اتفاق المصالحة الفلسطينية.. التحديات الراهنة والرهانات المستقبلية

  • 5 مايو 2011

مقابل تعبيرات الفرح الفلسطينية، وتصريحات الترحيب العربية، والمواقف المختلطة الدولية، التي قوبل بها اتفاق المصالحة بين "فتح" و"حماس"، بدأ التحالف الإسرائيلي- الأمريكي بشن حرب على هذا الاتفاق عبر "قصف تمهيدي"، يمزج بين الإجراءات العملية والمواقف السياسية.

واستقبلت الإدارة الأمريكية اتفاق المصالحة بعدائية واضحة، ووصفت "حماس" بأنها منظمة "إرهابية"، وكررت -حسب بيان المتحدث باسم البيت الأبيض تومي فيتور- مطالبتها بالاعتراف بشروط اللجنة الرباعية الدولية (الاعتراف بإسرائيل، وبالاتفاقات الموقعة معها، ونبذ "الإرهاب"). كما حذَّر بعض أعضاء الكونجرس الأمريكي من الانعكاسات السلبية التي قد يترتب عليها اتفاق المصالحة على المساعدات الأمريكية المقدمة للسلطة الفلسطينية، ومن بين هؤلاء رئيسة لجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب، إليانا روس-لاتينين، التي قالت: "إن معنى توقيع الاتفاق بين فتح وحماس التي تدعو إلى تدمير إسرائيل هو أن حركة "إرهابية" ستكون جزءا من السلطة الفلسطينية، ويجب ألا تستخدم الضرائب التي يدفعها المواطنون الأمريكيون لدعم جهات تهدد أمن الولايات المتحدة ومصالحها وأمن حليفتها إسرائيل"، فيما برزت تنبيهات بأن اتفاق المصالحة من شأنه أن يوقف مساعي واشنطن لاستئناف المفاوضات بين إسرائيل والفلسطينيين.

من جانبها، عُنيت إسرائيل بتكوين موقف دولي معارض للاتفاق، حيث حرص رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو على تحريض وفد زائر من أعضاء الكونغرس في هذا المنحى. والمؤكد أنه سيسعى خلال زيارته المرتقبة لواشنطن الشهر المقبل لاستجرار مزيد من الضغوط على الفلسطينيين. كما أنه يعتزم نتنياهو إطلاق حملة دبلوماسية لدى الاتحاد الأوروبي لإحباط الاعتراف بالحكومة الفلسطينية الجديدة.

وعلى صعيد العلاقة مع السلطة الفلسطينية، بدأ السلوك الإسرائيلي يتخذ مضموناً هستيرياً، فور الإعلان "المفاجئ" عن اتفاق المصالحة، الذي اعتبرته إسرائيل إضفاء للشرعية على أهداف "حماس"، حيث طالب نتنياهو السلطة الفلسطينية بأن تختار "إما السلام مع إسرائيل أو السلام مع حماس"، وعقد اجتماعاً عاجلاً للمجلس الوزاري المصغر "الكابينيت"، غداة الإعلان عن المصالحة، وقرر المجلس "عدم التفاوض مع الحكومة الفلسطينية المرتقبة"، مكتفياً بذلك، ريثما تتضح الأمور حولها.

من جانب آخر، أوقفت إسرائيل تحويل المستحقات المالية (من الضرائب والجمارك وضريبة القيمة المضافة) التي تجبيها لصالح السلطة الفلسطينية، بموجب اتفاق موقع بين الجانبين، وذلك كإجراء انتقامي، بذريعة التدقيق والتأكد من أن الأموال لا تذهب في طريق "الإرهاب" أو لجهات لا تعترف بإسرائيل. وتتراوح قيمة هذه الأموال سنوياً بين 1-1.5 مليار دولار، وتشكل نحو ثلثي حجم موازنة السلطة الفلسطينية. كما صدرت عن أقطاب الحكومة الإسرائيلية تصريحات ومواقف تركز على "الخطأ" الذي ارتكبته السلطة الفلسطينية، وتدعي أن المصالحة تثبت عدم وجود شريك فلسطيني لإسرائيل يمكن التحدث معه، بزعم أن حركة "حماس" هي تنظيم إرهابي يرمي لإبادة دولة إسرائيل.

وفي النطاق الميداني، أسهب الإسرائيليون بالحديث عن مفردات "قائمة العقوبات الإسرائيلية" التي تنتظر حكومة التوافق الفلسطينية، ومنها؛ نية أحزاب اليمين المتطرف إعداد مشروعي قانونين لضم أجزاء من الضفة الغربية، وإلغاء اتفاقيات أوسلو للحكم الذاتي الفلسطيني، وإلغاء وضع الشخصية المهمة (VIP) لرئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس ورئيس الحكومة سلام فياض، وهو ما سيمنعهما من التحرك بحرية في الضفة الغربية، وعودة الحواجز وانتشار قوات الجيش الإسرائيلي بصورة كثيفة إلى الضفة الغربية بعد أن تم تقليصها، ومواصلة ملاحقة عناصر "حماس" الذين ستطلق السلطة الفلسطينية سراحهم، والإيغال في سياسة القبضة الحديدية، وتشديد الحصار الخانق والقيود على المعابر، وتنشيط عمليات الاستيطان، والاستمرار بمنع التواصل بين الضفة والقطاع.

وفي سياق التحسّب من انعكاسات المصالحة الفلسطينية على إسرائيل، برز القلق الإسرائيلي من تراجع مستوى التنسيق الأمني مع السلطة، فضلاً عن الحاجة إلى توظيف طاقات إضافية لمواجهة الحالة الفلسطينية الجديدة؛ لأن هذه المصالحة توفر لحركة "حماس" موطئ قدم في الضفة الغربية. ورأت إسرائيل أن المصالحة ستخلق مشكلة على المستوى السياسي؛ حيث ستؤدي إلى تسريع الضغوط على إسرائيل للاعتراف بدولة فلسطينية في حدود 1967، كما أن من شأنها أيضاً أن تبث روحاً شعبية جديدة بين الفلسطينيين، قد تؤدي إلى انتفاضة جديدة.

وكان لمصر نصيب كبير من "الاستياء" الإسرائيلي، بسبب دورها في المصالحة الفلسطينية والخطوات التي أعلنت أنها ستتخذها إزاء الفلسطينيين، دون التنسيق مع إسرائيل أو الولايات المتحدة. فقد اتضح من سلوك القيادة المصرية الجديدة أن هناك توجهاً إزاء الفلسطينيين يختلف عما كان قائماً في عهد نظام مبارك. ومن المؤشرات التي توقف عندها الإسرائيليون: دعوة  المشير طنطاوي رئيس المجلس العسكري الأعلى إسرائيل؛ لأن تتجنب التصريحات غير المنضبطة تجاه مصر، وتحذيره من أن تهديد إسرائيل للحكومة الفلسطينية أثار غضب الشعوب العربية وينذر بما لا يحمد عقباه؛ وتأكيد سامي عنان رئيس هيئة الأركان المصرية أن على الحكومة الإسرائيلية التحلي بضبط النفس في حديثها عن اتفاقية السلام، والالتزام بعدم التدخل في الشأن الداخلي الفلسطيني؛ وتصريح وزير الخارجية المصري نبيل العربي بأن مصر ستتخذ خطوات مهمة تساعد على تخفيف حصار قطاع غزة خلال الأيام القليلة المقبلة، وأن الأوضاع في غزة ستتغير جذرياً؛ حيث سيفتح معبر رفح بشكل كامل، واعتباره السياسة القديمة بهذا الخصوص "أمراً مشيناً"، وتأكيده أن اتفاقية المصالحة ليست سوى حلقة في مبادرة مصرية شاملة ترمي إلى نقل القضية الفلسطينية إلى الحلبة الدولية عبر الدعوة إلى عقد مؤتمر دولي جديد، للتوصل لاتفاق بهذا الشأن دون الاضطرار لخوض مفاوضات ثنائية. ونٌشرت معلومات عن أن مصر سترسل فريقاً أمنياً إلى قطاع غزة للمساعدة في تنفيذ اتفاق للمصالحة، ووجود نية لتشكيل لجنة عربية برئاسة مصر للإشراف على ذلك. 

كما لاحظ تقرير لمركز البحوث السياسية في وزارة الخارجية الإسرائيلية "مماد" أن "حماس" نجحت في الحصول على حوافز ومكافآت من مصر، منها؛ تلقي الإذن بفتح مكتب تمثيل مصالح لها في القاهرة، وإيقاف مصر بناء السور الحديدي على الحدود مع غزة، ولا سيما في مقطع رفح، حيث تقع الأنفاق الرئيسة. يضاف إلى هذا تظاهر مئات المصريين أمام السفارة الإسرائيلية بالقاهرة، دعماً لاتفاق المصالحة، واحتجاجاً على تصريحات إسرائيلية مناهضة للاتفاق، وتصاعد الأصوات الداعية إلى إلغاء معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل.

هذه الوقائع وأمثالها، غذّت الانطباع الإسرائيلي بأن هناك تغييراً مصرياً لقواعد العمل المتعارف عليها بين الطرفين، على نحو قد تكون له آثار استراتيجية على "الأمن القومي الإسرائيلي"، وضمناً اتفاقية السلام بين البلدين، واحتمال انسداد أفق السلام بين إسرائيل والفلسطينيين. لهذا يدرس نتنياهو، إرسال مبعوث خاص له لإجراء محادثات مع كبار المسؤولين في القاهرة. وتوجهت وزارة الخارجية الإسرائيلية إلى دول عدة في العالم لتذكير الحكومة المصرية بأن عليها احترام "اتفاقية السلام" مع إسرائيل.

في الحسابات الفلسطينية، يدرك الجميع أن هناك عوامل عدة أنضجت الظروف للتعجيل في إنجاز اتفاق المصالحة، في مقدمتها؛ تعنّت الموقف الإسرائيلي المدعوم أمريكياً، وشعور الطرفين بجسامة المسؤولية إزاء استمرار الانقسام، ومفاعيل المتغيرات في الساحة العربية وخاصة في مصر، ومباركة إيران وسورية للمصالحة.

وفي سبيل نجاح مسيرة المصالحة، كحاجة ومصلحة فلسطينية بالدرجة الأولى، من المؤكد أن التحديات الراهنة تولّد إدراكاً فلسطينياً عميقاً لضرورة الاستفادة من عبر التجربة السابقة(حكومة الوحدة واتفاقية مكة المكرمة) التي بيّنت أن "الاتفاق على الخطوط العامة" لا يحل الخلاف، وهو ما يستدعي تحريم العودة إلى الاقتتال، ونبذ مفهوم المحاصصة، والارتقاء فوق المكاسب الحزبية الضيقة.

ومما يسهم في إعطاء الزخم للحركة السياسية الفلسطينية القادمة؛ أن المهام التي حٌددت في اتفاق المصالحة للحكومة المؤقتة لا تتضمن أية مهمة سياسية. يضاف إلى هذا إبقاء الشأن السياسي من اختصاص منظمة التحرير ورئيسها، وليس من صلاحيات الحكومة، وإمكانية فصل منصب رئيس منظمة التحرير بعد مشاركة "حماس" فيها عن منصب رئيس السلطة، إذا لم يتم الاعتراف بالدولة الفلسطينية في الدورة القادمة للجمعية العامة للأمم المتحدة.

ومن الآن يمكن ملاحظة أن الفلسطينيين أخذوا يحصنون الرهانات المستقبلية بدراية وخطوات صائبة، عبر شن هجوم مضاد للموقف الإسرائيلي، لإقناع العالم بدوافع اتفاق المصالحة الفلسطينية ونتائجه، انطلاقاً من اعتبار أن "حماس" هي جزء من الشعب الفلسطيني، ونتنياهو هو شريك، ولا تستطيع السلطة أن نختار بينهما كما طالب نتنياهو.

وبانتظار "استحقاق" أيلول/سبتمبر، ازدادت القناعة بأن المصالحة تنطوي على أهمية بالغة حين تطلب السلطة الفلسطينية اعتراف الأمم المتحدة بدولة فلسطين على المناطق الفلسطينية المحتلة عام 1967، من موقع الوحدة والتمثيل الكامل للضفة والقطاع، ووأد ذريعتي "الانقسام" و"التمثيل الناقص" اللتين كانتا ترفعان في وجه الفلسطينيين، للتهرب من عملية السلام.

في مواجهة ذلك، من المقدّر أن تواصل إسرائيل تعاملها مع الفلسطينيين في المرحلة المقبلة باستخدام المزيد من الضغوط، وبالإصرار على تنازلهم عن حق العودة، وموافقتهم على يهودية إسرائيل. كما ستوظف إسرائيل التصريحات الفلسطينية الرافضة لشروط الرباعية، أو تلك التي تطالب منظمة التحرير بإلغاء اعترافها بإسرائيل (كما نقل عن رئيس الحكومة في غزة إسماعيل هنية). وسيكون الاتجاه العام للسلوك الإسرائيلي منع سحب القرارات حول مصير الفلسطينيين من أيدي إسرائيل، والتآمر الحثيث لإحداث وقيعة بينهم، ومحاولة تعطيل المصالحة الفلسطينية، برفض ترجمتها إلى ترتيبات على الأرض، وخاصة في المجال الأمني.

ومن هذه الزاوية، كان هناك من يرى أن المصالحة بين "فتح" و"حماس" تمنح حكومة نتنياهو باب هروب من الأزمة التي دُفعت إليها بسبب جمود العملية السياسية، وأن ثمة فرصة جاءت تلبي ما كان يحتاجه نتنياهو لتوحيد الإسرائيليين وراءه، ولصد الضغط الدولي للانسحاب من الضفة الغربية.

على هذه الخلفية القاتمة، وفي ظل تعارض التوجهات السياسية واحتدامها، وانسداد أفق السلام بين إسرائيل والفلسطينيين، ليس من المستبعد أن تندلع انتفاضة جديدة. وبقدر لا يقل عن ذلك، من المتوقع أن تخطط إسرائيل لاستدراج الفلسطينيين نحو الخيار العسكري، لاستئناف المسيرة الدموية الإسرائيلية الرامية إلى تأبيد حالة القهر والإذلال، ومحاولة استكمال اجتثاث بذور التطور الوطني الفلسطيني المستقل، دونما اكتراث بأي توقعات مغايرة.

Share