إطلاق العنان لـ "كلاب الحرب"

د. جون بروني: إطلاق العنان لـ "كلاب الحرب"

  • 10 أكتوبر 2007

أشعل الجدل الذي شهده العراق مؤخراً بعد قيام شركة الأمن الأمريكية الخاصة "بلاك ووتر" بإطلاق النار على نحو 11 مدنياً عراقياً، بشكل غير قانوني وغير مبرر، جذوة الغضب في صفوف العراقيين، وزاد من الوضع المحرج الذي تعانيه واشنطن في هذا البلد.

لكن الأمريكيين ماهرون جداً كالعادة في أساليب "المراوغة"، وهم قادرون على تحويل أي شيء سيئ إلى شيء جيد وإيجابي، مهما كانت الظروف التي يواجهونها. ولديهم من يمكن تسميتهم بـ "المفكرون الكبار"، وهم أُناس متميزون في مجال العلاقات العامة والإعلان وأشياء قليلة أخرى، وهدفهم الأساس هو جعل السياسة الأمريكية الأفضل والأشجع والأكثر ابتكاراً ومصداقية، وذلك من أجل تقديم وتدعيم الصورة العامة للهيمنة الأمريكية النفسية والمادية على العالم.

ومن وجهة النظر العسكرية، تزعمت الولايات المتحدة في السنوات الأخيرة طريق الأفكار العسكرية الكبرى، وقادت ثورة في الشؤون العسكرية أعطت من خلالها الأولوية للتقنية العسكرية على حساب القوة العاملة البشرية، وتحولت هذه الثورة في الشؤون العسكرية، تحت رئاسة وزير الدفاع الأمريكي السابق "دونالد رامسفيلد"، إلى "انقلاب" تركزت بموجبه النفقات الرأسمالية الدفاعية على إنتاج "أجيال متتابعة" من التقنيات العسكرية المتطورة على حساب الإنفاق على أفراد الجيش.

وبموجب هذا النظام المتمحور حول "التقنيات العسكرية المتطورة" شن البنتاجون حربين مقتنعاً بصحة هذا الاتجاه الشامل، غير أن الجنود الأمريكيين المسلحين بأحدث "التقنيات العسكرية المتطورة" في كل من العراق وأفغانستان، بدؤوا يتساقطون في المصائد التي نصبها لهم المتمردون المسلحون بأسلحة بدائية مثل "إي كي -47" و"آر بي جي -7" وبعض الأجهزة والمعدات التفجيرية الأخرى المرتجلة، فضلاًَ عن العمليات الانتحارية.

ومع تقليص البنتاجون أفراد جيشه ليدفع ثمن المركبات اللاسلكية بدون رجال والأجهزة المتطورة الأخرى لتسهيل استمرار الحرب، فإن العجز في القوى البشرية العسكرية كان يجب أن يتم دعمه بطريقة ما. وفي أرض لا تُكبح فيها الرأسمالية كفلسفة سياسية وطريقة حياة كالولايات المتحدة، لا يوجد عجز في الشركات الأمنية الخاصة الراغبة والقادرة على التورط في مثل هذه الأمور والانتهاكات، فطبقاً للتقديرات التي يوردها "بيتر سنجر" من معهد "بروكنجز"، فإن هناك نحو 160.000 فرد من القوات الأمنية الخاصة، من شركات متعددة مدفوعة الأجر، تم تجهيزهم لتخفيف العبء عن كاهل القوات المسلحة الأمريكية. ويعتمد كثيرٌ من تلك الشركات على أفراد القوات المسلحة الأمريكية السابقين، وبالتالي فإن من مصلحة هؤلاء أن يتم إرساء عقود البنتاجون الرابحة عليهم، أي إن الربح، وليس حب الوطن، هو هدفهم.

ومنذ عام 2001 حققت شركة الأمن الخاصة "بلاك ووتر" مكاسب كبيرة من وراء الحكومة الأمريكية تقدر بحوالي بليون دولار، وهذا مبلغ كبير بأي لغة في العالم. ولكن الأهم من ذلك هو الثمن الذي تم دفعه على المستوى الاجتماعي، فقد نشرت واشنطن قوات من المرتزقة، وعهدت لها بالدور الذي تقوم به عادة الجيوش التقليدية من دون أن تتقيد هذه القوات بالمعايير التي تتقيد بها الأخيرة؛ فالطاعة والسيطرة والعقاب والشفافية والقابلية للمحاسبة، كلها مفاهيم تتعرض للشبهات عندما تقوم الشركات الأمنية الخاصة بالعناية بالمهام الموكولة إليها بواسطة الحكومة. ولأنهم ليسوا مدنيين وليسوا عسكريين، فعندما تسوء الأمور، سيقع رجال الأمن الخاص في منطقة لا تخضع قانونياً لأحد وسيكون بمقدورهم فعل أي شيء، تماماً مثلما هو حال تعامل واشنطن مع "المقاتلين الأعداء غير القانونيين" المحتجزين في خليج جوانتانامو سيء السمعة.

 لقد أكد العضو الديمقراطي في مجلس النواب عن ولاية كاليفورنيا "هنري واكسمان"، والذي يرأس لجنة "الإشراف والإصلاح الحكومي في مجلس النواب"، التي تحقق في قضية "بلاك ووتر" أن الخصخصة تعمل بصورة جيدة وغير عادية لصالح "بلاك ووتر"، لكنه تساءل: هل تمويل "بلاك ووتر" صفقة جيدة بالنسبة لدافع الضرائب الأمريكي". ويمكن لـ "واكسمان" أن يتساءل أيضاً: هل العراقيون لا يميزون بين الجنود الأمريكيين والقوات الخاصة المستأجرة من قبل الولايات المتحدة، والتي اكتسبت لسوء الحظ لقب "الموساد" بحكم تصرفاتهم التي تغلب عليها الرعونة والوحشية؟ إن الإساءة إلى سمعة الولايات المتحدة من خلال هذا السلوك الهمجي لمتعهدي شركات الأمن الخاصة في العراق ليس بالأمر الجديد، و"بلاك ووتر" ليست الشركة الأمنية الخاصة الوحيدة التي وقعت تحت طائلة تفتيش حكومة الولايات المتحدة؛ حيث يذكرنا "بيتر سنجر" بأن نحو 100% من المترجمين وما يصل إلى 50% من المحققين في سجن أبو غريب كانوا من عناصر شركات الأمن الخاصة، وتحديداً من شركتي "تيتان" و"كاسي" على التوالي. كما وجد الجيش الأمريكي أن المقاولين الأمنيين متورطون في نحو 36% من حوادث إساءة استخدام القوة خلال عامي 2003-2004.

ورغم أ الحكومة الأمريكية تمثل العميل الرئيس للخدمات التي تقدمها الشركات الأمنية الخاصة، إلا أنها لا تستطيع معاقبة أو توبيخ جنود هذه الشركات بشكل مباشر؛ لأن هؤلاء الرجال والنساء يقعون خارج سلطة طاعة الأوامر العسكرية الأمريكية. كما أن البنتاجون يحتاج إلى مرتزقتها، كجزء من حله المبتكر لتعزيز هياكل قوة جنوده ومتطوعيه من دون اللجوء إلى الاستدعاء الشامل للاحتياط والحرس الوطني أو إعادة التجنيد. علاوة على ذلك فإن العقاب الزائد للشركات الأمنية الخاصة على انتهاكاتها الإجرامية في العراق وأفغانستان يمكن أن يرسي سابقة تعرض القوات العسكرية الهجين في هذين البلدين للخطر.

لقد تبنت الولايات المتحدة هذا الخليط الخطير والغريب من القوات؛ لأنها ترى أن المجندين الرسميين يستنزفون ميزانيتها ويشكلون عائقاً أمام طموحاتها التقنية على المدى الطويل. ومن ثم فقد تم النظر إلى تحويل المهام الأمنية غير الأساسية وخدمات الدعم إلى الشركات الأمنية الخاصة ووكالات الشركات الأخرى باعتبارها طريقة منخفضة التكاليف لتحقيق النصر من دون تحميل الناخب الأمريكي ضرائب زائدة. وقد تم بيع هذا المفهوم لمخططي البنتاجون والزعماء السياسيين المدنيين الكارهين للمخاطر، كما يبيع المعلن الماهر فوائد "الأطعمة السريعة التحضير" للعائلات كاستراتيجية لإدارة الوقت. لكن في الحرب، مثلها مثل معظم القضايا الاجتماعية والسياسية المهمة الأخرى، لا يوجد حل سريع وسهل.

لقد تورط أعضاء "بلاك ووتر"، كما يشير تقرير الكونجرس الأمريكي، في حوالي 195 حادث إطلاق نار منذ 2005. ووجد في كثير من الحالات أن أعضاء الشركة هم الذين بدؤوا هذه المعارك.

ويمكن القول بثقة إنه لن يريح كثيراً، العائلات العراقية المتضررة من حادث إطلاق النار من قبل أعضاء "بلاك ووتر" في 16 سبتمبر/أيلول الماضي، أن يقال لهم إن المباحث الفيدرالية ستجري التحقيقات اللازمة في ممارسات شركات الأمن الخاصة في العراق. كما أن حقيقة قيام "بلاك ووتر" بعزل 122 شخص من العاملين لديها بسبب "التصرفات غير المناسبة والسلوك العنيف" تدعونا للتساؤل ببساطة عن مدى حاجة الشركة إلى إجراء عملية مراجعة وتقييم شامل لصلاحياتها وأساليب عملها. وتزيد في الوقت نفسه من احتمالات أن يكون هناك عناصر أخرى بنفس الميول العنيفة أو غير المستقرة، ولكنهم نجحوا في تفادي التسريح.

إن التداعيات السياسية لحادثة "بلاك ووتر" مازالت في بدايتها، والغضب العراقي من المراوغة الأمريكية في معاقبة هذه الشركة الأمنية أضاف فقط سبباً آخر لقائمة طويلة من أسباب عدم شعبية الوجود الأمريكي في العراق. كما أن لهذه الحادثة تأثيرها الواضح أيضاً على حكومة "المالكي"، فقد كان رد الفعل المبدئي لرئيس الوزراء العراقي على حادث إطلاق النار هو الإعلان عن طرد شركة "بلاك ووتر" من الدولة، ولكنه سرعان تراجع عن ذلك بشكل مخز، الأمر الذي عزز من انتقادات ودعاوى المعارضين الطائفيين لحكومته، والذين اتهموه بأنه أصبح أضحوكة أمريكية، أو على الأقل بأنه أصبح غير قادر على استخلاص الحقوق السيادية العراقية.

إذا لم ينظر البنتاجون نظرة جادة ومتأنية إلى الطريقة التي تمارس بها قوات المرتزقة المهجنين عملياتها في أنحاء العالم، فإن البيت الأبيض سيتعرض لمزيد من الخسائر السياسية، ولن يكون صاحب المنصب السياسي الرئاسي، سواء كان جمهورياً أو ديمقراطياً، في مأمن من نتائج التصرفات المتسرعة لـ "كلاب الحرب".

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات