اتفاقية ستارت الجديدة والأمن النووي العالمي

  • 11 أبريل 2010

بعد عام من المفاوضات الشاقة وعدد من لقاءات القمة الرئاسية والاجتماعات الوزارية، وبعد أن انقضت سابقتها في نهاية العام الفائت، وقع رئيسا الولايات المتحدة وروسيا اتفاقية جديدة لتخفيض الأسلحة الاستراتيجية "الهجومية" (ستارت الجديدة New START)، في 8 أبريل/نيسان الجاري بالعاصمة التشيكية براغ. تعمد الاتفاقية إلى تقليص عدد الرؤوس النووية الموظفة لكل دولة إلى 1550 رأساً، خلال سبع سنوات من تاريخ التصديق عليها. وخلال هذه الفترة أيضاً، يتم تقليل الحاملات الاستراتيجية العاملة، بما في ذلك الصواريخ الباليستية عابرة القارات والمنطلقة من الغواصات وقاذفات القنابل الثقيلة، إلى 700 وحدة لكلٍ، على ألا يتجاوز عدد الحاملات العاملة وغير العاملة معاً 800 وحدة. فضلاً على ذلك، تقرر الاتفاقية نظاماً للتفتيش والتحقق يتيح القدرة على مراقبة كافة جوانبها، ويشتمل على إجراءات أبسط وأقل تكلفة بالمقارنة بالاتفاقية السابقة.

فما هي انعكاسات اتفاقية ستارت الجديدة على الأمن النووي العالمي؟
في حقيقة الأمر، تعطي الاتفاقية دفعة عملية قوية لجهود الحفاظ على الأمن النووي العالمي. وتكفي المقارنة بينها وبين الاتفاقية السابقة عليها، والمعروفة باسم ستارت 1 الموقعة عام 1991، ومعاهدة موسكو، والمعروفة باسم سورت SORT الموقعة عام 2002، لتوضيح كيف أن ستارت الجديدة تمثل تطوراً تاريخياً كبيراً في جهود نزع السلاح النووي للدولتين اللتين تستحوذان على أكثر من 95% من ترسانة العالم الذرية. فالحد الذي اتفق عليه الأمريكيون والروس للشحنات النووية الموظفة أقل بحوالي 75% مما أقرته ستارت 1، ونحو 30% من سقف معاهدة موسكو. كما أن عدد وسائل الإيصال الاستراتيجية العاملة وغير العاملة الذي تسمح به الاتفاقية الجديدة يعادل نصف ما أقرته ستارت 1 تقريباً، وأقل بنسبة 30% مما تضمنته معاهدة سورت. ومن المعلوم أن تخفيض عدد الأسلحة النووية يساهم في خلق الظروف الملائمة للتحكم فيها. غير أن ذلك لا ينفي أن ما يتبقى لدى كل من الولايات المتحدة وروسيا من مقدرات نووية يكفي لتدمير العالم أكثر من مرة. 

غير أنه من المؤكد أن تمنح الاتفاقية الجديدة بعض المصداقية لمبادرة الرئيس أوباما الخاصة بإخلاء العالم من الأسلحة النووية، والتي أعلنها في براغ العام الماضي. وليس من المصادفات أن يتم اختيار العاصمة التشيكية لتوقيعها. وقد أشارت الاتفاقية في ديباجتها إلى أن الدولتين تسعيان إلى الوصول إلى عالم خال من الأسلحة النووية، حتى وإن كان هذا الهدف غير قابل للتحقق في عالم اليوم، كما اعترف أوباما نفسه.

علاوة على ذلك، فإن توقيع الاتفاقية من شأنه تسهيل التئام قمة واشنطن للأمن النووي التي دعا لها الرئيس أوباما في 12-13 من هذا الشهر، بحضور نحو 47 دولة، منها الدول النووية الرئيسة في العالم. ولولا توقيع الاتفاقية، ما كان لهذه القمة أن تنعقد، أو على الأقل تتوافر ضمانات لنجاحها. وستبحث هذه القمة، ربما لأول مرة، واحدة من أهم القضايا ذات الصلة المباشرة بالأمن النووي العالمي، والتي تُدفع الآن إلى قمة أولويات السياسة الدولية، وهي تأمين المواد النووية حول العالم والحؤول دون وقوعها في أيدي الإرهابيين؛ أي منع الإرهاب النووي. ومن المتوقع أن تخرج القمة ببيان مشترك حول تقوية آلية تأمين العتاد النووي وخطة عمل لتطبيق هذا الالتزام.

كما أن توقيع ستارت الجديدة سوف يقوي موقف كل من الولايات المتحدة وروسيا في مؤتمر مراجعة معاهدة حظر الانتشار النووي، المقرر عقده بنيويورك في مايو/أيار القادم. فقد أثبتتا الدولتان التزامهما ببنود المادة السادسة من المعاهدة، والتي تطلب إلى الدول الأطراف مواصلة المفاوضات من أجل نزع السلاح النووي. ومن ثم، يمكن للدولتين الآن، من خلال ضرب المثل، إقناع سائر دول العالم بجدوى سياسة عدم الانتشار النووي، وتعديل المعاهدة بما يعزز فاعليتها عن طريق دعوة الدول النووية إلى نزع سلاحها النووي، وإقناع غيرها بالعدول عن حيازته.

وقد كان لمحادثات ستارت تأثير إيجابي كبير على تطوير العقيدة النووية لكل من روسيا والولايات المتحدة. ولا شك في أن "المذهب العسكري الروسي الجديد" ووثيقة "مراجعة الوضع النووي" للولايات المتحدة، اللذان صدرا بشكل متزامن تقريباً قبل توقيع الاتفاقية، يحدان من دور الأسلحة النووية في السياسة الأمنية للدولتين، ويقيدان استخدامها. فالمذهب العسكري الجديد وضع معياراً أكثر تشدداً في استخدام مثل هذه الأسلحة، وهو عندما "يكون وجودها ذاته محل تهديد" في حالة تعرضها لهجوم نووي، أو هجوم بأسلحة الدمار الشامل، أو حتى بهجوم تقليدي. وبالمثل، فرضت وثيقة "مراجعة الوضع النووي" قيوداً جديدة على استعمال الأسلحة النووية، بحيث لا تُستخدم إلا للضرورة القصوى فقط للدفاع عن المصالح الحيوية للولايات المتحدة وحلفائها وشركائها، وألا تُوظف ضد دول ملتزمة بمعاهدة حظر الانتشار النووي. وقد تخلت الوثيقة عن مبدأ استخدام الأسلحة النووية لاستباق هجوم كيماوي أو بيولوجي أو للرد عليه. وتتفق الدولتان في أن المهمة الأساسية التي تُوكل للأسلحة النووية هي الردع الاستراتيجي، وإن كانت الوثيقة الروسية أكثر وضوحاً في هذا الخصوص من نظيرتها الأمريكية. والأهم من ذلك، لا تتبنى أي من الوثيقتين صراحة خيار الضربة النووية الاستباقية. وتتفق الدولتان الآن على عدم إنتاج أسلحة أو إجراء تجارب نووية جديدة، وإن كانتا ستعمدان إلى تحديث ترسانتهما النووية.

أكثر من ذلك، فقد أكدت القيادتان الأمريكية والروسية أن الانتهاء من ستارت الجديدة سوف يقود إلى الانخراط في مفاوضات، ربما تبدأ بنهاية هذا العام، من أجل التوصل إلى اتفاقية أكثر طموحاً وشمولاً، تعالج فئات من الأسلحة النووية لم تكن من قبل موضوعاً لأي معاهدة دولية، مثل الرؤوس النووية الاستراتيجية المخزنة (تملك الولايات المتحدة نحو 3000، فيما تحوز روسيا حوالي 1000)، والقنابل النووية التكتيكية أو أسلحة المسرح النووي (تملك الولايات المتحدة 500-1200، فيما تحوز روسيا 3000-3800)، وإجراء مزيد من التخفيضات في الرؤوس النووية الاستراتيجية الموظفة. ومع ذلك، لن يكون الدخول في مفاوضات جديدة أمراً سهلاً؛ فدون ذلك عقبات عدة تتعلق بعضها باشتراط روسيا المعالجة المسبقة لموضوعات النظم الصاروخية الدفاعية وتطوير الأسلحة الفضائية والقدرات التقليدية الاستراتيجية الهجومية أو فائقة الدقة، والتي تتمتع فيها الولايات المتحدة بتفوق كبير. وتعتبر روسيا أن الأسلحة التكتيكية، والتي تحوز تفوقاً كاسحاً فيها، موازناً للتفوق الأمريكي في هذه المجالات، وورقة مهمة للمقايضة.

ووفقاً لوزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف، تؤشر ستارت الجديدة لمستوى جديد من الثقة بين الدولتين افتقدتاه لما يقرب من عقد من الزمان، وهي جزء من مبادرة "إعادة ضبط أو تشغيل" العلاقات الروسية الأمريكية، طبقاً للرئيس أوباما. وعلى الرغم من أن توقيع الاتفاقية لن تكون الحل لكل مشكلات هذه العلاقات،  فإنها قد تشجع روسيا على الموافقة على فرض عقوبات أشد صرامة على إيران بسبب ملفها النووي. وقد كانت هذه القضية الأخيرة جزءاً من محادثات ستارت، وفقاً لديفيد إكسلراد، كبير مستشاري الرئيس الأمريكي، وكانت على قمة أجندة الرئيسين أوباما وميدفيديف عندما التقيا في براغ، وستتم مناقشتها عندما يلتقيان لاحقاً في واشنطن. ووفقاً لعدد من المراقبين، ثمة مؤشرات عديدة تدفع إلى الاعتقاد بأن روسيا تتجه إلى مزيد من التعاون مع الولايات المتحدة فيما يتعلق بإيران.

ومع ذلك، تظل هناك عقبتان أساسيتان أمام ستارت الجديدة، ومن ثم على انعكاساتها على الأمن النووي العالمي، تتعلق أولاهما بالتصديق على المعاهدة في برلماني الدولتين، وتتصل ثانيتهما بموقف روسيا من الخطط الأمريكية لإقامة نظام دفاع صاروخي في أوروبا. صحيح أن التصديق على الاتفاقية لن يواجه أية مشكلات في مجلس الدوما، لكنه وفي ظل مناخ التحزب الشديد في الولايات المتحدة قد تواجه الاتفاقية صعوبات في تأمين أغلبية الثلثين؛ ما يعني تأجيل سريان مفعول الاتفاقية، ومن ثم الولوج في مرحلة من عدم التأكد وربما سباق التسلح النووي لم يختبرها العالم من قبل.
 
بالنسبة للعقبة الثانية، ترى روسيا أن الخطط الأمريكية لإقامة نظام دفاع صاروخي مضاد للصواريخ متوسطة وقصيرة المدى حول أوروبا سوف تخل بتوازن القوى بين الولايات المتحدة وروسيا، وسوف يهدد أمنها القومي. ولذلك، طالبت القيادة الروسية واشنطن بتوفير مزيد من المعلومات بشأن خطط الدفاع الصاروخي، وتعهدت بتطوير نظم تسلح هجومية جديدة حتى لو وقعت الاتفاقية الجديدة؛ للحفاظ على التوازن الاستراتيجي وحماية الأمن القومي لروسيا. وقد أكدت روسيا، على لسان وزير خارجيتها سيرجي لافروف، قبل يومين فقط من التوقيع على الاتفاقية، أنها تحتفظ لنفسها بحق الانسحاب من الاتفاقية في حالة تقديرها أن نظام الدفاع الصاروخي الأمريكي في أوروبا تطور كمياً ونوعياً إلى درجة "تؤثر تأثيراً ملموساً في فاعلية القوات الاستراتيجية الروسية". وقد أرفقت روسيا بالاتفاقية غداة توقيعها تصريحاً منفرداً يحفظ لها هذا الحق، على الرغم من أن لافروف نفسه أقر أن المستوى الحالي للخطط الأمريكية مقبول روسياً. وصحيح أن اتفاقية ستارت الجديدة أشارت إلى أن هناك علاقة ارتباطية بين النظم الدفاعية ونظيراتها الهجومية، وأن روسيا حاولت وضع قيود على نظم الدفاع الصاروخي، فإن الاتفاقية لم تعالج القضية الأخيرة، أو تضع حدوداً عليها، فضلاً عن أن تشير إلى الخطط الأمريكية في هذا الخصوص.

وأخيراً، فإن اتفاقية ستارت الجديدة، وكل التطورات التي سبقتها أو صحبتها، تعكس حقيقة جيوبوليتيكية جديدة، وهي أن الردع النووي، وإن لم ينته دوره تماماً، من بقايا الحرب الباردة ومخلفات نظام القطبية الثنائية التي وعد الرئيس أوباما بالتخلص منها. فالمقدرات النووية الهائلة التي تمتلكها الدولتان لم تستطع منع الهجوم على أراضيهما ليس بواسطة دولة، ولكن من قبل تنظيمات من غير الدول. كما تؤشر الاتفاقية، بصفة خاصة، إلى تحول استراتيجي مهم عن منطق توازن الرعب النووي الذي تحكم في علاقات كل من روسيا والولايات المتحدة لخمسة عقود. بيد أنه لكي يتم تعزيز الأمن النووي العالمي، لابد أن تنخرط القوى النووية الأخرى، ولاسيما الصين، في المحادثات التي يمكن أن تتلو التصديق على الاتفاقية من أجل إحداث تقدم أكبر في مجال الحد من الأسلحة النووية.

Share