إلى متى سيستمر تدهور أسعار النفط؟

إلى متى سيستمر تدهور أسعار النفط؟

  • 23 ديسمبر 2015

من أجل تفهّم أسباب تدهور الأسعار، وإلى متى سيستمر انخفاضها، يجب التمعن في الأسباب التي أدت إلى ذلك. لقد استقرت أسعار النفط على نحو 100 دولار للبرميل خلال الفترة من عام 2012 إلى منتصف عام 2014. ومن اللافت للنظر، أن الدول المصدرة كانت مرتاحة لهذا المعدل السعري العالي، وهذا أمر مفهوم . في الوقت نفسه، أكدت الدول الصناعية المستوردة للنفط ارتياحها لهذا السعر العالي أيضاً، فلماذا موقفها الغريب هذا؟

تبين لاحقاً سبب ارتياح الدول الصناعية، فقد كانت هذه الدول: الولايات المتحدة وكندا خاصة، بصدد إنشاء صناعة نفطية جديدة، متمثلة في النفط غير التقليدي من نفوط صخرية ومحصورة ومن أعماق البحار والمحيطات والرمل القاري، مرادفة ومنافسة للنفط التقليدي. ولم تعر أقطار "أوبك" اهتماماً كافياً لهذه النفوط غير التقليدية. وساد الانطباع في بادئ الأمر أن هذه النفوط لن تشكل منافساً قوياً للنفوط  التقليدية، وسيكون مصيرها مصير الطاقات البديلة المستدامة نفسه، التي أخفقت حتى الآن في حيازة أكثر من 5-6% من سوق الطاقة العالمية. لكن، تبين خلال منتصف عام 2014، أن معدل إنتاج النفط الصخري في ازدياد مستمر في الولايات المتحدة، أكبر سوق مستورد ومستهلك للطاقة عالمياً، ما جعلها مكتفية ذاتياً وتفكر بالتصدير. وبالفعل، استطاعت الولايات المتحدة إنتاج نحو 4.2 مليون برميل يومياً من النفط الصخري خلال سنتين أو ثلاث. وأثار الإنتاج العالي والسريع اهتمامات أقطار المنظمة. إذ إن هذا المعدل الإنتاجي العالي يزيد على إنتاج العراق، ثاني أكبر دولة منتجة في "أوبك". وقد تحقق بسرعة فائقة. والأهم من ذلك كله، أن الأسعار العالية ساعدت على زيادة الاستثمارات في تطوير حقول النفوط غير التقليدية. وقد تخوفت أقطار "أوبك" من خسارة حصتها في الأسواق العالمية، إذ كانت تنتج ثلثي الإنتاج العالمي، بينما انخفضت حصتها إلى الثلث تقريباً.

وضعت التطورات هذه أقطار المنظمة (خاصة الدول المنتجة الكبرى في الخليج العربي: المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة ودولة الكويت) أمام خيارات حاسمة، منها الاستمرار في نهج السياسة التقليدية لتحمِّل هذه الدول مسؤولية المنتج المرجح لأجل استقرار الأسواق، أو الطلب من الدول المنتجة الكبرى غير الأعضاء في "أوبك" التعاون في تحمّل مسؤولية استقرار الأسعار، ما يعني تخفيض الإنتاج مع أقطار المنظمة. وكان هذا الطلب موجهاً إلى الدولتين الرئيسيتين غير الأعضاء في المنظمة: الولايات المتحدة وروسيا، اللتين زاد معدل إنتاج كل منهما على 10 ملايين برميل يومياً؛ أي معدل إنتاج السعودية نفسه تقريباً.

واجهت "أوبك" معضلة في التعامل مع هذه الحالة المفصلية والجديدة في صناعة النفط العالمية، حيث يوجد اختلاف جذري في السياسات والقوانين النفطية لكل من الدولتين. تعتمد الصناعة النفطية الأمريكية على حرية المؤسسات الاقتصادية في بلادها، حيث يمكن لشركات صغيرة الدخول في الأبحاث برأس مال قليل، وفي حال نجاح تجاربها وإثبات اقتصاديات مشروعاتها، تستطيع هذه الشركات المغمورة توسيع أعمالها من خلال الاقتراض من الأسواق المالية. وهذا ما حصل فعلاً مع صناعة النفط الصخري الأمريكية. فقد استطاعت الشركات المغمورة ذات الموارد الصغيرة اللجوء إلى الأسواق للاقتراض. وساعد على تشجيع هذه الصناعة الفتية، التأييد الواسع في الأوساط الرسمية والشعبية الأمريكية لإمكانية اكتفاء الولايات المتحدة طاقوياً من دون الحاجة إلى استيراد البترول ، خاصة النفوط العربية. ويختلف الوضع في روسيا؛ فقد أنشأت الشركات الروسية مشروعات مشتركة مع كبرى الشركات العالمية لاكتشاف حقول جديدة في سيبيريا وتطويرها، الأمر الذي وفّر رأس المال والتقنية للشركات الروسية. كما توغلت هذه الشركات في أسواق آسيوية جديدة، بالذات في الصين، من خلال اتفاقات طويلة المدى وبأسعار مخفضة.  وأخيراً، وليس آخراً، استفادت الشركات الروسية من فرق العملة وارتفاع قيمة الدولار. فاستثماراتها المحلية تتم بالروبل المنخفض القيمة مقابل الدولار الأمريكي الذي كانت تتقاضاه  مقابل صادراتها البترولية.

رفضت الحكومة الروسية التفاوض مع "أوبك" حول تنسيق تخفيض الإنتاج مع المنظمة. بينما تمتنع الولايات المتحدة مبدئياً عن تنسيق السياسات السعرية والإنتاجية مع "أوبك" لأن القوانين الأمريكية تعتبر "أوبك" منظمة احتكارية لا يجوز التعامل معها في القضايا التجارية.

في هذا الوقت نفسه، أخذت المنظمة تعاني تحدياً جديداً، متمثلاً في زيادة الطاقة الإنتاجية للعراق التي بلغت نحو 4 ملايين برميل يومياً، وإمكانية زيادة صادرات إيران خلال النصف الأول من عام 2016؛ بسبب الاتفاق النووي، بالإضافة إلى المنافسة التاريخية ما بين الدولتين حول حصة  كل منهما.

والسؤال المطروح الآن: ما السبل التي يمكن من خلالها وقف تدهور الأسعار؟ يجب على المنظمة أن تتوصل إلى حلول جماعية ما بين الأقطار الأعضاء. ومن ثم تبنّي سياسة جديدة في التعامل مع الدولتين الكبريين. والورقة المهمة لدى المنظمة هي كلفة الإنتاج العالية للنفوط غير التقليدية التي يبلغ معدلها نحو 30 دولاراً للبرميل. فكلما استمر تدهور الأسعار انخفضت الاستثمارات في حقول النفوط غير التقليدية. وهذا لا يعني توقف الإنتاج في هذه الحقول، بل تقلص الإنتاج وانخفاض الأرباح. ولكن، هناك معضلة في هذه المواجهة الجديدة بين "أوبك" ومنافسيها. وهي مشكلة جديدة قديمة. فالوقت مهم هنا. إذ أثبتت التجارب أنه مع الوقت تنجح التقنية الجديدة في تشجيع صناعة النفوط غير التقليدية من خلال زيادة الطاقة الإنتاجية بكلف أقل. كما أثبتت التجارب أن تباين مواقف أقطار المنظمة؛ نتيجة الاستقرار الاقتصادي والسياسي في بعض الأقطار وتدهورهما  لسوء إدارة البلاد في أقطار أخرى، تضعضع الموقف التفاوضي الموحد للمنظمة.

وهناك معضلة أخرى تواجه الأسواق النفطية خلال هذه الفترة. فقد أدت زيادة الإنتاج، مع وهن الطلب بسبب ضعف النمو الاقتصادي العالمي، إلى ارتفاع المخزون التجاري النفطي إلى مستويات قياسية، بحيث تم استنفاد الخزانات البرية واللجوء إلى تخزين النفط في الناقلات. هذا بدوره سيتطلب إما تخفيضاً كبيراً في الإنتاج من قبل "أوبك" والدول المنتجة الكبرى غير الأعضاء في المنظمة؛ من أجل تخفيض المخزون التجاري إلى مستوى معتدل، وإما انتظار تحسن الاقتصاد العالمي ومن ثم زيادة الطلب على النفط. لا يُتوقع تحسن قريب  في الأسعار في ظل المعطيات أعلاه، فهناك تحديات عدة تجب معالجتها في الوقت نفسه، ولا تتوافر المعطيات اللازمة لحل هذه المشكلات جميعها حالياً؛ لذا لا تتوافر المؤشرات اللازمة لتغير مسيرة تدهور الأسعار قريباً.

خلاصة الأمر. تواجه الصناعة النفطية حالياً تحديين مهمين: أولهما استراتيجي، حول مسؤوليات الأقطار الأعضاء وغير الأعضاء في "أوبك" لاستقرار الأسواق. والآخر مرحلي، حول فائض الإمدادات والمخزون التجاري وتقلص الطلب. وسيتطلب حل هذه التحديات وقتاً طويلاً.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات