إيران تحكم قبضتها على العراق

د. كينيث كاتزمان: إيران تحكم قبضتها على العراق

  • 13 نوفمبر 2008

مع زوال التهديد العسكري التقليدي ومخاطر أسلحة الدمار الشامل بعد إطاحة نظام صدام حسين، تسعى إيران إلى ضمان ألا يصبح العراق مصدر تهديد لها، سواء أكان ذلك في ظل وجود القوات الأمريكية في العراق أو في غيابها. ومن خلال دعم التشكيلات الشيعية المسلحة، فإن النفوذ الإيراني قد عرقل، من وقت لآخر، الجهود الأمريكية لإرساء الاستقرار في العراق، وأكد، بصفة عامة، التصور الأمريكي لإيران باعتبارها تهديدا لمصالح الولايات المتحدة. ومع ذلك، تواجه إيران خيارات صعبة في العراق؛ لأن التنظيمات الشيعية الموالية لها، والتي كانت متحدة فيما مضى، تتنافس وتتقاتل فيما بينها.

 خلال الفترة من عام 2003 إلى 2005، اعتقدت إيران أن مما يخدم مصالحها أن تؤيد انخراط التنظيمات الإسلامية الشيعية العراقية في العملية الانتخابية التي تديرها الولايات المتحدة؛ فعدد الشيعة في العراق يضمن في الواقع سيطرة الشيعة على أية حكومة منتخبة. وإلى هذا الحد، لم تتضارب أهداف إيران مع مصلحة الولايات المتحدة في إرساء الديمقراطية في العراق. وقد ساعدت إيران في تجميع الكتلة الإسلامية الشيعية، المعروفة بـ "الائتلاف العراقي الموحد"، الذي يضم المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق وحزب الدعوة الإسلامية وتنظيم مقتضى الصدر أو التيار الصدري. وفي انتخابات 15 ديسمبر 2005، فاز الائتلاف بـ 128 مقعدا من إجمالي مقاعد مجلس النواب (البرلمان) البالغة 275 مقعدا، وتم انتخاب زعيم حزب الدعوة، نوري المالكي، رئيسا للوزراء. فيما تولى عدد من وجوه المجلس الإسلامي الأعلى مناصب قيادية أخرى.

 كان للتيار الصدري روابط محدودة بإيران في بادئ الأمر؛ ذلك أن أسرة مقتضى الصدر أقامت في العراق خلال حكم صدام حسين. غير أن لعشيرة الصدر روابط إيديولوجية مع إيران؛ فأحد أبناء عمومة مقتضى، وهو محمد باقر الصدر، كان مؤسس حزب الدعوة، وحليفا سياسيا لآية الله الخميني. وتعتبر إيران أن هناك فائدة سياسية وقوة كامنة في تنظيم الصدر؛ فالأخير يستحوذ على 30 مقعدا في البرلمان، وله أتباع كثيرون متحمسون بين أبناء الطبقة الدنيا من الشيعة، ويضم جناحه العسكري، المعروف باسم جيش المهدي، وهي ميليشيا تشكلت عقب سقوط نظام صدام حسين، نحو 60.000 مقاتلا. ولأنها تعتبر جيش المهدي أداة ناجعة ضد الولايات المتحدة، بدأت إيران، في عام 2005، إمداده بالأسلحة من خلال قوات القدس التابعة للحرس الثوري، وهي الوحدة التي تدعم التنظيمات الموالية لإيران في الخارج.

 ومع ذلك، بدأت مساعي إيران في تعزيز التضامن الشيعي تحبط عام 2007؛ حين أدرك المالكي والمجلس الإسلامي الأعلى أنهم في حاجة إلى التعاون مع خطة الولايات المتحدة لزيادة عدد قواتها في العراق، من خلال السماح بالضغط العسكري الأمريكي على جيش المهدي. ونتيجة لذلك، قطع الصدر علاقاته مع المالكي، وسحب وزراءه الخمسة من الحكومة. ومع تزايد الشقاق بينهما، اندلعت المعارك بين مقاتلي جيش المهدي وقوات الأمن العراقية، التي يهيمن عليها المجلس الإسلامي الأعلى؛ من أجل السيطرة على المدن الشيعية في الجنوب. وقد تسبب هذا القتال في رد فعل عدائي من جانب المدنيين الشيعة العراقيين تجاه الصدر؛ الأمر الذي دفع الأخير إلى إعلان تعليق أنشطة جيش المهدي.

 وفي الواقع، أدى قيام إيران بتسليح جيش المهدي وتدريبه إلى زيادة التوتر بين الولايات المتحدة وإيران بشأن البرنامج النووي الإيراني، وتنامي نفوذ الأخيرة الإقليمي، كما يتضح في دعمها لحزب الله اللبناني. وبسبب دعمها للجماعات المسلحة في العراق، يخشى المسؤولون الأمريكيون أن تحوذ إيران مجموعة واسعة من الخيارات، تتضمن الضغط على القوات الأمريكية والبريطانية للانسحاب من العراق، واستنزاف الولايات المتحدة عسكريا، ووضع نفسها (أي إيران) في وضع يتيح لها أن تثأر من الولايات المتحدة في العراق في حالة اتخاذ إجراء عسكري ضد برنامجها النووي. فمنذ فبراير 2007، يؤكد المتحدثون الرسميون باسم القوات الأمريكية أن هناك أدلة محددة على أن إيران تمد رجال الميليشيات الشيعية (التابعين للصدر) بالقذائف المتفجرة المخترقة للدروع وغيرها من الأسلحة. فقد أدلى الجنرال ديفيد بتريوس، قائد القوات الأمريكية في العراق، بشهادة في أبريل 2008، مفادها أن إيران تواصل تسليح وتدريب وتوجيه "جماعات خاصة"، مكونة من عناصر راديكالية منشقة عن جيش المهدي، وتعمد إلى تنظيم هذه الجماعات "في شكل قوة على غرار حزب الله"؛ لكي تخدم المصالح الإيرانية، وتقاتل، بالوكالة عن إيران، ضد القوات العراقية وقوات التحالف …." وقد أدلى الجنرال بتريوس بهذه الشهادة وسط هجوم لقوات الأمن العراقية، في 26 مارس 2008، لطرد رجال ميليشيا جيش المهدي من مدينة البصرة، والقضاء على عملياتهم في الميناء (البصرة)، والذي استخدمه رجال الميلشيا من أجل تحقيق مكاسب مالية. وكان المالكي، الذي أطلق الهجوم، يرمي إلى تحقيق غرض آخر أيضا، وهو تقليص قوة الصدريين في انتخابات مجالس المحافظات (الانتخابات المحلية)، التي كان من المقرر إجراؤها في خريف 2008، ولكنها تأجلت إلى أوائل عام 2009.

 وردا على إجراءات المالكي، أخبر الصدر تابعيه، في 13 يونيو 2008، بأن معظم عناصر جيش المهدي سوف تنخرط في العمل السياسي والاجتماعي السلمي، وبأنه سيتم تشكيل قوة صغيرة من السرايا الخاصة بالجيش لقتال القوات الأمريكية بفعالية، وبأنه سيدعم المستقلين في انتخابات مجالس المحافظات المقبلة، ولكنه لن يتقدم بقائمة "صدرية" منفصلة. وبجميع المقاييس، يمكن القول إن وجود جيش المهدي في الشوارع قد تراجع، بعد أن كان ظاهرا وقويا من قبل. ويفيد القادة الأمريكيون بأن العديد من مقاتلي جيش المهدي اتجهوا مؤقتا إلى إيران لتلقي مزيد من التدريب والإمدادات. ومع ذلك، أخبر قائد القوات الأمريكية في بغداد، الميجور جنرال جيفري هاموند، الصحفيين، في 19 أكتوبر 2008، بأن بعض مقاتلي جيش المهدي عاد إلى بغداد مؤخرا؛ ربما من أجل التأثير في الانتخابات المحلية المقبلة.

 إدراكا منهم بتنامي النفوذ الإيراني في العراق، قرر المسؤولون الأمريكيون، في عام 2007، أن يحاولوا إقناع إيران بأن تكف عن تسليح الميليشيات الشيعية في العراق، مع وعود بمحادثات مباشرة مع الولايات المتحدة. وبالفعل، بدأت المحادثات غير المسبوقة، في 28 مايو 2007، في بغداد، والتي ترأسها كل من سفيري الولايات المتحدة وإيران في بغداد، رايان كروكر وحسن كاظمي قمي، على التوالي. وفي 24 يوليو 2007، عقدت دورة ثانية من المحادثات أسفرت عن تشكيل مجموعة عمل أدنى مستوى. ولكن الدورة الثالثة التي كان من المقرر إجراؤها في بغداد، في 18 ديسمبر 2007، تم تأجيلها من قبل إيران بسبب، على ما يبدو، الخلاف على موضوعات جدول الاجتماع. وفي 6 مايو 2008، أكدت إيران أنها لن تستمر في الحوار؛ وهو ما يعكس التقدير الإيراني بأنها غير مضطرة إلى تقديم أية تنازلات إلى الولايات المتحدة في العراق.

 علاوة على ذلك، استغلت إيران علاقاتها الوثيقة بالقادة العراقيين في تنمية نفوذها السياسي والاقتصادي في العراق. غير أن أكثر دواعي قلق الولايات المتحدة هو مساعي إيران إلى إفشال الاتفاقية الأمنية بين بغداد وواشنطن، التي تقنن الوجود العسكري الأمريكي وتنظم أوضاع القوات الأمريكية بعد 31 ديسمبر 2008، وهو تاريخ انتهاء تفويض الأمم المتحدة للقوات الأجنبية بالوجود في العراق. لقد عارضت إيران علنا الاتفاقية بكاملها؛ مدعية أنها تمثل إخلالا بسيادة العراق، وهو انتقاد يخفي على الأرجح مخاوف إيران من أن الاتفاقية تنطوي على مسعى الولايات المتحدة لإحكام قبضتها على العراق، وتطويق إيران عسكريا. وقد طالب القادة العراقيون، تحت تأثير الضغوط الإيرانية جزئيا، بمزيد من التنازلات الأمريكية، ومن ثم إجراء تعديلات على مسودة الاتفاق النهائي؛ اعتقادا منهم بأن هذه المسودة تنطوي على تنازلات عراقية مفرطة لصالح الولايات المتحدة.

 ومما يشير إلى الدرجة التي تعتبر الحكومة العراقية إيران ناصحا ومعينا لها هو قيام المالكي بزيارة إيران ثلاث مرات للتشاور حول قضايا رئيسية، أسفرت عن اتفاقيات تتعلق بتحركات السكان عبر الحدود، وتبادل المعلومات الاستخبارية، ومد خطوط أنابيب النفط بين البصرة ومدينة عبدان الإيرانية، وإزالة الألغام على طول الحدود المشتركة. وفي مارس 2008، قام أحمدي نجاد بزيارة إلى العراق، وهي الأولى من نوعها منذ الثورة الإسلامية عام 1979. وبالتزامن مع ذلك، أعلنت إيران تخصيص اعتمادات قدرها بليون دولار أمريكي للصادرات الإيرانية إلى العراق، بالإضافة إلى سابق اعتمادها بليون دولار في صورة قروض، في عام 2005، لإنشاء مطار جديد قرب النجف، افتتح في أغسطس 2008. ويعتبر العراق الآن ثاني أكبر سوق للصادرات الإيرانية غير النفطية.

 يعتقد بعض المراقبين أن نفوذ إيران سوف يخفت مع تأكيد العراق لطابعه القومي، ومع تحسن أوضاعه الأمنية، وعودة ظهور الخلافات العربية الفارسية على السطح. وربما تحقق النجف توقعات ما قبل الحرب بأنها ستتفوق مجددا على مدينة قم الإيرانية بصفتها مركزا للعالم الشيعي. ومع ذلك، فيبدو، حتى الآن، أن إيران في سبيلها إلى إحكام قبضتها على العراق، وأن النفوذ الأمريكي فيها ينحسر سريعا.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات