إيران تعمق عزلتها

  • 9 يوليو 2018

في الوقت الذي كان يأمل فيه كثيرون أن تعمل إيران على تغيير سياساتها المثيرة للقلق والجدل، وأن تركز على إعادة بناء الثقة فيها كدولة مسؤولة، منذ انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من الاتفاق النووي في مايو الماضي، والتجاوب مع المطالب الأمريكية والأوروبية، وخاصة فيما يتعلق بإنهاء تدخلاتها السلبية في أزمات المنطقة المختلفة، والتوقف عن دعم الميليشيات المسلحة التابعة لها في أكثر من دولة، إذا بها تعمق صورتها السلبية باعتبارها عاملاً مشتركاً في أزمات المنطقة، وداعماً رئيسياً للإرهاب على الصعيدين الإقليمي والدولي. ولعل المتتبع للسلوك الإيراني خلال الأيام الماضية، يدرك بوضوح هذه الصورة، بداية من تهديدها باستئناف تخصيب اليورانيوم وإعادته إلى مستويات مرحلة ما قبل التوقيع على الاتفاق النووي في يوليو من العام 2015 ، ومروراً بالتورط في محاولة الاعتداء بقنبلة على مؤتمر المعارضة الإيرانية الذي انعقد في باريس الأسبوع الماضي، ونهاية بتهديدها إغلاق مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية إن منعت الولايات المتحدة الأمريكية الصادرات الإيرانية من النفط.

إيران تحاول من خلال هذه النوعية من الممارسات، إثبات أنها قادرة على مواجهة الضغوط الأمريكية، وأنها ما تزال تمتلك من أوراق الضغط والمساومة التي يمكن أن توظفها في إبقاء الاتفاق النووي والحفاظ من ثم على مكاسبها السياسية والاقتصادية، لكن الواقع، وفي ضوء المعطيات الأخيرة، يؤكد أنها هي الخاسر الأكبر، جراء سياساتها غير المسؤولة، ولعل من المؤشرات على ذلك، انتقاد العديد من الدول الأوروبية لها خلال الأيام الماضية، على خلفية تورطها في محاولة استهداف اجتماع المعارضة الإيرانية في باريس، وقيام السلطات الألمانية باعتقال أحد دبلوماسييها العاملين في فيينا على صلة بهذه القضية، كما طالبت النمسا الرئيس حسن روحاني، بالتعاون مع الجهات المعنية لكشف ملابسات وأبعاد هذه الواقعة التي أعادت ملف الاغتيالات التي قام بها النظام الإيراني في أوروبا ضد معارضيه إلى دائرة البحث والنقاش من جانب العديد من الأجهزة الأمنية الأوروبية. في الوقت الذي تطالب فيه العديد من الدول الأوروبية إيران بضرورة التوقف عن ممارساتها التي تزعزع الأمن والاستقرار في المنطقة، وتدعو إلى فرض المزيد من الرقابة على برنامجها للصواريخ الباليستية، الذي تستخدمه في تهديد الأمن والاستقرار الإقليمي، حيث تقف وراء الصواريخ التي تطلقها ميليشيات الحوثي الإرهابية تجاه الأراضي السعودية. وعلى الصعيد الاقتصادي، فإن خسائر إيران تتضاعف كل يوم، وخاصة أن العقوبات الأمريكية الجديدة – وهي التي يفترض أن تدخل حيز التنفيذ في شهر أغسطس المقبل – ستمثل ضربة قوية لها، وخاصة أنها تتضمن فرض قيود على بيع العملة الأمريكية، وشراء الذهب والمعادن النفيسة الأخرى والاستثمار في السندات الإيرانية، وكذلك تفرض قيوداً على التعاملات الكبيرة بالعملة الإيرانية «الريال »، وقطاع السيارات وتجارة السجاد والمواد الغذائية الإيرانية، فضلاً عن سحب تراخيص التصدير من شركات الطيران المدني، بما فيها «بوينج » و «إيرباص »، وهي مجالات تطال كل قطاعات الاقتصاد الإيراني. ولعل ما يفاقم من خسائر الاقتصاد الإيراني أن الولايات المتحدة لن تستثني أياً من الشركات الدولية من هذه العقوبات، كما كانت تفعل من قبل في أثناء إدارة الرئيس السابق باراك أوباما، ولعل هذا يفسر تزايد انسحاب العديد من هذه الشركات في الأسابيع القليلة الماضية، وكان آخرها انسحاب مجموعة «سي إم آ سي جي إم » الفرنسية – وهي الثالثة في العالم للشحن البحري في حاويات – أول من أمس السبت من إيران، استجابة للعقوبات الأمريكية الجديدة، وذلك بعد أيام من انسحاب مجموعة «توتال » النفطية من مشروع ضخم لتطوير المرحلة الحادية عشرة من حقل فارس الجنوبي للغاز، لعدم حصولها على إعفاء من العقوبات الأمريكية.

إيران تتحمل ما تعانيه الآن من أزمات اقتصادية، تعتبر العامل الرئيسي وراء حركة الاحتجاجات التي يشهدها الشارع الذي أصبح غير راضٍ عن سياسات بلاده الخارجية التي تسببت في إهدار مليارات الدولارات، كان يمكن توجيهها للتنمية بدلاً من صراعات وحروب لا طائل من ورائها، كما أنها هي المسؤولة أيضاً عن حالة العزلة الإقليمية والدولية التي تواجهها الآن، وتتعمق يوماً بعد الآخر، لأنها –وللأسف- تتصور أن سياسات المراوغة والمناورة كفيلة بإخراجها من هذه العزلة، في وقت بدت فيه مكشوفة أمام دول المنطقة والعالم أكثر من أي وقت مضى.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات