إيران ومجموعة الاتصال الدولية حول سورية

  • 28 يونيو 2012

يترافق نشر هذا المقال مع فصل جديد من فصول تدويل الأزمة السورية بدأ بانعقاد مؤتمر جنيف في 30 يونيو 2012. وتعود فكرة المؤتمر إلى مصدرين أساسين؛ أولهما اقتراح كوفي عنان تكوين مجموعة اتصال من الدول الفاعلة في الأزمة السورية أو ذات النفوذ الحقيقي فيها؛ بغرض إيجاد حل سياسي لها. وعلى الرغم من أنه لم يكن هناك استقرار على الأطراف المدعوة للحضور، فإن عنان لم يكن يمانع في مشاركة إيران مع دول أخرى، بطبيعة الحال، مثل تركيا والعراق والسعودية وقطر والولايات المتحدة الأمريكية والصين وروسيا. والمصدر الثاني هو اقتراح تقدمت به روسيا لعقد مؤتمر دولي حول الأزمة السورية بمشاركة الأطراف السابقة نفسها تقريباً مع اختلافات طفيفة. وقد عرضت روسيا استضافة المؤتمر في موسكو أو عقده في جنيف، وحددت له مجموعة من الأهداف، أبرزها التفاوض من أجل التوصل إلى حلّ سياسي في إطار خطة عنان بعد إدخال تعديلات عليها لم تحددها، وتدخُّل الدول النافذة لدى بشار الأسد ولدى معارضيه على السواء للوقف الفوري لأعمال العنف من الطرفين، مع دعم بعثة مراقبي الأمم المتحدة، وعدم عرقلة نشاط وسائل الإعلام في توضيح أبعاد الوضع الداخلي السوري واتجاهات تطور العنف.

إن القاسم المشترك بين الاقتراحين السابقين هو البعد عن صيغة المؤتمرات الدولية الواسعة العضوية التي انعقدت حول الأزمة السورية، ولم تفض إلى نتيجة ملموسة، كما حدث مع مؤتمري أصدقاء سورية (1) و(2) في تونس واسطنبول، على التوالي. كما أن فكرة مجموعة الاتصال الدولية تستعيد السابقة الليبية ذات الصلة. أما العنصر المشترك الأهم بين المؤتمر والمجموعة فهو الاتفاق على مشاركة إيران كطرف رئيسي. وفي الحقيقة، فإن هذا الاتفاق على وجود إيران يمثل تطوراً بالمقارنة بكل الجهود الدولية السابقة، وذلك أنه مع الدور المعروف لإيران في التأثير في مجريات الأزمة السورية إلا أنها ظلت خارج إطار التفاهمات الدولية الرسمية، بل إن هذا التأثير الإيراني نفسه كان هو السبب في الاختلاف الشديد حول الموقف من إشراكها في جهود التسوية السياسية.

وقد اعتبرت الولايات المتحدة، ومعها أطراف دولية عديدة كفرنسا وألمانيا وإيطاليا فضلاً عن المجلس الوطني السوري، أن إيران هي جزء من المشكلة، وبالتالي فإنها لا يمكن أن تسهم في الحل. وتمثل منطق الرافضين في أن هناك العديد من الأسباب التي تحمل على الاعتقاد بأن إيران حريصة على استمرار الأزمة السورية طالما لم تتجاوز الحدود؛ لأن هذا يصرف انتباه العالم جزئياً أو مؤقتاً عن تطورات الملف النووي الإيراني، ويستنزف جهد دول الخليج الداعمة لحراك الشعب السوري ضد عنف نظام بشار الأسد، ويسمح باستغلال حالة الانفلات الأمني لتمرير شحنات أسلحة لحزب الله من أجل مواجهة التهديدات الإسرائيلية المتكررة بالعدوان عليه. وفي الحقيقة، فإن هذه الأسباب تقدم حججاً مضادة لخصوم إيران من أجل عدم إشراكها في مجموعة الاتصال الدولية حول سورية. ولا ننسى أن إيران متهمة عسكرياً، وليس سياسياً ودبلوماسياً فقط، بدعم نظام بشار الأسد. وقد أشار اللواء إسماعيل قاءاني، نائب قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، إلى هذا الدعم العسكري بوضوح؛ عندما تحدث لوكالة إسنا الإيرانية، في 24 مايو الفائت، ونقلت عنها الـ "BBC" ما نصه: "لو لم تكن هناك قوات إيرانية في سورية، لكان من الممكن أن تصبح المذابح في سورية أوسع نطاقاً …. قبل وجودنا في سورية، كان العديد من المدنيين يُقتلون على يد المعارضة. لكن وجود قوات الجمهورية الإسلامية منع وقوع مذابح ضخمة". كأنّ قاءاني يريد أن يقول إن القوات الإيرانية في سورية هدفها حماية المدنيين من المتطرفين الإسلاميين؛ وهي الحجة التي ما فتئ النظام السوري يكررها لتبرير عمليات القتل الجماعي في حمص وحماة ودرعا والزبداني ودُوما وإدلب وريف دمشق، وفي كل مناطق الحراك السوري المتصاعد. وقبل هذا التصريح الرسمي الإيراني كان النفي هو مصير كل الاتهامات التي توجه لإيران بتقديم خدمات استخباراتية ولوجستية لنظام بشار الأسد، وهي الاتهامات التي دفعت الولايات المتحدة لفرض عقوبات متتالية على مسؤولين إيرانيين، أبرزهم اللواء قاسم سليماني قائد فيلق القدس.

وفي مقابل رفض الولايات المتحدة وآخرين إشراك إيران في التسوية السياسية للأزمة السورية، دافعت روسيا عن إشراكها، وراوغت الصين في تحديد موقفها وإن كان مفهوماً أن الأخيرة لا تمانع في تلك المشاركة؛ بحكم تقارب موقفها مع الموقف الروسي إلى حد استخدام كليهما حق الفيتو مرتين لمنع صدور قرار ضد النظام السوري من مجلس الأمن. أما مبررات الدفاع عن مشاركة إيران، فإن أحدها هو أن تجاهل إيران غير مفيد؛ لأنها حاضرة فعلياً وبقوة في المشهد السوري. وبالتالي، فليس من المصلحة عزلها؛ لأن هذا قد يؤدي إلى قيامها بتخريب أي اتفاق سياسي لا تكون طرفاً فيه. وثانيها، أن التفاوض يكون بين الأطراف التي تختلف في وجهات نظرها، وليست تلك التي لا يوجد بينها خلاف، وإلا ما نشأت الحاجة أصلاً للتفاوض. ثم إن آلية إشراك دول الجوار في المفاوضات السياسية معمول بها منذ حرب الخليج الثانية (1991) فيما يخص العراق، وتمثل إيران طرفاً أصيلاً من أطراف تلك الآلية. وأخيراً، فإنه بسبب ما تشكل سورية من أهمية كبيرة لإيران فممن الوارد أن يؤدي التقدم في تسوية الأزمة السورية إلى تعاون إيراني أفضل في إطار مجموعة 5+1 الخاصة بالملف النووي الإيراني.

وبينما هذا الجدل السياسي بين أنصار ومعارضي المشاركة الإيرانية محتدم، انعقد مؤتمر جينيف لمجموعة الاتصال حول سورية، بحضور كل الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن، وثلاث دول تمثل الجامعة العربية هي العراق والكويت وقطر، بالإضافة إلى تركيا، والأمين العام للجامعة العربية، والأمين العام للأمم المتحدة، وممثل الاتحاد الأوروبي. أما إيران فتغيب. وقد أسفت لهذا الغياب، وأعربت عن أملها في إدماجها في أي مشاورات سياسية لاحقة على المؤتمر.

في ظاهره يبدو الخلاف على إشراك إيران من عدمه مجرد خلاف بين نهجين متمايزين في التعاطي السياسي مع الأزمة السورية، بعد استبعاد التدخل العسكري مؤقتاً. فهناك النهج الخاص بالدول الرافضة لإشراك إيران، وهو قائم على أساس تكرار السيناريو اليمني في سورية؛ بمعنى أن يتنحى الرئيس الأسد عن السلطة ويسلمها لنائبه مقابل تمتعه بخروج آمن من البلاد. وهناك نهج آخر للدول المؤيدة لإشراك إيران، يقوم على استحالة تكرار السيناريو اليمني لأسباب عدة منها عدم انزلاق المعارضة اليمنية للعنف، واختلاف الدور الإقليمي والوزن الاستراتيجي لسورية مقارنة باليمن. ومن ثم، يكون الحل الوحيد المتاح هو استكمال "الإصلاح السياسة" الذي بدأه بشار الأسد، والانخراط في حوار موسع مع المعارضة الوطنية. هذا هو ظاهر الخلاف في الموقف من الأزمة السورية، وموقع إيران منه. أما الجوهر الحقيقة للخلاف، فإنه يتعلق بالصراع الأمريكي-الروسي على الشرق الأوسط كجزء من صراعهما الأكبر في إطار النظام الدولة. وعلينا ألا ننسى أن الرئيس فلاديمير بوتين العائد إلى قصر الكرملين هو صاحب الفضل في استعادة المكانة الدولية لروسيا بعد قرابة عقد من انهيار الاتحاد السوفيتي، وأن الأزمة السورية هي أولى الأزمات التي يواجهها في مستهل رئاسته الجديدة. وعلى الجانب الآخر، فإن الولايات المتحدة بعد انسحابها من العراق، تتطلع إلى فرصة ما في سورية بعد رحيل الأسد بشرط ألا يتغير نظامه، وتلك نقطة أساسية. فالولايات المتحدة تطرح الحل اليمني؛ حفاظاً على أركان نظام الأسد وسياساته، وللحؤول دون شيوع فوضى تنجم عن سقوطه وتصيب إسرائيل.

إذاً، المسألة السورية بالغة التعقيد، يتوقف على تسويتها مصير قضايا دولية وإقليمية عديدة، أبرزها يتعلق بالملف النووي لإيران ودورها الإقليمي، وخريطة الشرق الأوسط، التي لابدّ أن تكون جديدة بحكم الثورات والحركات الاحتجاجية التي بدأت في تونس، ووصلت إلى السودان. وفي تقديري، أن إشراك إيران في تسوية الأزمة السورية قادم، ولو بعد حين، عندما تجد الجمهورية الإسلامية أن قضيتها خاسرة في الدفاع عن الرئيس السوري ونظامه. وعندها، ستقبل مكرهة بالحل باليمني.

Share