إيران وحماس والجماعات الراديكالية الفلسطينية

د. كينيث كاتزمان: إيران وحماس والجماعات الراديكالية الفلسطينية

  • 8 فبراير 2006

اعتبر الكثير من المحللين الاستراتيجيين أن الفوز الذي حققته حركة المقاومة الإسلامية (حماس) في الانتخابات الفلسطينية التشريعـية، التي أجريت في 25 يناير/كانون الثاني 2006، نكسة كبرى لسياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط. وقد ذهب بعض هؤلاء إلى أن إيران، وهي أحد خصوم الولايات المتحدة، قد شعرت بالقوة وهي ترى أحد حلفائها السياسيين يحقق الفوز في انتخابات حرة.

لقد استفادت إيران سلفاً من إطاحة الولايات المتحدة صدام حسين، ما أدى إلى تقوية الأحزاب الإسلامية الشيعية الموالية لطهران في العراق، وفوزها في الانتخابات التشريعية التي جرت في يناير/كانون الثاني، وتلك التي جرت في ديسمبر/كانون الأول 2005. وقبل ذلك، أدت الحملة التي قادتها الولايات المتحدة لإطاحة نظام "طالبان" في أفغانستان إلى تقوية الأقلية الشيعية، وإطاحة حكومة كادت إيران تدخل حرباً معها في سبتمبر/أيلول 1998.

تُظهر ردة فعل إيران إزاء انتصار "حماس" أنها ترى أن وضعها الإقليمي قد ازداد قوة. فلقد قامت إيران فوراً ورسمياً بتهنئة "حماس" بانتصارها، وقال الناطق الرسمي لوزارة الخارجية الإيرانية حميد رضا آصفي: "ستعزز نتائج هذه الانتخابات وحدة الشعب الفلسطيني في الدفاع عن حقوقه". هذا الانتصار الذي حققته "حماس" يتوج 15 عاماً من العلاقات التي تربطها بإيران، وهي علاقات قامت إيران فيها بدور المساند الرئيس لـ "حماس"، خاصة إبان سنواتها الأولى (أواخر الثمانينيات وبدايات التسعينيات من القرن الماضي). ووفقاً لبعض التقارير الصادرة في ذلك الوقت، فإن إيران وفرت ما مقداره 10% من إجمالي موارد "حماس". ويسود اعتقاد واسع بأن إيران هي التي دبرت سلسلة الهجمات الانتحارية الكبرى التي نفذتها "حماس" في إسرائيل في إبريل/نيسان 1996، مما أسهم في هزيمة شيمون بيريز وانتخاب بنيامين نتانياهو رئيساً للوزراء. وعلى الرغم من أن إيران وصفت مساعداتها لـ "حماس" بأنها "مساعدات إنسانية"، فإن أقرب المقربين لإيران في صفوف "حماس" كانوا، بصفة عامة، الزعماء الأكثر تشدداً في المنفى؛ مثل خالد مشعل. وقد التقى الرئيس الإيراني الجديد المتشدد محمود أحمدي نجاد خالد مشعل خلال زيارة قام بها إلى دمشق في يناير/كانون الثاني 2006. وكان مشعل قد زار طهران في ديسمبر/كانون الأول 2005، وصرح بأن إيران و"حماس" يمثلان "جزءاً من جبهة متحدة ضد أعداء الإسلام".

ومع أن انتصار "حماس" قد يبدو معززاً لموقف أحمدي نجاد المعادي لإسرائيل، فإنه يرجح أن تأخذ المسافة بين "حماس" وإيران في التباعد التدريجي، بعدما غدت "حماس" الآن مثقلة بأعباء الحكم الفلسطيني. لقد لجأت "حماس" خلال العقد المنصرم إلى تنويع مصادر مواردها المالية، لكن تقرير وزارة الخارجية الأمريكية حول "الإرهاب العالمي" لعام 2004 (الصادر في إبريل/نيسان 2005) يشير إلى أن الحركة "تتلقى بعض التمويل من إيران، ولكنها تعتمد أساساً على تبرعات الفلسطينيين العاملين بالخارج في شتى بقاع العالم، والمساعدات التي ترد من مسلمين وعرب يعيشون في بعض الدول العربية". وفي هذا الصدد، لم يتطرق مدير الاستخبارات الأمريكية جون نيجروبونتي، في التقرير السنوي الصادر بتاريخ 2 فبراير/شباط 2006، حول تقييم التهديدات الإرهابية، أمام لجنة الاستخبارات بمجلس الشيوخ، إلى ذكر "حماس" كواحدة من "الجماعات الإرهابية" التي ترعاها إيران. ومن نواح كثيرة، فإن تحالف "حماس" مع طهران ظل دوماً أمراً غير عادي، وذلك لأن "حماس" تنظيم سني، ظهر في منطقة يسودها تنظيم "الإخوان المسلمين"، بينما تعتبر إيران بؤرة للحركات الإسلامية الشيعية. وهذا ما أوضحه القيادي في حركة "حماس" محمود الزهار حين نفى وجود علاقات وثيقة بإيران، وذلك في مقابلة أجرتها شبكة "كيبل نيوز" في 29 يناير/كانون الثاني 2006.

ولكن مما لا شك فيه أنه ليس من المرجح أن تلتفت "حماس" إلى إيران طلباً للتوجيه أو الإرشاد حول الشؤون الداخلية الفلسطينية بعد أن صار لها نصيب من السلطة الفلسطينية، لأنها إذا فعلت ذلك، فسوف تخاطر بإبعاد الداعمين الإقليميين الذين ربما تعتمد عليهم. ومن هؤلاء الأردن، والمملكة العربية السعودية، ومصر. ولهذه الدول الثلاث جميعها ضلع أساسي في العلاقات الإسرائيلية- الفلسطينية ووضع الأراضي الفلسطينية، كما أن هذه الدول الثلاث جميعها ترى في إيران منافساً إقليمياً وهيمنة شيعية. ويكاد يكون يقيناً أنها ستحاول إبعاد إيران عن دائرة التأثير في "حماس". كما أن هذه الدول الثلاث ستحاول توجيه حماس نحو خط أكثر اعتدالاً. فالأردن ومصر يرتبطان بمعاهدات سلام مع إسرائيل، ولا ترغبان في تعريض علاقاتهما بها للخطر بسبب حركة "حماس" التي تكاد تمسك الآن بزمام الأمور. كما أنهما لا ترغبان في قيام "حماس" بتحريض فروع "الإخوان المسلمين" بالأردن ومصر على البدء في معارضة نشطة للنظامين الحاكمين في الدولتين. ومن ناحية أخرى، ترى القيادة السعودية في نفسها طرفاً ووسيطاً لا يمكن الاستغناء عنه لإنجاح أي مبادرة سلام رئيسة، ولن تكون راغبة في رؤية "حماس" في وضع يمكّـنها من إفساد أي فرصة لمحادثات سلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين.

ربما يتوافر الثقل الموازي لهذه الدول الثلاث في سورية، التي تتحالف مع إيران وتؤوي المتشددين من "حماس". غير أن انسحاب سورية القسري من لبنان، والانشقاقات بين عناصر نخبتها الحاكمة تنال من قدرتها على النجاح في التغلب على التأثير المعتدل من جانب مصر، والأردن، والمملكة العربية السعودية.

أما إذا حدث تعارض بين مصالح إيران و"حماس" فيما يتعلق باستحقاقات الحكم، فمن المحتمل أن تزيد إيران اعتمادها على فصائل فلسطينية راديكالية أخرى لكي تواصل ضغوطها على إسرائيل، وبالتالي تفسد أي تحركات نحو السلام. وعلى الرغم من أن حركة "الجهاد الإسلامي" الفلسطينية تنظيم سني، فإنها كانت دائماً أقرب إلى طهران من "حماس". لقد انبثقت حركة "الجهاد الإسلامي" العام 1979 عن المد الأصولي الذي برز مع الثورة الإسلامية في إيران في العام نفسه. وبما أن "الجهاد الإسلامي" حركة سرية ليست لها أعمال تجارية أو شبكات لتقديم الخدمات الاجتماعية، فهي أكثر اعتماداً على القوى الخارجية مقارنة بـ"حماس". ومن المحتمل أن تأخذ "الجهاد الإسلامي" دور المنافس لـ "حماس" في حالة تخفيف تلك الأخيرة من حدة مواقفها المتطرفة نتيجة لمسؤولياتها في الحكم. ومن المحتمل كذلك أن تحاول إيران تقوية علاقاتها مع التنظيمات الفلسطينية الراديكالية من غير جماعات الإسلام السياسي؛ ومن أبرز هذه التنظيمات "كتائب شهداء الأقصى"، المنبثقة عن حركة "فتح"، و"الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين- القيادة العامة"، ومقرها دمشق.

هنا يكمن الخطر الحقيقي لفوز "حماس" في الانتخابات التشريعية الأخيرة. فالتنظيمات الراديكالية الأخرى، مثل المذكورة آنفاً، ربما تخشى الآن أن يكون الضعف قد لحق بجبهة الرفض، بعد تركيز "حماس" على الحكم ومسؤولياته أكثر من تركيزها على العمليات الجهادية ضد إسرائيل. وهذا الموقف قد يدفع الجماعات الجهادية مثل حركة "الجهاد الإسلامي"، بل حتى الفصائل المسلحة التابعة لـ "حماس" إلى تصعيد هجماتها على الإسرائيليين، مما سيؤدي إلى ردود فعل انتقامية من جانب إسرائيل، وبداية حلقة أخرى من حلقات العنف بين الجانبين.

Share