اتحاد الإمارات: 38 عاماً على النموذج الأمثل

د. عبدالله العوضي: اتحاد الإمارات: 38 عاماً على النموذج الأمثل

  • 25 نوفمبر 2009

لا شك في أن مرور ما يقرب من أربعة عقود على تأسيس"اتحاد" الإمارات العربية، ومحافظة هذا الاتحاد على وجوده وتماسكه على الرغم من الصعاب والتحديات، يمثل في حد ذاته دليلاً كافياً على أن هذا النموذج الوحدوي الناجح في العالمين العربي والإسلامي لا يزال هو النموذج الأمثل في المنطقة للاتفاق سلمياً على تشكيل التكتلات، في عالم لا يعترف إلا بوحدة الموقف والفعل الناجز.

يؤكد ما سبق، أنه في الوقت الذي تشهد فيه التجربة الوحدوية الإماراتية تطوراً مستمراً يزيدها قوة وتماسكاً، تشهد المنطقة العربية تطورات سلبية في الاتجاه المناقض. فمن يطالع الواقع العربي الراهن، يجد قلبه وجلاً ليس فقط بسبب فشل التجارب الوحدوية العربية، كتجربة مجلس التعاون العربي، الذي كان يضم العراق ومصر واليمن والأردن، وتجربة الاتحاد المغاربي، الذي يعاني جموداً مزمناً بسبب الخلافات بين أعضائه، وتجربة الوحدة المصرية-السورية، وغير ذلك، وإنما أيضاً من عودة كثير من الدول العربية إلى مشاريع التجزئة التي تهدد كيان هذه الدول ووحدتها، مثلما يجري الآن في اليمن (التي توحدت بقوة السلاح)؛ حيث تتزايد النزعات الانفصالية لدى الجنوبيين، في الوقت الذي تواجه فيه الدولة تمرداً خطيراً من جانب الحوثيين في منطقة صعدة، أو في السودان الذي ينتظر قطار الانتخابات في العام 2011 لمعرفة هل يبقى إقليم الجنوب جزءاً من حكومة الشمال أم ينفصل ليكون دولة مستقلة ذات سيادة.

ويعد نموذج الصومال هو الأوضح في التشرذم؛ حيث يعاني هذا البلد من حرب أهلية ممتدة وتتقاسمه النزعات والأهواء من كل حدب وصوب، فيما يقف الاقتتال الجاري حالياً بين الفصائل المتنازعة خير شاهد على أن الوحدة السياسية للدولة المرتقبة ليست في متناول اليد. كما يواجه العراق هو الآخر خطر الانقسام والتشرذم، فهناك سيناريوهات سياسية ومقترحات تقوى أحياناً وتخبو أحياناً أخرى بشأن إمكانية تفتيت هذا البلد إلى دولة كردية وأخرى سنية وغيرها شيعية. ولا يزال هدف تحقيق الاستقرار المنشود لدولة العراق الوطنية، البعيدة عن الطائفية الحارقة لكل الإنجازات، بعيداً عن متناول اليد. فبالرغم من أن صناديق الاقتراع هي التي حكمت الشارع العراقي بعد سقوط النظام السابق، فإن المحاصصة الطائفية لا تزال هي سيد الموقف.

انطلاقاً من هذا الواقع العربي الذي يبعث على الحزن، يحق لنا الإقرار بأن تجربة دولة الإمارات العربية المتحدة هي التجربة الأفضل واقعياً وسياسياً؛ لأنها جاءت بالتوافق التام بين حكام الإمارات السبع دون إكراه ولا إجبار من طرف على آخر، وانطلقت من إيمان حقيقي بالوحدة باعتبارها الخيار الوحيد للتقدم والمنعة، ولم تنطلق من أهداف أو طموحات سياسية أو أيديولوجية لحزب أو زعيم ما، وإنما قامت على أساس مقومات حقيقية وموضوعية تدعمها وتساندها سواء من الجغرافيا أو الثقافة والسياسة والاقتصاد، كما أنها قامت على الاحترام والعطاء المتبادل بين الإمارات المختلفة، مع مراعاة الخصوصيات المختلفة لكل إمارة. وقد ضمنت كل هذه العوامل النجاح والتطور لهذه التجربة الوحدوية، التي أصبحت نموذجاً يحتذى في تجارب التكامل والاندماج في العالم العربي.

وقد تجسدت هذه الرغبة الطوعية في حمل راية الاتحاد في الأخذ بنظام اتحادي فيدرالي مرن،  قريب من النموذج الكندي، يوازن بين متطلبات تكوين دولة اتحادية قوية، وبين احتفاظ الإمارات بأكبر قدر ممكن من الاستقلال الذاتي في إدارة شؤونها المحلية في إطار هذه الدولة الاتحادية.  ومن هنا كان "الاتحاد" هو المظلة التي أعطت الحكومات المحلية دوراً مركزياً في إدارة الشؤون الداخلية لكل إمارة على حدة، مع الاحتفاظ بأي شأن سيادي للدولة الاتحادية بلا منازع، وهذا هو السر في احتفاظ هذه الوحدة برونقها وبريقها الساطع في العالم العربي وفق نظرة معظم المحللين السياسيين، الذين شاهدوا عن قرب كيف نجحت الدولة في التوفيق بين هذين الاعتبارين لتترسخ تجربة الوحدة فكراً وممارسة على أرض الواقع.

لقد آمن المغفور له بإذن الله تعالي الشيخ زايد، رحمه الله، الذي تحمّل عبء قيادة الاتحاد في ظروف صعبة، بهذا الاتحاد على أساس أنه تجربة خاصة بدولة الإمارات، ولم يسع يوماً إلى فرض هذه الفكرة أو عرضها على الآخرين ليتأسوا أو يقتدوا بها، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن ما يصلح لدولة الإمارات قد لا يتناسب مع ظروف الدول والمجتمعات الأخرى ومعطياتها، وإن تشابهت إجمالاً في أشياء كثيرة. فالفروقات التفصيلية قد يكون لها الحسم في الأخذ بنظام ما دون غيره باعتبار أنه الأنسب لهذه الدولة أو تلك.

وبالرغم من أن التجارب التي سبقت تجربة الاتحاد الإماراتية كانت لا تبعث على التفاؤل، ولاسيما تجربة الوحدة بين مصر وسورية، التي جاءت بقرار فوقي، وجعلت الكثيرين يخشون من تكرار صدمة الفشل، فإن ذلك لم يثن القيادة الإماراتية عن المضي قدماً في مشروع الوحدة؛ حيث تم حسم هذه القضية بعد مشاورات استمرت لسنوات في دار "الاتحاد" عندما التفت القلوب والأيادي للإعلان رسمياً في الثاني من ديسمبر 1971 عن ميلاد دولة الإمارات العربية المتحدة، وسرعان ما رحب العالم بهذا الكيان الجديد الذي انضم إلى المجتمع الدولي بأسرع مما كان متصوراً، فيما لو قارنا الوضع ببعض الدول الأخرى التي ظلت فترات طويلة معزولة ذاتياً وغير قادرة على الاندماج مع الآخرين وفق معطيات السياسة الدولية.

وقد ساهمت مجموعة من العوامل في الارتقاء بهذا الصرح الاتحادي، حتى وصل إلى ما وصل إليه الآن من رفعة وتقدم بين الأمم، من أبرزها الثقة والوعي بأن شعب الإمارات يربطه مصير واحد، وأن القدرة على مواجهة التحديات التي تواجه الإمارات يكمن في توحدها، لذا كان الإصرار على ضرورة لم الشمل المشتت لمواجهة الظروف والتحديات الصعبة التي كانت قائمة آنذاك، والتي كان أهمها تربص بعض القوى بالإمارات المستقلة حديثاً. ومن هذه العوامل أيضاً، وربما أكثرها أهمية، وجود زعامة تاريخية كان لديها قدرة فريدة على الجمع والتوفيق بين مختلف الأطراف بما توفر لها من احترام في المنطقة ومصداقية لدى حكام الإمارات المختلفة، ونعني بذلك الشيخ زايد، رحمه الله، الذي قاد الدولة إلى احتلال مكانة رفيعة على الصعيدين الإقليمي والدولي طوال سنوات حكمه التي امتدت حتى نوفمبر/تشرين الثاني 2004، لتنتقل الرئاسة من بعده إلى صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، حفظه الله، الذي سار على نهج المؤسس في بناء دولة قوية قادرة على مواجهة كافة التحديات التي تعترض سبيلها، وتلبية طموحات مواطنيها في التقدم والرقي والرخاء. وإذا كان شعار مرحلة الشيخ زايد هو "بناء الإنسان" الإماراتي، فإن شعار مرحلة الشيخ "خليفة" برز على أنه "تمكين إنسان الإمارات"، للإفادة من المكتسبات التي تحققت وتنميتها.

لقد مثل الاتحاد حصانة عملية للوقوف مع العالم ضد الظلم والمضي في طريق العدالة والمساواة واحترام القوانين الدولية في شتى التعاملات بين الدول على كافة الأصعدة؛ حيث أرست دولة الاتحاد مفهوم دولة القانون، التي تتواءم مع كل المستجدات وتتعامل مع كافة الأجندات السياسية بكل حياد ودبلوماسية راقية بعيدة عن تشنجات الأفكار البربرية التي تنبت في البيئات التي تولد العنف والتطرف والإرهاب والأصولية الشرسة، لتصبح دولة الاتحاد، بهذا المفهوم الحضاري، واحة للأمان والعيش في سلام مع كافة شعوب الأرض، دون الالتفات أو التركيز أو السؤال عن أديانهم ومذاهبهم الفكرية وطوائفهم وتياراتهم.

ونعتقد جازمين بأن هذا هو الإنجاز الأهم، ولم يكن ذلك ليتحقق لولا وجود هذا الصرح واستمراره في هذا النهج الراسخ والثابت الذي يعلي مصلحة الوطن فوق كل اعتبار، ويتعاون مع كافة المجتمعات الشقيقة والصديقة وفقاً لموازين المصلحة المشتركة لكل الشعوب، التي تؤمن بالعيش المشترك مع وجود الاختلافات البينية، دون الولوج أو الغرق في بحر الخلافات، الذي لا يترك تنمية مستدامة على خير، ولا يصل بأي مشروع حضاري إلى بر الأمان.

فاتحادنا اليوم هو الحاضن الوحيد لبذور النماء، والحارس الأمين على مقدرات الوطن ومكتسباته، والتي يمثل الإنسان الإماراتي أعز ثرواته وأعظم مجال لاستثماراته، فهو محور كل الخطط التي وضعت للارتقاء بهذا الوطن، والتي واصل رعايتها، بعد الباني الأول زايد، رحمه الله، صاحب السمو رئيس الدولة، حفظه الله، وأكد ذلك عندما قال: "الوطن دون مواطن لا قيمة له، ولا نفع منه، مهما ضمت أرضه من ثروات وموارد".

هذا هو حصاد الاتحاد الذي نراه مغروساً في نفوسنا، ويجري فينا مجرى الدم في العروق. فهل هناك أهم وأعظم من وجود اتحاد يظلنا بأمنه وأمانه إذا غفت أعيننا بالمنام، ويواصل حمايتنا إذا ما أفقنا لسقي هذا الزرع الأسمى؟ فبالاتحاد عشنا، وبالتضحيات نمد في استمراره آماداً.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات