إعادة تنظيم قواعد استخدام وسائل التواصل الاجتماعي باتت ضرورة ملحة

  • 1 أبريل 2019

أحدثت وسائل التواصل الاجتماعي، ثورة حقيقية في التواصل بين البشر، تجاوزت الحدود السياسية القائمة بين الدول والشعوب، مستندة في ذلك إلى معطيات الثورة الصناعية الرابعة التي نجم عنها قفزات تقنية متساعة ومتتالية، غير أن هذا التطور لم يخلُ من تداعيات سلبية باتت تحتم إعادة النظر في استخدام هذه الوسائل بما يضمن أن يكون هذا الاستخدام على النحو الأمثل.
وقد برزت خلال الآونة الأخيرة العديد من الدعوات والمبادرات الخاصة بكيفية ضبط استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، وذلك للحد من التأثيرات السلبية، التي رافقت شيوع استخدام هذه الوسائل بتعدد أشكالها وتطور تقنياتها،، أو القضاء عليها، ولعل أحدث الأمثلة على سوء استخدام هذه الوسائل، كان جريمة الاعتداء على المسجدين في نيوزيلندا التي قام خلالها مرتكب الاعتداء ببث مباشر لجريمته على موقع «فيسبوك».
وفي هذا الإطار، دعا مؤسّس موقع فيسبوك ورئيسه التنفيذي مارك زوكيربرج، في مقال نشره بصحيفة «واشنطن بوست»، الحكومات إلى القيام بـ «دور أكثر فاعلية» في تنظيم الإنترنت، الأمر الذي يعكس تحولاً كبيراً لدى القائمين على الوسيلة الأشهر في عالم التواصل الاجتماعي، إذ لطالما قاوم «فيسبوك» مع غيره من عمالقة الإنترنت التدخل الحكومي، وأكد زوكربيرج أنه «من خلال تحديث قواعد الإنترنت، يمكننا الحفاظ على أفضل ما فيها، من حيث حرية الناس للتعبير عن أنفسهم وحرية رجال الأعمال لابتكار أشياء جديدة، بينما نحمي المجتمع من أضرار واسعة النطاق»، ورأى أن هناك حاجة إلى تنظيمات جديدة في أربعة مجالات: المحتوى الضارّ وحماية الانتخابات والخصوصية ونقل البيانات. وفي السياق نفسه، تعهدت شركة «فيسبوك» بدراسة فرض قيود على خدمة البث المباشر للفيديوهات «فيسبوك لايف»، وقالت شيريل ساندبيرج، مديرة التشغيل في فيسبوك، إن الشركة وافقت على النداءات التي طالبتها بـ «ضرورة فعل المزيد»، وأضافت: «أولاً ندرس القيود على البث، على أساس عوامل، مثل الانتهاكات السابقة لمعايير المجتمع»، وتابعت أن فيسبوك سيحظر مواد «الإشادة والتأييد، وتمثيل الأفكار القومية البيضاء والانفصالية»، على منصات «فيسبوك» و«إنستجرام». إلى جانب ذلك، تحركت بعض الدول والحكومات والمنظمات الدولية في الاتجاه نفسه، فقد صادق المشرعون في الاتحاد الأوروبي، يوم الثلاثاء الموافق 26 مارس 2019، على قانون ينظم حقوق النشر على الإنترنت، ويتضمن القانون إجبار موقع «يوتيوب» ومنصات إلكترونية أخرى على إزالة المحتويات غير القانونية بوسائل تلقائية، كما يتضمن إجبار شركات الإنترنت على دفع مزيد من الأموال لوسائل الإعلام لقاء إعادة الإنتاج أو الوصول إلى محتواها الإخباري. وفي نيوزيلندا، التي شهدت الحادث الإرهابي الذي سلط الضوء مجدداً على التأثيرات لوسائل التواصل الاجتماعي، ذكرت تقارير إعلامية أنها ستراجع القوانين التي ترى أنها «غير كافية»، حول خطاب الكراهية، وقال وزير العدل النيوزيلندي، أندرو ليتل، إن القوانين الحالية لم تعالج «الأشياء الشريرة والبغيضة، التي تُشاهد عبر الإنترنت»، وإن الحكومة ولجنة حقوق الإنسان ستعملان على تقديم مقترحات بهذا الشأن، بحلول نهاية العام.
وفي أستراليا التي يحمل جنسيتها الإرهابي مرتكب «مجزرة المسجدين»، تعتزم الحكومة تقديم قانون جديد إلى البرلمان يقضي بإمكانية سجن المسؤولين التنفيذيين بمواقع التواصل الاجتماعي، لما يصل إلى ثلاث سنوات وتغريم شركاتهم عشرة في المئة من عائداتها إذا أخفقت في إزالة المحتوى العنيف من منصاتها سريعاً، وإذا تم سن هذه القانون فسيصبح عدم قيام شركات مثل «فيسبوك» و«جوجل»، و«يوتيوب»، بشكل عاجل بإزالة «المحتوى الكريه العنيف»، جريمة تعاقب عليها، وقال رئيس وزراء أستراليا، سكوت موريسون، في بيان «شركات التواصل الاجتماعي الكبيرة مسؤولة عن اتخاذ كل إجراء ممكن لضمان عدم استغلال إرهابيين سفاحين لمنتجاتهم التكنولوجية»، وأضاف «يجب ألا يقتصر الأمر على كونه التصرف الصحيح، بل يجب أن ينص عليه القانون».
ولا شك في أن هذه السياسات الهادفة إلى إعادة تنظيم استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، هي خطوة مهمة طال انتظارها، ومن شأنها أن تعظم الفرص الإيجابية من استخدام هذه الوسائل وتحول في الوقت نفسه، من دون استخدامها بشكل سلبي ينجم عنه مشكلات عديدة، من بينها الحض على الكراهية ونشر ثقافة العنف والتطرف.

Share