامج لبناء مساكن لذوي الدخل المحدود لأنها تدرك أن ملايين الشقق الفارهة شاغرة في الوقت الحاضر، وأن هناك نقصاً في المساكن التي يمكن أن يتحمل تكلفتها الفقراء.

ومع استمرار أزمة منطقة اليورو، واحتمال استمرار ارتفاع مستويات مديونية الولايات المتحدة إلى ما لا نهاية، ليس هناك ما يبعث على الاطمئنان إلى مستقبل الاقتصاد العالمي في حال حدوث أي تباطؤ محتمل في أداء النمور الآسيوية، وخاصة الصين. بيد أن التوافق العام بين معظم الاقتصاديين هو أن الصين ستتجنب هبوطاً تصحيحياً عنيفاً أو أي أزمة اقتصادية، حتى وإن لم تكن قادرة في المدى القريب على الحفاظ على نموها بنسبة مكونة من خانتين، كالتي حققتها في العقود الماضية. وأغلب الظن أن الاقتصاد العالمي سيتأقلم بشكل مُرضٍ مع أي فترة نمو ضعيف، بعد قيام الصين والاقتصادات الناشئة بتعزيز مكاسبها من خلال الإصلاحات حتى لو كان يعني ذلك أن سرعة النمو الاقتصادي أقل مما كانت عليه.

Share