احتجاجات لبنان اليائسة تنذر بالانحدار نحو مزيد من العنف

  • 16 يونيو 2020

بات التظاهر والاعتصام والصدامات مع القوى الأمنية سيد الموقف في لبنان برغم التحذيرات المتوالية التي تصدرها الحكومة والتيارات الموالية لها من أن التجمعات تشكل بيئة مثالية لانتشار فيروس كورونا المستجد، وهو ما قابله المحتجون والمتظاهرون في مختلف مناطق البلاد بالقول «إن اللبناني إذا لم يمت من كورونا فإنه سيموت من الجوع».

هذه النظرة اليائسة سيطرت على المزاج اللبناني من جراء الهبوط الحاد في سعر الليرة اللبنانية أمام الدولار الذي يشبه الانهيار، حيث وصلت قيمة الدولار في السوق السوداء إلى نحو 6 آلاف ليرة، في حين أن سعر الصرف الرسمي المحدد من قبل مصرف لبنان المركزي هو 1507 ليرات، الأمر الذي أجج الاحتجاجات والمظاهرات في جميع أنحاء لبنان، والتي اختلفت هذه المرة في طبيعتها وفي طريقة المشاركين بها في التعبير عن غضبهم والتي باتت تأخذ طابع العنف وتخريب الممتلكات وخاصة المؤسسات الحكومية والبنوك.

المنحى الجديد في الاحتجاجات اللبنانية التي انطلقت منذ في 17 أكتوبر 2019 غير معهود، إذ عادة ما تتسم المسيرات والمظاهرات في هذا البلد بالانضباط وتجنب الصدام سواء من قبل المتظاهرين أنفسهم أو من قبل رجال الشرطة والأجهزة الأمنية، بل إنها عادة ما تتضمن أساليب وطرقاً طريفة وغير معهودة في التعبير، تمزج ما بين الميل إلى روح المرح والترفيه، وما بين الدعابة والفكاهة والسخرية السياسية اللاذعة مع حالات نادرة وقليلة من الصدام التي عادة ما تنتهي بسرعة ومن دون أن تؤدي إلى عواقب خطيرة.

المقلق في التطورات الأخيرة التي شهدتها احتجاجات لبنان هو المضامين التي تعبر عن اليأس وفقدان الثقة بالواقع والنظرة التشاؤمية للمستقبل، والبطء في الاستجابة الحكومية لامتصاص حالة الغضب العام، وهو ما ينذر بمزيد من الاحتقان الذي قد يدفع الأمور نحو المزيد من التأزيم.

انهيار الليرة اللبنانية بهذا الشكل الدراماتيكي والذي تفاقم أكثر نتيجة حالة الذعر بشأن العقوبات الأمريكية الجديدة التي ستؤثر في سوريا في الأيام المقبلة، فضلاً عن انعدام الثقة بإدارة الحكومة للأزمة، أدى إلى مزيد من التآكل في الدخول وإلى تراجع حاد في القوة الشرائية لدى معظم شرائح الشعب اللبناني، وهو يعني في جملة ما يعنيه تبخر قيمة المدّخرات المودعة في حسابات بالليرة اللبنانية، وتفاقم الأزمة الاقتصادية في بلد يعتبر واحداً من أكثر البلدان مديونية في العالم، مع ديون سيادية تزيد على 170% من ناتجه المحلي الإجمالي.

ملامح الانهيار الاقتصادي الذي يشهده لبنان حالياً ليست وليدة اللحظة، فقد بدأت بالظهور منذ أواخر العام الماضي الذي شهد تزايد معدلات التضخم، وهو الانهيار الأسوأ الذي يعيشه منذ عقود خصوصاً في ظل شحّ الدولار وتوقف المصارف عن تزويد المودعين بأموالهم به، الأمر الذي رفع معدلات التضخم إلى مستويات غير مسبوقة جعلت قرابة نصف السكان تحت خط الفقر، فيما خسر عشرات الآلاف بسببها وظائفهم خلال الأشهر الأخيرة؛ ما رفع معدل البطالة الذي وصل إلى أكثر من 35%.

وعلى الرغم من أن الطبقة السياسية في لبنان بمن فيها الحكومة ومجلس النواب، هي المتهم الرئيسي من قبل الحراك اللبناني بالتسبب في هذه الأزمة وبدفع لبنان نحو الهاوية نتيجة قصور أدائها وفسادها وفشلها في إدارة الأزمات المتلاحقة، فإن الخطاب الذي تتبناه مختلف الرموز السياسية ما زال يتبنى نظرية المؤامرة ويصف الاحتجاجات بأنها تدار من قبل جهات تدير انقلاباً على الحكومة من خلال التلاعب بقيمة الليرة لتأجيج غضب الجمهور ودفع الناس إلى الصدام، وهو خطاب تنظر إليه غالبية المشاركين في الحراك على أنه قديم جداً وتجاوزته المرحلة خصوصاً بعد أن وحّدت الظروف التي يعيشها لبنان أطياف شعبه كافة ووحّد الفقر مختلف طوائفه على رؤية واحدة ومطلب واحد هو محاربة الفساد وإنهاء الطائفية والمحاصصة وخروج الطبقة السياسية التقليدية تماماً من المشهد.

الحكومة اللبنانية التي قامت بضخ ملايين الدولارات في السوق لدعم الليرة، وطبقت عدداً من الإجراءات التي تستهدف السيطرة على السوق السوداء التي تشكل أحد أهم أسباب انهيار قيمة العملة الوطنية، تعقد آمالاً كبيرة على مباحثاتها مع صندوق النقد الدولي للحصول على قروض مالية بمليارات الدولارات، تتيح لها إنقاذ البلاد من الأزمة التي باتت تهدد أمنها واستقراراها ومستقبلها، وتمكنها من تنفيذ برنامجها الإصلاحي الذي وعدت به، الذي سيمكّن لبنان وفقاً لطموحاتها وخططها من تعديل سياساته الاقتصادية باتجاه المزيد من الاعتماد على النفس وتقليل الاعتماد على المساعدات الخارجية.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات