إلزامية التعليم: خطوة مهمة لتحقيق هدف التعليم للجميع

  • 26 يوليو 2012

تولي دولة الإمارات العربية المتحدة، التعليم في ظل قيادة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، اهتماماً كبيراً، وتسعى لتوفير كل الوسائل والخدمات وأوجه الدعم اللازمة لتحديثه وتطويره؛ إدراكاً منها لدوره المحوري في الارتقاء بالعنصر البشري، وتنمية مهاراته وقدراته على الابتكار والإبداع؛ ومن ثم دفع مسيرة التنمية والتقدم في المجتمع بشكل عام.

وفي هذا السياق، جاء الاجتماع المهم الذي عقده مجلس الوزراء، يوم 22 يوليو الجاري في ركن زايد بمكتبة جامعة الإمارات في مدينة العين، والذي تم خلاله اعتماد إصدار قانون اتحادي جديد بشان إلزامية التعليم؛ ليحل محل القانون الحالي ويعدل فيه، سواء من حيث المراحل التعليمية التي ستشملها إلزامية التعليم، أو من حيث سن الإلزام وآليات التنفيذ. ويكتسب هذا القانون الجديد المقترح، أهمية خاصة بالنظر إلى اعتبارات عدة؛ أولها: إعادة تأكيد التزام الدولة بتوفير التعليم الجيد والنوعي لجميع مواطنيها؛ بوصفه حقاً أساسياً من حقوق الإنسان؛ حيث ينص القانون المقترح، على أن التعليم حق لكل مواطن بالدولة توفره الدولة مجاناً في المدارس والمعاهد الحكومية، بل إن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، ذهب في تصريحاته عقب الاجتماع إلى أبعد من ذلك، عندما أكد أن التعليم حق لكل طفل على أرض الإمارات؛ (بمعنى أنه لا يُقصَر على المواطنين فحسب)، وأن نشر التعليم وتطويره هو أولوية تنموية، ومبدأ إنساني عام، وحق أساسي من حقوق البشر لا يمكن التساهل فيه؛ وذلك في تجسيد واضح لرؤية الإمارات الحضارية التي تجعل من تنمية الإنسان والارتقاء به أولوية أولى؛ بوصفه أداة التنمية وهدفها.

والاعتبار الثاني، يتعلق بتوسيع المدى الزمني لإلزامية التعليم؛ حيث ينص القانون المقترح، على أن يكون التعليم إلزامياً لكل من أكمل ست سنوات، ويظل الإلزام قائماً حتى نهاية التعليم، أو بلوغ سن الثامنة عشرة أيهما أسبق. وبذلك فإن إلزامية التعليم لن تُقصَر على المرحلة الابتدائية فحسب، وإنما ستتسع لتشمل جميع المراحل التعليمية أو حتى بلوغ الطفل ثمانية عشر عاماً. ولا شك في أن هذا التعديل من شأنه أن يعالج مشكلة مهمة يعاني منها النظام التعليمي في دولة الإمارات، وهي تلك المتعلقة بالتسرب من التعليم، ولاسيما في المراحل التعليمية العليا. وتكشف الإحصائيات التي أوردها الدكتور عبداللطيف الشامسي في دراسته التي أصـدرها مـركز الإمـارات للدراسات والبـحوث الاستراتيجية عـام 2011، بعـنوان: "صـناعة التـعـليـم: نحو بناء مجتمع الاقتصاد المعرفي الإماراتي"، جانباً من خطورة هذه المشكلة؛ ففي العام الدراسي 2009-2010، كـان عـدد الطـلبة المـواطـنين فـي الصـف السـادس في المـدارس الحكومية والخاصـة، يقدر بـ 22368 طالباً وطالبة، ثم انخفض هذا العدد في الصف الثاني عشر؛ ليصل إلى 16444 طالباً وطالبة فقط؛ أي إن نسبة التسرب من النظام التعليمي، بلغت ما يقرب من 26.5% وهي نسبة مرتفعة؛ ومن ثم فإن توسيع إلزامية التعليم ليشمل جميع المراحل، سيسهم من دون شك، في إيجاد حل جذري لهذه المشكلة، التي ترتب على المجتمع آثاراً اجتماعية واقتصادية سلبية، تتعلق – أساساً – بتراجع فرص هؤلاء المتسربين في الانضمام إلى سوق العمل التي تتطلب مهارات معينة؛ ما يؤدي إلى زيادة معدلات البطالة وخسارة المجتمع كفاءاتٍ ومهارات يحتاج إليها في مسيرته التنموية.

وأما الاعتبار الثالث المهم، فيتعلق بوضع ضوابط وجزاءات، تجبر أولياء الأمور والقائمين على رعاية الطفل، على متابعة انتظامه واستمراره في التعليم؛ حيث نص القانون على أن تقوم الجهة التعليمية بإنذار القائم على رعاية الطفل، في حال عدم التزامه باستمرار الطفل في العملية التعليمية، مع فرض غرامة تقدر بعشرة آلاف درهم عليه، على أن تحال أوراقه إلى القضاء، في حال استمراره في عدم الالتزام؛ ومن شأن هذه الضوابط: أن تضمن تنفيذ هذا القانون، وتقدم حلولاً فاعلة لظاهرة التسرب من التعليم؛ ومن ثم الإسهام في تحقيق هدف التعليم الشامل.

ويمثل اعتماد إصدار هذا القانون الجديد، مؤشراً آخر إضافياً على الاهتمام الذي توليه قيادتنا الرشيدة لنشر التعليم وتطويره؛ بوصفه عنصراً رئيسياً لتحقيق التنمية المستدامة. وقد تعددت مؤشرات هذا الاهتمام في السنوات الأخيرة، سواء من ناحية تطوير البنية التحتية والمؤسسية اللازمة لنجاح العملية التعليمية من مبانٍ ومرافق مدرسیة، وتزویدھا بالتجهيزات والوسائل التعلیمیة والتقنية الحديثة، أو من ناحية التطوير المستمر للنظام التعليمي؛ بغرض إحداث نقلة نوعية فيه؛ ليواكب متطلبات العصر، ويحافظ – في الوقت نفسه – على الثقافة والهوية الوطنية؛ حيث قامت الدولة من خلال الجهات المعنية، بتبني كثير من الخطط الاستراتيجية والتطويرية؛ تمخضت عن تبني عدد من المبادرات المهمة؛ مثل: المدارس النموذجية، ومدارس الغد، ومدارس الشراكة، والتركيز على تنمية الكوادر الإدارية والتعليمية مهنياً وعلمياً؛ بهدف إعداد جيل جديد واعٍ وقادر على التفاعل الإيجابي ومتغيرات العصر ومستجداته.

وكان من ثمرة هذا الاهتمام المتزايد، أن حدث تطور مهم في مجال التعليم، سواء من ناحية تطور عدد المدارس والطلاب، أو من ناحية نوعية مخرجات العملية التعليمية؛ فقد ازداد عدد المدارس الحكومية في العام الدراسي 2008/2009، بواقع خمسة أضعاف ما كان عليه عام 1992/1993، كما زاد عدد الطلبة بأكثر من سبعة أضعاف، وزادت أعداد المعلمين بأكثر من 11 ضعفاً خلال الفترة نفسها، على حين زاد عدد المدارس الخاصة بنحو 25 ضعفاً؛ وفقاً للإحصاءات الواردة في دراسة: "تحليل وضع الأطفال في دولة الإمارات العربية المتحدة 2010"، التي أصدرها – مؤخراً – المجلس الأعلى للأمومة والطفولة. وطبقاً لهذه الإحصائيات، فقد بلغ عدد المدارس الحكومية عام 2009/2010 (721)، مدرسة، على حين بلغ عدد مدارس القطاع الخاص 462 مدرسة للعام الدراسي 2008/2009، وبلغ إجمالي عدد الطلاب في العام نفسه 743408 طلاب وطالبات، بنسبة 35% للتعليم الحكومي و65% للتعليم الخاص، بينما بلغ المعدل العام للالتحاق بالمدارس في التعليم الأساسي 98.05% عام 2007/2008.

كما أقرت الدولة عدداً من المبادرات التي تهدف إلى تحسين نوعية التعليم؛ مثل: المحافظة على نسبة الطلبة إلى المعلمين، وهي التي وصلت إلى 11 طالباً لكل معلم في الحلقتين الأولى والثانية، ونسبة 10 إلى واحد في المرحلة الثانوية في المدارس الحكومية، وزيادة عدد الأيام الدراسية في العام؛ لتصل إلى 180 يوماً، وزيادة الاهتمام بـ "التعليم الفني والتكنولوجي"، وفتح فروع ومقار لكثير من الجامعات العالمية المرموقة داخل الدولة، فضلاً عن التطوير المستمر للمناهج لتواكب متطلبات العصر وسوق العمل.

إن اهتمام دولة الإمارات العربية المتحدة، بنشر التعليم وتطويره، وحرصها على توفيره لكل طفل يعيش على هذه الأرض الطيبة، لا ينفصل عن رؤيتها التنموية الشاملة التي تنطلق من إيمانها المطلق بأن الإنسان هو الثروة الحقيقية للوطن، وعنصر التنمية الأساسي والمحوري، وأن رفع مستواه، والارتقاء بمختلف جوانب حياته، وتنمية مهاراته الفكرية والإبداعية، هي الضمانات الرئيسية لتحقيق التنمية المستدامة والشاملة التي تنشدها، وهذه الرؤية الحكيمة، هي التي وضعت الإمارات في أعلى سلم التنمية البشرية، لا على مستوى المنطقة فحسب، بل على مستوى العالم كله.

Share