احتمالات التفجير في لبنان

  • 29 يوليو 2010

يثير الوضع اللبناني مخاوف عربية وغربية؛ أولاً بسبب ارتباطه بملفات إقليمية ساخنة، أبرزها تعثّر تسوية القضية الفلسطينية، وتعقيدات أزمة الملف النووي الإيراني، وثانياً لقابليته الداخلية للانفجار مع اقتراب لحظة إعلان نتائج التحقيق الدولي في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه، وكذلك الاغتيالات التي أعقبته.

اعتادت الساحة اللبنانية أن تكون حساسة حيال تطورات المسألة الفلسطينية؛ فإذا تقدمت المفاوضات تحرك معارضوها، دولاً وفصائل مسلحة في لبنان، للاحتجاج عليها وعرقلتها، وإذا تعثرت يُستغل ذلك لعراك فلسطيني-فلسطيني أو عربي-عربي بين أنصار الاستمرار في التفاوض والداعين إلى استئناف نهج العمل العسكري. وإذا وقعت المفاوضات في جمود، تستشعر بيروت الإحباط.. وهكذا، فإن هذه الساحة هي معيار التوافق أو التضاد عربياً وفلسطينياً.

ومنذ تعاظمت قوة "حزب الله" وسيطرته واختراقه للدولة والمؤسسات، أصبحت راعيته إيران استطراداً -بعد سوريا ومعها- قوة مؤثرة في لبنان. وهي كالقوى الأخرى، عربية كانت أو أجنبية، لا تتردد في استخدام الأراضي اللبنانية خدمة لمصالحها، مستغلة ضعف الدولة، علماً بأن الجميع، من دون استثناء، أسهم في إضعاف هذه الدولة، وفي طليعتهم اللبنانيون أنفسهم من خلال ارتباطاتهم الخارجية.

منذ شهور يعيش لبنان أجواء حرب وأحاديث عن حرب، تغذّيها إسرائيل بمناورات واستفزازات على الحدود، ولا تخفي أن لديها ثأراً تسعى إلى أخذه منذ انتهاء حرب صيف 2006. وفي الوقت نفسه تحاول إسرائيل دفع الأزمة النووية مع إيران إلى حافة الحرب، مبدية دائماً استعدادها للقيام بالضربات الأولى بغية إشعالها. ما يعني أن الحربين، ضد لبنان وضد إيران، باتتا عندها منطقيتين، لكن إسرائيل لا تزال تجد ممانعة قوية من الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين لأي ضربة لإيران قبل استنفاد سبل الحل الدبلوماسي للأزمة النووية. أما ضرب "حزب الله" في لبنان، وإن لم يلقَ الممانعة نفسها، فإنه يصطدم بواقع معقد بسبب ازدياد التداخل بين الحزب والدولة اللبنانية، وكذلك احتمالات امتداد أي حرب مقبلة ضد هذا الحزب إلى الأراضي السورية.

يتفق المراقبون على أن هناك مناخ حرب في المنطقة، لكنهم يختلفون حول ظروفها وذريعتها وحتى أهدافها ومسارها. والأكيد أن أي حرب ضد لبنان تعتبر من الآن جزءاً أو مرحلة من حرب محتملة على إيران قد تقع وقد لا تقع، فإيران نفسها تتعامل مع وجودها المباشر وغير المباشر في لبنان وغزة باعتبارها مواقع متقدمة يجب الحفاظ عليها، لكن يمكن أيضاً خسارتها عند الحاجة. هنا يبرز البعد الداخلي اللبناني القابل للانفجار؛ إذ إن المعلومات المعروفة مسبقاً عن التحقيق في اغتيال الحريري تفيد بإمكان اتهام عناصر من "حزب الله" بالمشاركة في الجريمة. ماذا يعني ذلك؟

كان اغتيال الحريري قد أحدث صدمة قوية لطائفة السُّنة في لبنان. ثم إن الصراع السياسي، الذي رافق أزمة 2006-2008، وضع السُّنة والشيعة في مواجهة، ما لبثت أن حسمت عسكرياً بوساطة "حزب الله" وحلفائه، الذين هم حلفاء سوريا. وبديهي أن هذا الحسم ترك أحقاداً لم تفلح التسوية السياسية في تبديدها. ولم يكن اتهام "حزب الله" بالضلوع في جريمة اغتيال الحريري مطروحاً آنذاك. لذلك، فإن اتهامه رسمياً ينذر بتداعيات خطرة ونزاعات مذهبية يحاول الحزب الآن استباقها بهجوم في موقع الدفاع، مستخدماً كل أنواع التهديد، ومتجاوزاً القوى السياسية والدولة اللبنانية والأطراف الإقليمية. ومن المعلوم أن الاتهامات الرئيسية في الجريمة كانت موجهة إلى سوريا، لكن انكباب جهات التحقيق على الأدلة التي يوفرها سلاح الجريمة استبعد هذا الاتهام؛ كونه لا يوصل إلى أي جهة سياسية سورية. أما المتورطون في الجريمة عن قرب أو بعد، وكانوا موجودين على الأرض، فاستطاع التحقيق، على ما يبدو، تحديدهم. وبالتالي، فإن الخيوط والأدلة قادت إلى تورط عناصر من "حزب الله". وأياً تكن درجة مشاركتهم أو نوعيتها في عمليات الرصد أو المراقبة أو التغطية أو أي عمل آخر، فإنهم لا يمكن أن يكونوا موزعين في منطقة العملية لحظة وقوعها من قبيل الصدفة أو غيرها، ولا يمكن أن يكونوا جاهلين بما يحدث وغير معنيّين به.

كانت المعلومات عن تورط عناصر لـ "حزب الله" في الجريمة ظهرت باكراً، منذ أواخر عام 2005، لكن تأكيدها انتظر حتى عام 2008. ويعتقد أن محاولة اغتيال ضابط في فرع المعلومات التابع لقوى الأمن الداخلي اللبناني، ثم اغتيال ضابط آخر من هذا الفرع، كانا على علاقة بكشف علاقة الحزب بالجريمة، بمعزل عما إذا كان التحقيق الدولي سيتمكن من إثبات هذه العلاقة أم لا. المهم أن الاشتباه حدث، وقد يتأكد عبر القرار الظني الذي ستصدره النيابة العامة الدولية، بل إن الأمين العام للحزب، حسن نصر الله، أعلن أن المحكمة الدولية تتجه إلى اتهام حزبه بعد تبرئة سوريا. ومن ثم، فإنه توعد بالرد على نحو يذهب أبعد من الحسم العسكري للأزمة في مايو/أيار 2008. وإذا أتيح له أن يفعل، فهذا يعني أنه بصدد قيادة انقلاب للسيطرة الكاملة على الحكم والسلطة.

عملياً، سيسعى "حزب الله" إلى تأزيم يخير الحكومة بين تعطيلها بشكل دائم ومفتوح، وتنصلها من المحكمة الدولية واتهاماتها وعملها. ومعلوم أن هذه المحكمة "شبه دولية"؛ إذا يشارك فيها قضاة لبنانيون سيطالب الحزب بسحبهم منها. كما أنه سيوقف المساهمة اللبنانية في تمويلها، وسيمنع نقل الشهود إليها، وسيعترض أي تعامل معها؛ بغية تعطيلها. ويبدو كل ذلك ممكناً، من الناحية النظرية، سواء لأن "حزب الله" هو الجهة الوحيدة المسلحة على الساحة اللبنانية، وكذلك لأنه يتمتع بتغطية مسيحية يوفرها له تحالفه مع "التيار الوطني الحر" بزعامة ميشال عون؛ وأخيراً لأنه يعمل في ظل تحالف صلب بين سوريا وإيران، وهما الدولتان الأكثر سطوة حالياً في لبنان، ومعروف أنهما، ولاسيما سوريا، كانا أساساً ضد إنشاء المحكمة الدولية. لكن الظروف الإقليمية والدولية قد لا تسهل المهمة على "حزب الله"، ولم يسبق لأية فئة لبنانية، مهما عظم شأنها، أن استطاعت التفرد بالسيطرة على البلد.

ولعل الغضب الذي يبديه زعيم "حزب الله" عائد إلى الإحراج الذي يشكله اتهام حزب المقاومة ضد إسرائيل بالتورط، كلياً أو جزئياً، في جريمة اغتيال لزعيم سياسي كان يرتبط معه بعلاقة حوار وتنسيق. أما السبب الآخر، فيعود على الأرجح إلى أن بعض عناصره ربما تصرفوا بمفردهم، ونفّذوا العملية بالتنسيق مع أجهزة أو جهات أخرى، ولم يخطط الحزب للعملية أو يأمر بتنفيذها. ويبقى سبب ثالث، يتمثل في أن "لعبة الأمم"، كما سمّاها نصر الله، شاءت أن يدفع حزبه الثمن بدلاً من أطراف أكبر منه. ولذلك، فإن الأضرار المتوقعة من توجيه الاتهام إليه قد تدفعه إلى تصرف "شمشوني"، أي أن يهدم الهيكل على من فيه للحفاظ على "سلاح المقاومة"، وهو سبب وجوده وقوته.

بديهي أن افتعال مثل هذه الأزمة الشاملة قد يحقق لـ "حزب الله" أهدافه الوشيكة، لكنه سرعان ما سيصبح أسير هذه الأزمة، ولن يعرف سبيلاً للخروج منها بأقل الخسائر. وحتى سوريا وإيران يمكن أن تستفيدا آنياً من أزمة كهذه، لكنهما دولتان لديهما مصلحة في أن يصار إلى التضحية بالقليل للاحتفاظ بنفوذهما الكبير. إذاً، هناك حدود لتهديدات "حزب الله"، إلا إذا استغلت إسرائيل الوضع لدفعه إلى الأسوأ؛ إذ إن لديها مصلحة في استفزاز الحزب ليقوم بأي عمل ضدها تتخذه ذريعة لإشعال حرب.

Share