"اتفاق الدوحة": هدنة الإرادات الهشة

د. بشارة نصار شربل: "اتفاق الدوحة": هدنة الإرادات الهشة

  • 3 يونيو 2008

يحتار اللبنانيون الذين شهدوا في الشهر الماضي أسوأ وأفضل الساعات فيما إذا كان ما يعيشونه حالياً هو مجرد هدنة فرضها "اتفاق الدوحة" أم أنه سلام دائم يؤسس لحياة مستقرة.

ولا تعود الحيرة لنزعة تشاؤم بديهية لدى شعب عاش منذ استقلاله في عام 1943 اضطرابات متقطعة تخللتها هدنات، وكانت ذروتها "حرب السنتين" المشؤومتين (1975-1976) التي سميت "حرب الإخوة الأعداء"، وسميت كذلك "حرب الآخرين" في لبنان، لكنها فعلياً كانت حرباً محلية-إقليمية انتهت بانتصار الخارج ووضع اليد على البلد الصغير في لعبة صراع كبرى إبان الحرب الباردة.

 لا يستطيع اللبنانيون، والمخضرمون منهم خاصة، بث كثير من التفاؤل في ثنايا أيامهم الحالية؛ فـ"ذروة الحرب" تناسلت حروباً لا تحصى ولا تعد، وتداعيات لا يزال لبنان يعيشها ويعاني ويلاتها، آملاً أن تكون كل واحدة منها، في كل مرة، خاتمة الأحزان.

على أي حال يبتهج المواطن اللبناني اليوم بما توصل إليه أطراف النزاع من اتفاق تم برعاية عربية وبمواكبة دولية، ولو أن الاتفاق هو أكثر من وقف إطلاق نار وأقل من تسوية، ذلك أن الآلة التي تطلق النار، وهي السلاح، ما تزال حاضرة بقوة، وإن كانت اليد قد تراخت قليلاً على الزناد، في حين أن التسوية تستلزم إزالة المسببات التي فتحت باب العنف والدخول في سلم حقيقي لا رجعة فيه إلى الوراء.

 لعل تعبير "هدنة محصنة" هو الأنسب لوصف الحال. وهي هدنة لم تكن لتتم لولا توافر ثلاث إرادات باختلاف درجة وفرة كل منها، وهي المحلية والإقليمية والدولية. غير أن نظرة فاحصة إلى هذه الإرادات- العوامل تلقي ظلالاً من الهشاشة على الهدنة وتدعو إلى الأمل بجهد دائم لتحصينها لئلا تسقط في رخاوة اليد التي دفعت إليها.

أول ما يجدر الإشارة إليه هو أن الإرادة المحلية التي عبر عنها الفرقاء الذين حملهم الشيخ حمد بن جاسم رئيس الوزراء القطري إلى فندق بلاده للاتفاق هي إرادة مشوبة بالاضطرار وبالخوف من الأعظم، بعد أن انفلت حبل الاضطراب على غاربه إثر اجتياح "حزب الله" وملحقاته لبيروت السنية ومحاولة السيطرة العسكرية على الجبل.

إنها رغبة الخروج من المأزق هي التي دفعت جميع القوى السياسية للإذعان لرغبة اللبنانيين عموماً، ورغبة العرب والعالم، في أن يرتاحوا، ولو مؤقتاً، من مشهد النزاع المستمر في بيروت. قوى الموالاة تلقت صفعة عسكرية حين فاجأ "حزب الله" تيار المستقبل بقوته النارية، وبدا وكأنه يريد الحسم العسكري في كل لبنان. وحزب الله دخل في عنق الزجاجة حين أدرك أن السيطرة على لبنان ليست نزهة، وأن حربه التي شنها دفاعاً عن سلاحه تحولت إلى أزمة مذهبية تنذر بفتنة لا تبقي ولا تذر. التقى الجميع على وجوب الخروج من المستنقع… رغم ذلك لا يمكن التأكيد أن هذا الاضطرار هو العامل الحاسم في التوصل إلى الاتفاق. فلقد كانت الدوحة نقطة تقاطع لاتصالات مكثفة من أجل إتمام الولادة العسيرة التي انتهت بسلام بعد كلمة "نعم" نطقها وزير الخارجية الإيراني فجر ذلك اليوم المتوج للاتصالات.

 أما الإرادة الإقليمية، والتي تتمثل خصوصاً في المحور السوري-الإيراني من جهة، وبالسعودية ومصر من جهة أخرى، فإنها استطاعت، بفعل مهارة الخياط القطري الذي يجيد الرقص على حبال التناقضات، أن تتجسد في نهاية المطاف في تأييد للاتفاق، غير أن هذه الإرادة هي إرادة اضطرار أيضاً؛ فموافقة دمشق وطهران على انتخاب رئيس للجمهورية اللبنانية وإنهاء حال الفراغ في سدة الرئاسة الأولى في لبنان- وهي الحال التي كانت مفضلة لدى العاصمتين- ليست إلا انعكاساً لضغوط دولية مورست عليهما مترافقة مع وصول بعض الملفات الرئيسية العالقة إلى نقاط مفصلية بدا أن العاصمتين لا تستطيعان تحمل تبعاتهما مع استمرار موقفهما "الممانع" في لبنان. فالملف النووي يتخصب يوماً بعد يوم، وهو سيفضي إما إلى حل شامل للأزمة الإيرانية مع الغرب، أو إلى حرب على طهران. والمفاوضات السورية-الإسرائيلية تتسارع عبر الأتراك، وهي لم تكن لتحتمل انفجاراً كبيراً في لبنان يتعارض مع روح التسوية التي تسعى إليها دمشق أو المفاوضات التي تسعى إلى العيش في ظلها لفترة أخرى من الزمن… ثم إن دمشق تعلم علم اليقين أن توتير الأجواء في لبنان يمكن أن يعطي القيادة الإسرائيلية فرصة الانتقام من حرب يوليو 2006، كون العقيدة العسكرية لتل أبيب تتطلب الخروج من حال الهزيمة إلى حال الانتصار، وكون الجاهزية العسكرية الإسرائيلية باتت كاملة، خصوصاً بعد المناورات المتنوعة التي توجت بالمناورة القيادية، التي سميت "حجارة النار"، والتي لخصت كل المناورات وثبتت إمكان قيام إسرائيل بحربين متوازيتين، الأولى في غزة والثانية على حدودها الشمالية مع "حزب الله" وسورية. ولربما أدركت دمشق وطهران أن اللعب على حافة الهاوية قد يوصل إلى الهاوية ففضلتا الهدنة في لبنان في ظل انتصار لـ"حزب الله" في الشارع لتأخذ سياسة الممانعة شكلاً آخر أو تنتظر فرصة أفضل للمواجهة.

أما الإرادة الدولية فمع ترحيب الأمم المتحدة وكل الدول باتفاق الدوحة، فإن الولايات المتحدة على وجه الخصوص بدت غير متحمسة، خصوصاً بعد الإحباط الذي أصابها بفعل حياد الجيش اللبناني في أحداث بيروت، وما اعتبرته نوعاً من التخاذل، إن لم نقل التواطؤ… رغم ذلك فإنها دعمت في النهاية الاتفاق مفضلة السلم البارد على الصيف الساخن.

إن جماع الإرادات الثلاث أنتج، ولا شك، ذاك الاتفاق، غير أنها كلها إرادات مترددة كانت تفضل شيئاً آخر. واحد يفضل نصراً كاملاً وسحقاً للأعداء، وثان يفضل تسوية أكثر توازناً، وآخر كان يتمنى استمرار حال لبنان معلقة في انتظار تطورات ملفاته الإقليمية ليسخنها تارة ويبردها تارة أخرى حسب تطور الأحوال.

قد يقال إن هذا هو دائما شكل التسويات. إنه لقاء في منتصف الطريق، كل واحد يقدم بعض التنازلات، مثل هذا حصل في أماكن كثيرة عبر التاريخ القديم والحديث. غير أن أقرب نموذج لحرب أهلية في أيرلندا الشمالية تم حله على أساس رغبة الطرفين في إنهاء شامل للنزاع، وفي نزع السلاح وإحلال السلم الدائم بعيداً عن لغة العنف وعن كسر الإرادات.

أما في لبنان فإن ما سبب العنف الأخير هو الذي يبقى محور النزاع، والدليل على ذلك رفع "حزب الله" سلاحه إلى مرتبة القداسة، وجعل المساس به مساساً بالعزة الإلهية، ومطالبة أمينه العام بالعودة إلى التعايش بين المشروع الاقتصادي "الحريري" وبين ترسانة السلاح والدويلة القائمة على حساب الدولة في لبنان. وهو أمر يبقي الجمر تحت الرماد ويجعل من أي اتفاق عرضة لإطلاق النار، ومن أي تفاوض على أي شأن تفاوضاً غير متوازن بين من يحمل المسدس وبين الأعزل من كل سلاح.

لذلك فإن "اتفاق الدوحة" وهو اتفاق الضرورة يأتي ناقصاً حلقة رئيسية لا يمكن تثبيته إلا بالإمساك بها، ذلك أنها واسطة العقد من النزاع، وهي إن لم تحل فستؤدي إلى ثلاثة أنواع من "التعايش" مع هذا السلاح.

 الأول: سباق تسلح، أي سعي كل الأطراف والطوائف، التي استشعرت بأن سلاح "حزب الله" الموجه إلى صدورها في الداخل أذلها، إلى امتلاك السلاح.

 الثاني: توازن الخوف، وهو ناجم عن الأول، ويجعل لبنان يعيش في ظل خشية من استعمال السلاح مما يؤدي إلى فقدان الثقة وعدم الاستقرار.

الثالث: توازن العنف، وهو الرد على العنف المنظم بالعنف الأعمى الذي قد يمارسه الطرف الأقل تسليحاً والأكثر إحباطاً.

كل ذلك مخاطر لاتزال ماثلة في لبنان، وهي جدية أكثر مما يتصور أولئك الذين صنعوا اتفاق الدوحة واعتقدوا أنهم حققوا أكبر إنجاز… صحيح أن الاتفاق خطوة إيجابية، لكنها خطوة في رحلة الألف ميل، والألف ميل عنوانه واحد وهو السلاح، ولن يستقيم اتفاق ولن يتوصل اللبنانيون إلى تسوية إلا إذا قرروا وضع كل السلاح في إمرة الدولة، وتحولوا إلى دولة عادية ذات مؤسسات تحتكر العنف وتحتكر السلاح وتحتكر قرار السلم والحرب.

 وخلاف ذلك لن يكون "اتفاق الدوحة" إلا مجرد هدنة لا تستطيع الإرادات الهشة والعابرة التي صنعته في لحظة إقليمية ودولية مناسبة أن تحميها من عبث أصحاب الأطماع الإقليمية وأصحاب الطموحات الداخلية وأصحاب المشاريع التي تتجاوز "لبنان الدولة والكيان" إلى "لبنان-الأمة" التي لا تتسع إلا على صورة ممانعة هي في النتيجة سلاح وتخلف ودمار.

Share