إيران: مفاعيل الأزمة إقليمياً

عبدالوهاب بدرخان: إيران.. مفاعيل الأزمة إقليمياً

  • 5 يوليو 2009

أوقع النظام الإيراني نفسه في ورطة لم يكن مضطراً لها. أراد إرسال إشارة قوية إلى الخارج، عبر الفوز المضخّم لمحمود أحمدي نجاد، لكن فاته أن الداخل يمكن أن تكون لديه كلمة فيما حدث. بعد ذلك كان لابد للخارج أن يعلن موقفاً من القمع الدموي للتظاهرات. لكن النظام واصل تجاهل وجود مشكلة في الداخل، وركز اهتمامه على إسكات الخارج، وكأن شيئاً لم يحصل. ومع الوقت، صارت القبضة الحديدية في الداخل وسيلة للضغط على الخارج، والعكس بالعكس؛ أي إن توجيه الاتهامات للتدخل الخارجي استخدم كوسيلة لتبرير القمع في الداخل.

 النظام قوي، ولم يكن مهدداً، ولا كان مصيره على المحك. إلا أن مصدر القوة هو نفسه مصدر الضعف، خصوصاً بعدما تبين أن الشارع منقسم إلى حد كبير، وعلى نحو قد يكون متكافئاً، مع فارق أن السلطة ساندت فريقاً ضد فريق. لكن العالم أصبح يعرف الآن أن شعبية النظام ليست بالشكل الذي يصوره. وعلى الرغم من أن العواصم الدولية تفاعلت بحذر مع الحدث، فإنها فوجئت بردود فعل السلطة، تحديداً بعد اعتقال عدد من موظفي السفارة البريطانية، ما أعاد إلى الأذهان عملية احتجاز طاقم السفارة الأمريكية في العام 1979 وطرح مجدداً المخاوف على أمن السفارات والدبلوماسيين.

 ولكن طهران لا تبدو باحثة عن قطيعة جديدة مع الغرب، غير أنها انتهزت الفرصة للتذكير بهذا التهديد وبأنها لا تستبعده. مع ذلك ليس متوقعاً أن تستعيد طهران نشاطها الدبلوماسي إلا بعد انتهاء أزمتها الداخلية. ومثل هذه النهاية كانت ستأتي سريعة وقريبة لو أن "المؤسسات" (مجلس صيانة الدستور، مثلاً) برهنت قدرة ومصداقية. لكن التشكيك بها قطع الطريق على احتمال إيجاد حل دستوري-قانوني. وفي حال كهذه يفترض أن يكون الحل سياسياً، إلا أن وضعية الانتفاضة التي اتخذها المحتجون على التلاعب بنتائج الانتخابات كشفت عدم وجود سياسة وافتقاد النظام لخبرة كافية في هذا المجال؛ إذ إنه اعتاد على إصدار التوجيهات كما اعتاد على تلقي الاستجابة لها، ولم يواجه يوماً ضرورة إرضاء المعترضين ليتمكن من تجاوز أي أزمة عارضة.

 سيكون هناك حل، وسيتمكن النظام من فرض إرادته معتمداً على أن الجميع، متشددين وإصلاحيين، هم "أبناء الثورة". لكنه مضطر بعد الآن لإيلاء اهتمام أكبر بمشكلات الداخل وعلى رأسها الاقتصاد. ذلك أن سنوات النفط المرتفع الثمن راكمت مداخيل كبيرة لم تنعكس على معيشة الإيرانيين، والأرجح أن تكاليف التسليح ونفقات التدخل في أكثر من مكان (العراق، لبنان، أفغانستان، فلسطين، أفريقيا.. ) كانت كفيلة بامتصاص الوفرة. وربما كان الحرص على تثبيت النفوذ الخارجي هو الذي دفع النظام إلى عدم الاستثمار في التنمية الداخلية تحسباً للسنوات العجاف التي بدأت مع انعكاسات الأزمة العالمية وقد تمتد إلى حين إيجاد نهاية للأزمة النووية وتشعباتها.

 كل الحسابات، بما فيها العرض الأمريكي للحوار حول المسائل الثنائية، فضلاً عن البرنامج النووي الإيراني، كانت مشجعة للنظام، بل أوحت له بأن استثماراته السياسية التي تراكمت خلال الأعوام الأربعة الماضية، أوشكت على افتتاح موسم حصاد النتائج. صحيح أنه سجل بعض الإيجابيات ولفت إلى بعض المآخذ في نهج الرئيس الأمريكي باراك أوباما، إلا أن النظام الإيراني أدرك ببراغماتيته وجوب التعامل مع مبادرات واشنطن، ومع ذلك لم يتلق ما يكفي من الإشارات لطمأنته، لذا فضل الإبقاء على أحمدي نجاد في الرئاسة حتى لو كان معلوماً لديه أن مزاج الداخل يميل إلى رئيس إصلاحي. وعندما تكون هناك أزمات مزمنة وصعبة فإن حلها مع المتشددين يكون أفضل وأكثر صلابة من حلها مع المعتدلين. هذا ينطبق على إيران، مثلما ينطبق على إسرائيل. وينبغي الاعتقاد بأن الإدارة الأمريكية ربما تفضل وضعاً كهذا؛ لأنها إذا تمكنت من إيجاد اتفاق مع المتشددين في إيران، وإلى إقناع اليمين المتشدد في إسرائيل، فهذا يعني أنها تقترب من تحقيق أهداف سياستها، فأي اتفاق مع المعتدلين قد يكون أسهل إلا أن المتشددين والمتطرفين سيتكفلون إطاحته.

 أزمة التلاعب بالانتخابات كانت أيضاً خارج الحسابات الأمريكية. فإذا أصرّت الإدارة الآن على المضي في نهج الحوار، فإنها تعلم مسبقاً بأنها ستتعامل مع حكم مشكوك بشرعيته. لكن المصلحة المتوخاة من الحوار تبرر لها تجاوز كل الاعتبارات. في المقابل باتت طهران تدرك أنها ستقدم على الحوار مع أمريكا بحكم معطوب، حتى لو أنكرت ذلك، لكنها تلمس بدورها المصلحة التي تتوقعها بنتيجة هذا الحوار. هنا يمكن أن تؤثر الأزمة الداخلية على المقاربة الإيرانية للمفاوضات، فهي قد ترفض الرضوخ للمهل الزمنية المحددة التي تسعى واشنطن إلى فرضها. فالخريف، أو نهاية السنة، أو ستة شهور كحد أقصى، قد لا تكون بالنسبة إلى طهران مواعيد واجبة الاحترام، مع علمها أن إدارة أوباما تعمل في وقت واحد على تسويات عدة وتريد المواءمة بينها. أي إنها تريد تقدماً في مفاوضات الشرق الأوسط بالتزامن مع تقدم في التفاوض مع إيران ومع استعداد للانسحاب النهائي من العراق، ثم من أفغانستان.

 في الوقت الراهن لا تبدو الأزمة الداخلية دافعاً مشجعاً لإيران على استعجال التوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة. بل لعلها، على العكس، تدفعها إلى المماطلة، خصوصاً إذا قرر الإصلاحيون الإبقاء على مناخ الأزمة ولو بالحد الأدنى. ثم إن اندفاع إدارة أوباما إلى إحراز تغيير جوهري في الشرق الأوسط بغية انتزاع أوراق تريد إيران استخدامها في المساومة، قد يقنع طهران بتوخي الحذر؛ لأن أمريكا قد تكون بصدد تطويقها وإضعاف موقفها التفاوضي. وهكذا قد ترى إيران أن لديها أسباباً ومصالح في كسب الوقت، وربما في عرقلة بعض الجهود في الشرق الأوسط ريثما تتبيّن أن مسارات التسويات والمفاوضات معها ومع غيرها تتقدم بشيء من التناغم.

 من الواضح أن الأزمة الداخلية الإيرانية باتت جزءاً من بازار الضغوط التي يستخدمها الطرفان، الغرب وطهران، كل في الاتجاه الذي يناسبه. فالغرب يريد حلاً سريعاً لهذه الأزمة ليتمكن من إعادة البرنامج النووي إلى الواجهة في تعامله مع إيران. وهذه تعيد حساباتها ولعلها تجد في أزمة الانتخابات ذريعة جيدة لتعطيل السيناريوهات الغربية للتفاوض معها، ذلك أن مصلحتها الراهنة تكمن في كسب مزيد من الوقت لإيجاد حل معقول وواضح لأزمتها أو لبناء تفاهمات تتعلق بالمستقبل مع تيار الإصلاحيين.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات