إيران والقوة النووية: القلق المتزايد

د. جون بروني: إيران والقوة النووية... القلق المتزايد

  • 16 ديسمبر 2007

أثار المؤتمر السنوي الثالث عشر للطاقة الذي نظمه مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية خلال الفترة من 19-21 نوفمبر/تشرين الثاني 2007، عدداً من القضايا المثيرة للاهتمام، كان أكثرها إلحاحاً تلك المتعلقة بالبرنامج النووي الخليجي، وما إذا كان يتعين على دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية أن تمضي قدماً في هذا البرنامج أم لا؟

 هناك بالطبع، أسباب مشروعة تدفع دول الخليج العربية لتبني هذا الخيار؛ فالطاقة النووية هي الأنظف والأكثر كفاءة من أي مصدر آخر، من مصادر الطاقة، لتشغيل محطات تحلية المياه، على الرغم من أن إدارة النفايات أمر مثير للجدل. كما أن تقليل دول مجلس التعاون الخليجي من الاعتماد الداخلي على الوقود الأحفوري، يعني أن المزيد من النفط والغاز يمكن أن يتم ضخه إلى الأسواق الدولية بدلاً من أن تستهلكه الاقتصادات المحلية. ولكن هذه الحجج، وعلى الرغم من أنها تبدو عقلانية في حد ذاتها، تميل إلى تجاهل عنصر الأمن في الانتقال إلى العالم الجديد للطاقة النووية. وفي الواقع، فإنه يمكن للمرء أن يتساءل، حول ما إذا كان يتعين على دول مجلس التعاون الخليجي، سواء بصورة فردية أو جماعية، التحرك نحو اكتساب القدرة النووية، إذا لم تكن هناك هذه الطموحات النووية لإيران. وإذا كان البرنامج النووي الإيراني هو أخطر تحدٍّ أمني لدول الخليج العربية، فمن المهم أن نفكر فيما قد يؤدي إليه البرنامج النووي العربي.

هناك أولاً وهذا هو الأهم، التأثير المتوقع لمسألة الانتشار النووي، فانتشار التكنولوجيا النووية على نطاق أوسع في منطقة الخليج لن يجعل شبه الجزيرة العربية أكثر أماناً مما هي عليه الآن، بل على العكس من ذلك، قد يحفز الإيرانيين على بذل مزيد من الجهود لتسريع أنشطتهم النووية، بما في ذلك أنشطة التسليح. ومن المثير للاهتمام أن أحدث تقرير للاستخبارات الوطنية الأمريكية، صدر مؤخراً تحت عنوان: "إيران: النوايا والقدرات النووية" أكد أن إيران توقفت عن العمل في برنامجها الخاص بالأسلحه النووية منذ عام 2003، نتيجة للضغط الدولي، مما سبب كثيراً من الحرج والانزعاج بين صقور إدارة بوش. كما ذكر هذا التقرير أن القدرات التقنية العالية لإيران في مجال تطوير دورة الوقود النووي الخاص بها، قد تم تقديرها بشكل مبالغ فيه وعلى نحو صارخ.

 وإذا ما قررت دول مجلس التعاون الخليجي، على ضوء هذا التقييم الاستخباراتي الأمريكي الجديد والمثير للجدل، المضي قدماً في برنامجها النووي، فإن هذا ربما يتم تفسيره من قبل كثيرين باعتبار أنه ليس سوى محاولة ساذجة لتقليد الإيرانيين في الحصول على "تكنولوجيا الهيبة". كما أن هذا الأمر قد يطرح التساؤل الآتي: هل تمّ التفكير بشكل جدي في كيفية تأثير هذا البرنامج النووي المدني على متطلبات دول مجلس التعاون الخليجي من الطاقة في المدى الطويل، إذا ما أعطى تخطيط البنى التحتية مسألة بناء المفاعلات النووية أهمية أقل؟

 وهناك، ثانياً، الآثار الأمنية الحقيقية التي يمكن أن ترتبها هذه الخطوة بشأن القوة النووية غير العربية بالمنطقة، وهي إسرائيل؛ ففي الوقت الحالي، تتحدث عواصم الخليج العربية وتل أبيب بصوت واحد عن قلقها إزاء تطور القدرات النووية الإيرانية. ولكن اُكتشف مؤخرا أن هذه "الأرضية المشتركة" بين دول مجلس التعاون الخليجي وإسرائيل لا يمكن أن تمثل تحولاً أساسياً في الساحة الدبلوماسية في الشرق الأوسط. وهذا أمر لم ولن يساعد في تحقيق السلام في الوقت الراهن، فقضية فلسطين، وعدد لا يحصى من المسائل الخلافية الأخرى، ستواصل فعلها في التفريق بين الدول العربية وإسرائيل، على الرغم من الخطر الشائع المتصور والمشترك الذي تمثله إيران بزعامة أحمدي نجاد. وهذا العرض للوحدة المتصورة بين العرب وإسرائيل ضد إيران يتم الترويج له في وسائل الإعلام الغربية، ولكنه لن يدوم طالما استمرت التوترات السياسية والاستراتيجية القديمة قائمة على السطح بين الجانبين.

 وإذا افترضنا للحظة واحدة أن هذا التوقف الدبلوماسي للأعمال العدائية بين إسرائيل ودول مجلس التعاون الخليجي هو مجرد ظاهرة مؤقتة، فكيف سيكون رد فعل إسرائيل على دول شبه الجزيرة العربية التي قد تقوم بتشييد عدد من المفاعلات للأغراض السلمية؟ ألن يخشى القادة الإسرائيليون من أن يخفي هذا البرنامج المدني لدول مجلس التعاون الخليجي، برنامجاً للأسلحة النووية، لاسيما أن الإيرانيين كانوا قد سبق لهم التعاطي بنفس هذا المنطق؟ ويجب هنا ألا ننسى أن إسرائيل نفسها كانت قد استخدمت سياسة الخداع ضد الولايات المتحدة في أواخر ستينيات القرن الماضي، عندما ادعت أن برنامجها النووي، بحسب قول رئيس الوزراء الأسبق بن جوريون، "مصمم للأغراض السلمية فقط"، بينما كان فى الواقع يستهدف إنتاج الأسلحة النووية.

 وفي ظل البيئة الأمنية الهشة القائمة حالياً في الشرق الأوسط، فإنه لن يكون من الصعب الاعتقاد بأن بيانا مماثلا يصدر من عواصم الخليج العربي يمكن أن يُنظر إليه باعتباره تهديداً فعلياً للدولة اليهودية. ثم، ما الضمانات التي يمكن لدول شبه الجزيرة العربية النووية الحصول عليها لضمان ألا تتعرض مفاعلاتها النووية السلمية للاستهداف من قبل الصواريخ الباليستية أو المقاتلات/ القاذفات الإسرائيلية فى أي ضربة وقائية؟

من غير المرجح ألا تجد المفاعلات النووية التي ستنتشر في منطقة الخليج نفسها على قوائم الاستهداف العسكري الإسرائيلي. وفي حالة الحرب، فإن تدمير هذه المفاعلات العاملة من شأنه أن يطلق العنان لكمٍّ هائل من الأضرار الجانبية الثانوية من خلال الغبار والتلوث النووي الذي قد ينتج عنها. ومن الصعب تحمل ذلك من أجل خليج أكثر أمناً.

وفي نهاية المطاف، فإن اللعب بالورقة النووية سيكون مكلفاً في الحصول عليها أو صعوبة التعامل معها، طالما أن هذا الجانب أو ذاك الذي يبدأ باستخدام "الغموض النووي" يؤثر على أعصاب الخصم الدبلوماسي. وبالنظر إلى الآثار الحقيقية البالغة السلبية على أمن المنطقة، إذا ما سارت في الطريق النووي، فإنه قد يكون من الأفضل إعادة التفكير في مسألة الإخلاء النووي لمنطقة الخليج والشرق الأوسط الأكثر اتساعاً. ومما لا شك فيه أن الجهود الدبلوماسية لتحقيق ذلك ستكون صعبة للغاية في ظل الظروف الراهنة، ولكن سيكون هناك الكثير الذي يمكن لدول الخليج أن تكسبه دولياً من خلال تبني وممارسة أنشطة أكثر أخلاقية بالمقارنة بالموقف الذي اتخذه الإسرائيليون أو الإيرانيون. ومن خلال التفكير بطريقة خلاقة حول كيفية الوجود جنباً إلى جنب مع إسرائيل النووية والدولة الأخرى التي تقف على أعتاب امتلاك التكنولوجيا النووية "إيران" وعدم السير في تيارهم، يمكن للعواصم العربية التحلي بالحكمة والصبر اللازمين للحصول على دعم المجتمع الدولي لمواجهة أية تحولات أو تحديات محتملة حالياً أو في المستقبل يمكن أن تنعكس على أمن الخليج.

Share