إعادة الهيكلة وتطوير التعليم في الإمارات

  • 30 سبتمبر 2010

إن هيكلة أي مؤسسة هي جزء أساسي في تنظيم كافة فعالياتها وأنشطتها الإدارية بشكل واضح لدى كافة العاملين فيها، ابتداء من رأس الهرم إلى الموظف العادي. ولا تخلو وزارة أو مؤسسة من وجود سلم وظيفي للهيكل الإداري، تُوضح فيه الخطوط العامة لحركتها في الميدان العملي، وكذلك الديوان الذي يتولى زمام الأمور، سواء ما يتعلق بالقرارات السياسية أو التنفيذية. وبين فترة وأخرى، تقوم الوزارات أو المؤسسات والهيئات بمراجعة هياكلها التنظيمية لمواكبة أي تطور، أو تلافي أي قصور في الأداء، والعمل على تطوير الأداء العام؛ بما يوافق تحقيق الأهداف الاستراتيجية المتحركة في مجتمع يتميز بالديناميكية الدائمة.

وفي عام 2000، كشفت وزارة التربية والتعليم في دولة الإمارات العربية المتحدة عن وثيقة "رؤية التعليم في عام 2020"، التي تحدد معايير التطوير الاستراتيجي للتعليم في البلاد؛ حيث تضع هذه الوثيقة التعليم في محور التنمية الوطنية، وتركز على تحسين جودة التعليم، وزيادة مستوى المهنية والكفاءة لجميع العاملين في قطاع التعليم، واستكمال البنية التحتية والمؤسسية للمدارس، وتحقيق التكامل بين مختلف مجالات التعليم وأنواعه. وتؤمن رؤية عام 2020 بأن التعليم لن يصل بالبلاد إلى تنمية شاملة مستدامة فحسب، وإنما سوف يمكن المجتمع من المنافسة في الاقتصاد العالمي، ويعزز التنمية الثقافية في البلاد.

وانطلاقاً من هذه الرؤية، وضعت الوزارة خطة استراتيجية للفترة (2008-2010)، تتضمن سبعة أهداف، جاء على رأسها إعادة هيكلة وزارة التربية والتعليم؛ بهدف تزويدها بالخبراء والكفاءات الوطنية عالية المستوى، والاعتماد على اللامركزية في صنع القرار، وتحديد واضح للعلاقة مع الهيئات التربوية ومجالس التعليم والمناطق التعليمية، وبما يكفل أن تكون المدارس هي الأساس في عملية التطوير التربوي. في هذا السياق، قامت الحكومة الاتحادية، بقيادة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء، باتخاذ قرار إعادة الهيكلة التنظيمية للوزارة، في 14 سبتمبر 2010.

وقبل إلقاء الضوء على الهيكل الجديد لوزارة التربية والتعليم، ثمة مسألتان بحاجة إلى بيان. الأولى أن عملية إعادة هيكلة أكبر قطاع مجتمعي في الدولة، وأكثرها حساسية لأي تغيير محتمل، تأتي في ظل التوجهات الجديدة للحكومة الاتحادية واستراتيجيتها على المدى البعيد؛ والتي تسعى إلى إنجاح مشاريع التنمية المستدامة، ليس فقط في قطاع التعليم وإنما في كل قطاعات التنمية المجتمعية، بحيث يصب جهد أي قطاع حيوي لصالح المشروع المتكامل. وما يحسب لحكومتنا الرشيدة في مرحلة "التمكين" أنها أخذت زمام المبادرة لمراجعة كافة الهياكل التنظيمية والإدارية، بل حتى القوانين والتشريعات التي مر عليها عقود من عدم التغيير وكذلك الدستور إذا دعت إلى ذلك الضرورة المجتمعية للحراك إلى الأمام؛ من أجل مزيد من الجودة وسلاسة الأداء وتميز العمل المؤسسي بشكل عام.

والمسألة الثانية أنه يجدر بنا أن نعود قليلاً إلى الهيكل السابق لوزارة التربية والتعليم وإبراز بعض ملامحه ومعالمه؛ من أجل فهم عملية إعادة الهيكلة تلك. وأول نقطة تبرز في الهيكل السابق هي أن تقسيم الوزارة كان على هيئة إدارات شملت ست عشرة إدارة، ثمانٍ منها تتبع المدير التنفيذي للشؤون التعليمية (مثل إدارات المناهج والتقويم والامتحانات والأنشطة التعليمية والترخيص والاعتماد الأكاديمي وغيرها)، وثمانٍ أخرى  تتبع المدير التنفيذي لشؤون الخدمات المؤسسية والمساندة (إدارات الموارد المالية والبشرية والتخطيط الاستراتيجي وتقييم الأداء والجودة والتميز المؤسسي وغيرها). وفي قمة الهيكل الهرمي، كان يأتي الوزير، والذي يتبعه مباشرة أربع وحدات تنظيمية، هي مكتب الوزير ومكتب التدقيق الداخلي والمستشارين والمدير العام. وكان يتبع الأخير بدوره خمس وحدات، هي مكتب المدير العام، ومكتب الإشراف والرقابة على المدارس الخاصة، ومراكز الخدمات والمناطق التعليمية، والمديرين التنفيذيين للوزارة. وقد عانت وزارة التربية والتعليم لعقود مضت من تضارب العمل المكتبي البحت مع العمل الميداني، والتصادم أو التناقض أحياناً في عملية اتخاذ القرارات، ووجود إشكاليات في تطبيقها على الواقع في الميدان.

وعليه، تسعى عملية إعادة هيكلة وزارة التربية والتعليم إلى تحقيق عدة أهداف وطنية وتعليمية وإدارية مترابطة. فبادئ ذي بدأ، يعمد الهيكل الجديد للوزارة إلى ترسيخ مبادئ الهوية الوطنية لدى الطلاب، وتحقيق التوازن بين الخصوصية والانفتاح على التطور العلمي الذي يشهده العالم. علاوة على ذلك، يهدف الهيكل الجديد إلى الارتقاء بآلية عمل الوزارة في ممارسة الإشراف على العملية التربوية، ووضع الخطط التعليمية والمناهج الدراسية، وتطبيق نماذج التعليم الحديثة بجميع عناصرها التعليمية والبيئية، وتأهيل الطلاب بالمعارف والمهارات اللازمة؛ ليصبحوا قادرين على تحقيق الغايات الوطنية في التنمية المستدامة وتلبية احتياجات سوق العمل. فضلاً على ذلك، يبتغي التنظيم الجديد للوزارة الوصول إلي روح الفريق في أداء العمل، وإعداد قيادات الصف الثاني، وبما يساعد على ترويج ثقافة القرار المؤسسي وتعزيز روح المساءلة، والتخلص من كل أشكال الروتين وتنازع الصلاحيات وتداخل الاختصاصات بين الإدارات، وهي الأمور التي كانت تؤثر سلباً في مجريات العمل داخل ديوان الوزارة، وتلقي بالمعوقات أمام حركة التطوير في الميدان التربوي. والأهم من ذلك أن الهيكل الجديد يعزز اللامركزية في إدارة التعليم في الإمارات.

ويتضمن الهيكل الجديد لوزارة التربية والتعليم تحديد المهام الرئيسية لها ولإدارتها العليا، وتحديد الوحدات التنظيمية التابعة لإشراف كل من الوزير والمدير العام والمديرين التنفيذيين، بالإضافة إلى المناطق التعليمية. وطبقاً لهذا الهيكل، تتلخص مهام الوزارة في نشر التعليم وتوفيره لجميع أبناء الدولة، ووضع الخطط التعليمية، وإعداد المناهج الدراسية ونظم الامتحانات والتقويم وبرامج تعليم الكبار، وإنشاء المدارس والمعاهد وتجهيزها ومراقبة أدائها والإشراف عليها. وقد تم تقسيم عمل الوزارة إلى مستويين: الأول يختص بالعمل المركزي المرتبط مباشرة بالوزير، عبر مجموعة من المكاتب والإدارات. أما المستوى الثاني، فيتوزع على خمسة قطاعات رئيسية وهي: قطاع التعليم الخاص، قطاع السياسات التعليمية، قطاع الأنشطة والبنية المدرسية، قطاع العمليات التربوية، وقطاع الخدمات المساندة. ويوضح الهيكل التنظيمي الجديد دور الوزير والصلاحيات المخولة له، والوحدات التنظيمية الخمس التي تتبعه، وهي مكتب الوزير، ومكتب التدقيق الداخلي، وإدارة التخطيط الاستراتيجي، إضافة إلى المدير العام، والمستشارين والخبراء. وتتمثل مهام هذه الوحدات في تقديم المساندة الإدارية والتنسيق والمتابعة التنظيمية والمالية والإدارية. ويوضح الهيكل التنظيمي المهام والاختصاصات الموكلة للمدير العام لوزارة التربية والتعليم والوحدات التنظيمية التابعة له، والتي تشمل مكتب المدير العام، وإدارة التميز المؤسسي، ومكتب المنظمات والعلاقات الدولية التربوية، وإدارة الاتصال الحكومي، والمناطق التعليمية، إضافة إلى خمسة مديرين تنفيذيين معنيين بالإشراف على قطاعات التعليم الخاص، والسياسات التعليمية، والأنشطة والبيئة المدرسية، والعمليات التربوية، والخدمات المساندة.

من هذا المنطلق، فإن إعادة الهيكلة لها دور مباشر في ارتقاء أداء كل أطراف العملية التربوية والتعليمية. فلعقود طويلة ساهمت الهياكل التنظيمية الجامدة أو غير المتحركة في إضعاف جهود العمل التربوي والتعليمي في آن واحد، وذلك عندما كان هناك من يرى أن الالتزام بـ"الهيكل" أمر مقدس يصعب المساس به. لذا، يفترض بعد اعتماد هذا الهيكل الجديد وتطبيقه بمزيد من المرونة الواقعية حل المشكلات التي لا زالت عالقة بين أوامر الديوان وطلباته ومتطلبات الميدان التي كانت تصطدم بالكثير من القرارات الفوقية، والتي يصعب تطبيقها في الواقع التربوي، قبل معالجة بعض الإشكاليات المتراكمة لعقود. ويجب التأكيد هنا أن حل هذه المشكلات لن يكون بـ"كن" إلا بعد معرفة العراقيل ودراستها علمياً، وبتجاوب وتعاون من أعلى السلم الإداري مع من يقوم بتطبيق وتنفيذ القرارات والتعاميم التنظيمية في قلب الميدان التربوي والتعليمي، سواء ما يتعلق بالمناهج الدراسية، أو الطلبة والمعلمين، أو حتى بنوعية التغذية الصحية التي يجب البحث في ترقية أساليب تقديمها. فالهياكل التنظيمية لأي وزارة أو مؤسسة لا ينبغي أن تمثل قيوداً تحد من حركتها، بل هي في الأصل آلية لتسيير دفة الأمور بكل سلاسة، لأنها في النهاية وسيلة لا يجوز تحويلها إلى هدف مستقل لذاته.

وما أشك في أن الهيكل الجديد لوزارة التربية والتعليم باستطاعته امتصاص هذا النوع من العراقيل التي لا تصب في مصلحة العملية التربوية والتعليمية في المجتمع. فالانسجام بين الديوان والميدان أمر في غاية الأهمية حتى لا تضيع الأوقات والجهود من جديد في إعادة أخرى للهيكلة. فالتربية والتعليم ليست مؤسسة عادية؛ فهي التي تحدد خطوط سير المجتمع إلى المستقبل، وهي التي تضع الإضاءات أمام كل طالب علم يجلس على كرسي الدراسة من المرحلة الأساسية وانتهاء بالتعليم العالي. ولهذا فإن إعادة هيكلة الوزارة تهدف في الأساس إلى مساعدة كافة العناصر المساهمة في العملية التربوية والتعليمية بكل تفاصيلها اليومية على خوض غمار متطلبات المستقبل بكل ثقة واقتدار. فالحكومة لن تبخل يوماً بأي شيء في سبيل إنجاز هذا الهدف السامي الذي هو في بؤرة الاستراتيجية العامة للدولة، وهي دائماً على أتم الاستعداد للدفع بتطوير التعليم بالدولة بكل ما أوتيت من مقدرات مادية وقدرات بشرية.

Share