«اجتماع باريس».. هل هو كافٍ لإخراج لبنان من أزماته؟

  • 14 ديسمبر 2019

التظاهرات اللبنانية التي عمّت أنحاء البلاد منذ 17 أكتوبر الماضي، وتسببت باستقالة رئيس الحكومة سعد الحريري في 29 من الشهر نفسه، جاءت بعد معاناة متراكمة من مجموعة تحديات سياسية واقتصادية، أثرت في المستويات المعيشية للأفراد والمجتمعات، وتسببت بارتفاع معدلات الفقر والبطالة والتضخم، وغير ذلك من التحديات.
الاحتجاجات الشعبية غير المسبوقة التي يشهدها لبنان وتشكيل «حكومة إصلاحية»، ويتضح أنها بعيدة المنال في الوقت القريب، جعلت من فرنسا تَعقِد اجتماعاً لمجموعة الدعم الدولي للبنان، التي تضم الأمم المتحدة والأعضاء الدائمين في مجلس الأمن الدولي والاتحاد الأوروبي والجامعة العربية، يوم الأربعاء 11 ديسمبر، حيث أعلن وزير الخارجية الفرنسي، جان إيف لودريان، عقب الاجتماع، أن المجتمع الدولي يرهن أي مساعدة مالية للبنان بتشكيل حكومة إصلاحية، مشيراً إلى أن «هدف الاجتماع هو حث السلطات اللبنانية على إدراك خطورة الموقف»، وحث مسؤوليه السياسيين على الإنصات لاحتجاجات الشارع.
وأمام اشتراطات المجتمع الدولي، ثمّة معوقات عدّة تقِف حائط صدّ في وجه مساعدة لبنان مالياً؛ فباعتذار سمير الخطيب الذي كان مرشحاً لرئاسة الوزراء، فإن الأمور في لبنان عادت إلى مربعها الأول. وفي مقابل ذلك يعوّل مراقبون على المشاورات المقبِلة مع النواب بشأن تكليف رئيس وزراء جديد في 16 ديسمبر الجاري، التي أعلن عنها مؤخراً الرئيس ميشال عون، وعودة الحريري إلى الواجهة مجدداً، مرشحاً لرئاسة الوزراء.
الحريري الذي اشترط الشهر الماضي، للموافقة على توليه رئاسة الحكومة من جديد، أن تتشكل حكومة من وزراء متخصصين، وأن تنال رضى المحتجين، يواجه تعقيدات كبرى؛ أهمها رفض «حزب الله» وعون تشكيل حكومة من التكنوقراط، وإصرارهما على حكومة تضمّ سياسيين، في وقت يرفض فيه المحتجون ذلك.
الحاجة الملحة التي تحدث عنها اجتماع مجموعة الدعم الدولي للبنان، بضرورة تبني «حزمة إصلاحات اقتصادية مستدامة وشاملة وذات مصداقية»، واعتماد ميزانية موثوق بها لعام 2020 في غضون أسابيع من تشكيل الحكومة الجديدة، يبدو أنها مسألة تحتاج إلى وقت ليس بالقليل، كما أن المساعدات التي ينتظرها اللبنانيون لن تكون كفيلة وحدها بحل التحديات الاقتصادية التي تراكمت خلال سنوات كثيرة ماضية؛ فإصرار المتظاهرين والمتظاهرات في لبنان على تشكيل حكومة جديدة من التكنوقراط، مردّه اعتبار أن السلطات السياسية التي حكمت البلاد تسببت بإحداث المزيد من التحديات الاقتصادية والاجتماعية، إثر تفشي الفساد وسوء الإدارة والتوجه نحو مرحلة من الانحدار الاقتصادي والمالي، جرّاء السياسات الاقتصادية القائمة على المحاصصة والإهمال للقطاعات الإنتاجية، وغياب الرقابة والمحاسبة.
وبسبب تفاقم كل تلك التحديات وغيرها، يرى خبراء ومتخصصون في الشأن الاقتصادي أن نجاح أي خطة اقتصادية تنهض بلبنان يتطلب العديد من العوامل، أهمها: تغيير هيكلية الاقتصاد اللبناني من اقتصاد ريعي استهلاكي إلى اقتصاد منتِج، وخفض وترشيد الإنفاق العام والحد من هدر المال العام، ومنح الأولوية للإنفاق الاستثماري الهادف إلى تعزيز الإنتاجية وخلق فرص عمل سريعة. أما بخصوص الدين العام في لبنان، الذي بلغ حتى نهاية أغسطس الماضي 86.57 مليار دولار وبنسبة وصلت إلى 152% من إجمالي الناتج المحلي الإجمالي، فإنه يمكن تجاوزه، بحسب خبراء، عبر طلب الحكومة من المصارف المحلية فترة سماح على ديونها، وتحمّل المصارف مسؤوليتها في مساعدة الحكومة على تحقيق التوازن في الموازنة العامة، بقبول سندات خزينة بصفر فائدة.
ويؤكد مختصون أن تحقيق الإصلاحات المنشودة يقتضي ضرورة مكافحة الفساد من خلال تفعيل دور ديوان المحاسبة والتفتيش المركزي، واستعادة الأموال المنهوبة من خلال قانون الإثراء غير المشروع، وإلغاء السرية المصرفية عن العاملين في الشأن العام، ورفع الحصانة عن النواب والوزراء، وإصلاح النظام النقدي، وتطوير البنى التحتية، وحل مشكلة الكهرباء من خلال بناء معامل إنتاج إضافية قادرة على تغطية حاجة السوق وغيرها؛ فالاحتجاجات التي جاءت نتيجة تدهور اقتصاد لبنان، الذي يخسر 80 مليون دولار يومياً بسبب حالة الشلل، بحسب وزير الاقتصاد في حكومة تصريف الأعمال اللبنانية منصور بطيش، باتت أمام توقعات أكثر تشاؤمية بشأن ركود النمو وإطالة أمد الأزمة، في ظِل تعهدات حكومية بالإصلاح، لم تعُد مقنعة للمحتجين.

Share