إعادة هيكلة نظام "بريتون وودز" على قمة الأجندة العالمية

د. أيمن الدسوقي: إعادة هيكلة نظام "بريتون وودز" على قمة الأجندة العالمية

  • 10 نوفمبر 2008

اختتمت قمة الأجندة العالمية فعالياتها في 9 نوفمبر الجاري، وهي القمة التي ينظمها المنتدى الاقتصادي العالمي بالتعاون مع حكومة دبي. وفي الحقيقة، فإن انعقاد القمة في دبي، ثم اختيارها مقرا دائما لقمم مجالس الأجندة العالمية يكشف الدور الفعال الذي تلعبه دولة الإمارات في السياسة الدولية والتقدير العالمي لهذا الدور، كما يؤكد مكانة دبي كمدينة عالمية حققت انجازات اقتصادية مشهودة.

 تنبع أهمية القمة من توقيتها، ونوعية المشاركين فيها، والقضايا التي ناقشتها. فقد عقدت القمة في توقيت ملائم تماما في ظل أزمة مالية تعصف بالاقتصاد العالمي، والتي يعتبرها البعض الأسوأ في التاريخ، ووسط نذر حدوث ركود اقتصادي عالمي، تتطلب تضافر الجهود الدولية، خاصة جهود المفكرين والمبدعين، وتطوير حلول مشتركة لها. كما جاءت القمة بعد ثلاثة أيام من انتخاب بارك أوباما رئيسا للولايات المتحدة، واحتلال الأزمة المالية قمة أولويات إدارته الديمقراطية المقبلة. علاوة على ذلك، أتت القمة وسط زخم دولي في شكل قمم واجتماعات ومؤتمرات لتدارس تداعيات الأزمة وسبل مواجهتها. فقد التأم قادة الاتحاد الأوروبي في قمة طارئة، في بروكسل، في 7 نوفمبر، من أجل بلورة موقف أوروبي موحد قبل قمة مجموعة الـ20، التي تستضيفها واشنطن، في 15 نوفمبر، لبحث إصلاح المؤسسات المالية الدولية. فضلا على ذلك، تزامنت فعاليات قمة دبي مع اجتماع وزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية في مجموعة الـ 20، في مدينة ساو باولو البرازيلية، في 8 نوفمبر؛ للتحضير لقمة المجموعة في واشنطن. وسبق هذا الاجتماع بيوم واحد لقاء وزراء المالية في أكبر الاقتصادات الصاعدة في العالم، وهي الصين وروسيا والهند والبرازيل؛ لبحث توسيع دورهم في النظام المالي العالمي. ومن المتوقع أن تكون قمة واشنطن بداية لسلسلة من الاجتماعات والمؤتمرات الدولية الهادفة إلى تشكيل نظام مالي واقتصادي جديد، أو صياغة "اتفاقية بريتون وودز" جديدة، على حد تعبير الرئيس الفرنسي، نيكولا ساركوزي. الأهم من ذلك أن قمة دبي تعد بمثابة تحضير لأجندة الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي، والذي سيقام في دافوس، في يناير من العام القادم، تحت عنوان "تشكيل عالم ما بعد الأزمة". وسوف تعرض نتائج القمة على فعاليات المنتدى لدراستها. كما سيتم رفعها إلى قمة مجموعة الـ 20 سالفة الذكر.

 ومن حيث نوعية المشاركين في القمة، فقد شارك فيها نحو 700 من أفضل العقول المتخصصة والمبدعة، يمثلون عقل العالم، كما وصفتهم بعض الصحف، بينهم 50 مشاركا من الشرق الأوسط، ينتمون إلى الوسط الأكاديمي وقطاع الأعمال والحكومة والمجتمع المدني؛ بهدف تبادل الأفكار والتعاون من أجل معالجة أهم القضايا والتحديات وأكثرها إلحاحا على الأجندة العالمية. وقد جاء المشاركون في هذه القمة من 60 بلداً حول العالم، تغطي جميع القارات.

 ناقشت قمة مجالس الأجندة العالميةـ وهي المجالس التي أنشأها المنتدى الاقتصادي العالمي بهدف تطوير المعرفة والعمل معا لمعالجة القضايا الأكثر أهمية في العالم ـ خلال أيام انعقادها الثلاثة، ما يقارب من 68  قضية، تم دمجها في ثمان فئات أساسية، شملت التنمية والنمو الاقتصاديين، البيئة والتنمية المستدامة، التمويل والأعمال، الصحة، وقضايا الأقاليم، القيم المجتمعية، والتكنولوجيا والابتكار. وهكذا، تدارست القمة التحديات والمشكلات العالمية الحالة، ابتداء من أزمة القطاع المالي والتغير المناخي والتغيرات الديموغرافية والهندسة البيولوجية وتدفقات رأس المال العالمية وتسهيل التجارة الدولية والجريمة الالكترونية، مرورا بأوضاع الدول الفاشلة وتسوية النزاعات والنظام القانوني في العالم، وانتهاء بمحاربة الفقر والأمراض المزمنة والتنمية المستدامة.

 وعلى الرغم من تعدد وتنوع القضايا والمشكلات التي ناقشتها القمة، فقد هيمنت الأزمة المالية العالمية على فعالياتها ومناقشاتها، ابتداء بالكلمة الافتتاحية للشيخ محمد بن راشد، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، وكلمة كلاوس شواب، المؤسس والرئيس التنفيذي للمنتدى الاقتصادي العالمي، وحتى الجلسة العامة والختامية للقمة، مرورا بمناقشات المجالس المتنوعة. في هذا الخصوص، ناقش المؤتمرون أسباب الأزمة، وتداعياتها على الاقتصاد العالمي ككل وعلى كل مجال اقتصادي على حدة، ووضعوا مبادئ وأطر عمل لمواجهتها. وقد انتظمت التقارير النهائية للمجالس الثمانية الرئيسية حول سؤالين، هما: كيف أثرت الأزمة على القضية موضوع اهتمام كل مجلس؟ وما الذي يجب عمله بناء على ذلك؟

 من حيث عوامل الأزمة، ثمة اتفاق على أنه لا يمكن تحميل طرف دون غيره مسؤولية هذه الأزمة، حيث أنها نتيجة اختلالات طويلة الأمد. وقد تمت الإشارة إلى مسببات عدة للأزمة، أهمها عدم وجود تنظيم عالمي للتمويل، كما هو الحال في مجال التجارة الدولية، حيث تقوم منظمة التجارة العالمية بتنظيم شئوونها، وانعدام الحوكمة السياسية وعدم التكافؤ في الأسواق، وتراخي مؤسسات الرقابة المالية، والسعي الأعمى وراء الأرباح. كما تمت مناقشة التداعيات المختلفة للأزمة من ركود عالمي محتمل، واحتمال انتقال الأزمة إلى القطاعات الاقتصادية الأخرى لتصبح أزمة اقتصادية شاملة. علاوة على ذلك، أشار المشاركون أن الأزمة الحالية قوضت الميزة التي تمتعت بها الأسواق المفتوحة، وأثرت عموما في النظام الرأسمالي ككل، لكنها لا تعني فشله، ولن تؤدي إلى انهياره. وقد اتفق المشاركون على وصم الهيكل المالي العالمي الحالي بالقصور، وبأنه أصبح متهالكا.

 وتتمثل الرسالة المركزية لقمة الأجندة العالمية في أن العالم بات مطالبا بإعادة النظر في الأسس التي تحكم النظم الاقتصادية والأسواق والمجتمعات، وإيجاد إطار جديد ملائم، يستند إلى إعادة الثقة في الاقتصاد العالمي، والاستدامة، والمسؤولية، والشفافية، والمبادئ والقيم الأخلاقية. بعبارة أخرى، أكد المشاركون على ضرورة إعادة هيكلة نظام "بريتون وودز"، خاصة مؤسساته المالية؛ فقد أقيم هذا النظام على مبادئ وهياكل وظروف تعود للأربعينيات، ومن ثم لا يأخذ في اعتباره التغيرات الاقتصادية الراديكالية التي شهدها العالم في عصر العولمة. وتتفق هذه الرسالة مع ما انتهت إليه فعاليات دولية عديدة، تزامنت مع القمة. فقد خلص  اجتماع وزراء مالية أكبر الاقتصادات الصاعدة سالف الذكر إلى أن الأزمة الراهنة أكدت فشل النظام المالي العالمي الراهن، والحاجة إلى نظام بديل، وأنها تمثل فرصة لتغيير النظام القائم. كما اتفق قادة دول الاتحاد الأوروبي خلال قمتهم المذكورة عاليه على مبادئ وتوصيات محددة بشأن إصلاح النظام المالي العالمي.  ولكن تدشين نظام مالي أو اقتصادي جديد يحتاج إلى تشريعات دولية قد تؤثر على سيادة الدول.

 وتتضمن أطر العمل التي وضعتها الأجندة لمواجهة الأزمة المالية العالمية تكثيف التنسيق العالمي، ضرورة التدخل الحكومي، تعزيز الدعم للمنظمات غير الحكومية، أهمية وجود أنظمة تضمن تدفق المعلومات، تعزيز معايير الشفافية والحوكمة، بناء شراكات بين المجتمع والمؤسسات التجارية، والحفاظ على القيم الاجتماعية. فقد أكد المؤتمرون على أهمية الحاجة إلى تكثيف التنسيق بين الحكومات في وضع السياسات والأنظمة للتعامل مع الأزمة، وضرورة إدارة الأزمات التي يواجهها العالم بطريقة أفضل لإعادة بناء الثقة في النظام المالي؛ وذلك لحل المشاكل طويلة الأمد على مستوى البيئة والأمن والغذاء والطاقة وغيرها من المجالات الأخرى. وكان الشيخ محمد بن راشد قد دعا في كلمته الافتتاحية إلى أهمية أن تتعاون دول العالم من أجل التعامل مع الأزمة. علاوة على ذلك، ثمة إجماع على أهمية تدخل الحكومات بشكل أكبر بهدف ضبط عمل الأسواق المالية العالمية. فتدخل الحكومة في الاقتصاد ضروري لحل مشاكل هذه الأسواق، وأن هذا التدخل ليس فقط مبررا، بل أساسي أيضا؛ لمنع مزيد من التدهور المالي والتقليل من أثر الكساد العالمي الذي يلوح في الأفق. وكان الشيخ بن راشد قد سخر في كلمته من الذين لا زالوا يدعون إلى أن ترفع الحكومة يدها عن الاقتصاد، وطالبهم بالتوقف عن التنظير. وفي الحقيقة، فقد أصبح يروج الآن لنظرية جديدة مفادها أن التدخل الحكومي هو طريق ثالث أو ربما وسط بين الاقتصاد الموجه والاقتصاد الحر، لا تغيب فيه الدولة أو تضع عصاها علي كتفها وترحل عن الأسواق، ولا تجثم فيه علي النشاط الاقتصادي. ولكن القمة حذرت من التدخل المفرط من جانب الحكومات في الاقتصاد، والذي قد يقود إلى سياسات حمائية؛ اقتناعا منها بأن حرية التجارة هي السبيل الأجدى. في هذا الخصوص، أوصت القمة بضرورة وجود آليات وقواعد محددة للتدخل الحكومي. وطالبت القمة أيضا بتعزيز الدعم للمنظمات غير الحكومية، ودعم دورها في التنمية، وأكدت على أهمية وجود أنظمة تضمن تدفق المعلومات، وتعزيز معايير الشفافية والحوكمة، وأهمية الاستثمار في الموارد البشرية.

 ورغم إقرار معظم المشاركين في قمة الأجندة العالمية أن النظام الرأسمالي لم يفشل، وأنه يمكن إصلاحه، فقد طالبوا بشكل جديد من الرأسمالية أكثر إنسانية، على حد تعبير كلاوس شواب. فالرأسمالية المنشودة هي تلك التي تهدف إلى تحقيق المصالح العامة للجميع من خلال بناء شراكات بين المجتمع والمؤسسات الاقتصادية، والتي تحافظ على القيم الاجتماعية والأخلاقية، وأهمها تعزيز الترابط الاجتماعي، احترام المساواة بين البشر، والعدالة الاجتماعية، وإدخالها ضمن نسيج نموذج السوق الرأسمالي.

Share