إضراب الأسرى الفلسطينيين: وجه جديد للمقاومة

إضراب الأسرى الفلسطينيين: وجه جديد للمقاومة

  • 7 سبتمبر 2004

انتهى يوم الخميس 2 أيلول/سبتمبر 2004 إضراب المعتقلين السياسيين الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية عن الطعام، وكان الإضراب قد بدأ في 15 آب/أغسطس 2004، بعد تدهور الأحوال المعيشية في السجون الإسرائيلية، وتزايد الضغوط التي تتعمد إدارات السجون ممارستها على المعتقلين. وقد بدأت هذه الضغوط منذ تولي الجنرال يعقوب كانون رئاسة مصلحة السجون الإسرائيلية، وهو أحد المقربين من وزير الأمن الداخلي تساحي هنغبي الذي عينه في منصبه، ويشاركه ميوله التي توصف بأنها يمينية متطرفة. لم يعلن أي من الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي عن ملامح الاتفاق الذي أنهى الأزمة، وبدا أن هناك تضاربا بهذا الشأن بين الجانبين. فقد أكد متحدث رسمي إسرائيلي أن "الإضراب انتهى دون أي مفاوضات"، لكنه أردف قائلا إنه "ستتم قريبا مناقشة المسائل الإنسانية التي ليست على علاقة بالمسائل الأمنية"، مما ينم ضمنا عن حلحلة طرأت على موقف الحكومة الإسرائيلية الذي بدا مغرقاً في التعنت، خاصة على لسان وزير الأمن الداخلي تساحي هنغبي الذي قال:"لن نقدم أي تنازل، فليضربوا حتى الموت". كذلك بدا المستوى نفسه من التعنت في رفض وزير الصحة الإسرائيلي داني نافيه علاج المضربين عن الطعام في المستشفيات الإسرائيلية، وقولـه إنه "غير مستعد لتعريض حياة المرضى وأفراد الأطقم الطبية في المستشفيات الإسرائيلية للخطر نتيجة نقل هؤلاء القتلة الإرهابيين إليها". أما على الجانب الفلسطيني فقد صرح وزير شؤون الأسرى في السلطة الوطنية الفلسطينية بأن السجناء نالوا موافقة على نحو 90% من مطالبهم، كما أكد عيسى قراقع رئيس نادي الأسير الفلسطيني أن "الأسرى حققوا أغلبية مطالبهم". يكتسب إضراب الأسرى عن الطعام أهمية كبيرة في الوقت الحالي، حيث تلقى أساليب المقاومة الفلسطينية التي تنتهج العنف ضد المدنيين انتقادات واسعة في العالم، وحتى بين قطاعات مؤثرة في العالم العربي. وتضطر بعض الحكومات العربية إلى انتقاد المقاومة الفلسطينية بحكم تغير المزاج العالمي بشأن أساليبها بعد الحادي عشر من سبتمبر، وبفعل ما يُسمى "الحرب على الإرهاب" والموقف المتشدد إزاء أنشطة الجماعات الإسلامية المسلحة. كذلك فإن جزءا من النخبة الفكرية والإعلامية في العالم العربي لم يعد يتردد في الهجوم العنيف على العمليات العسكرية التي تنفذها الجماعات الفلسطينية ضد المدنيين الإسرائيليين، على الرغم من التأييد الشعبي الملحوظ لمثل تلك العمليات. وكان الإضراب، باعتباره تكتيكا بديلا، فرصة مناسبة لنقل أشكال أخرى من المقاومة الفلسطينية إلى الواجهة، وتقديم صورة مغايرة لتلك التي اعتاد العالم رؤيتها للفلسطينيين في السنوات الأخيرة، والموزعة بين العمليات "الاستشهادية" أو "الانتحارية" من جهة وصراعات السلطة الفلسطينية وفسادها من جهة أخرى. وقد ساعد على نجاح الإضراب، خلو الساحة إلى ما قبل نهايته بيومين من هذه العمليات التي تحتل صدارة المشهد الفلسطيني بحكم طبيعتها، وبحكم ما يتلوها من انتقام إسرائيلي دموي، وما يرافق ذلك كله من صخب إعلامي يغطي على ما سواه. ولو أن عملية بئر السبع التي نفذت في 31 آب/أغسطس 2004، وأسقطت ستة عشر قتيلا إسرائيليا، قد نفذت قبل أسبوع أو أسبوعين من موعدها لضاع الأثر الإيجابي للإضراب، أو معظم آثاره الإيجابية على أقل تقدير. وفي الحقيقة، لم يكن استمرار الإضراب بعد عملية بئر السبع مجديا، لذا لم يكن صدفة أن يتم تعليقه بعد أقل من ثمانية وأربعين ساعة من تفجير الحافلتين الإسرائيليتين. لم تدخر السلطات الإسرائيلية جهدا في محاولة إفشال الإضراب وكسر إرادة المعتقلين، بدءا من التصريحات المستفزة التي أنذرتهم بأنهم سوف يموتون جوعا دون أن تغير السلطات الإسرائيلية من مواقفها، ومرورا بالإجراءات الانتقامية الإضافية التي تمثلت في تكثيف حملات التفتيش والمداهمة داخل السجون وحرمان الأسرى من بقايا الامتيازات والتسهيلات التي كانت تقدم لهم (مثل سحب أجهزة التلفاز والراديو وإيقاف توزيع الصحف ومنع الزيارات)، وانتهاء بتوزيع البيانات التي تحذر المضربين من الآثار الصحية المستديمة للإضراب عن الطعام، وحفلات شي اللحوم في باحات السجون. ولكن هذه المحاولات، على اختلافها، لم تؤت ثمارها المرجوة، وأثبتت إرادة المضربين أنها عصية على الكسر. كان الإضراب بصورته التي ظهر عليها محصلة عمل منظم وتنسيق استمر ثمانية أشهر بين عدد من الجهات المعنية بقضية الأسرى، برز من بينها نادي الأسير الفلسطيني الذي لعب دورا مهما طيلة أسابيع الإضراب الثلاثة، ووزارة شؤون الأسرى في السلطة الفلسطينية. واكتسبت المطالب المعلنة للمضربين قوة ملحوظة من حيث كونها أمورا حياتية محضة تتعلق بتحسين ظروف معيشتهم، بعيدا عن أي اشتراطات ذات صبغة سياسية. وكان لافتا أن كثيرا من مطالب المضربين يتضمن كلمة "إعادة"، بمعنى أنها لا تتجاوز استرجاع مكاسب ومميزات كانت متاحة من قبل، مثل المطالبة بإزالة الزجاج بين الأسرى وزوارهم، وإعادة "الشبك" الذي كان يسمح بالتواصل وتبادل المصافحة، وكذلك المطالبة بالسماح لجميع أقارب الأسرى وذويهم بزيارتهم، كما كان مطبقا من قبل. وتتضمن المطالب أيضا الفصل بين المعتقلين الجنائيين والسياسيين، وكان هذا الإجراء مرعيا قبل أن يتولى الجنرال يعقوب كانون منصبه رئيسا لمصلحة السجون، ويعمد إلى تنغيص حياة المعتقلين بإجراءاته العقابية. كذلك اتسمت مطالب المعتقلين بطابعها الإنساني، الذي يتسق وكافة المواثيق والقوانين الدولية. وكثير من المطالب بديهي وطبيعي، إلى الحد الذي تبدو معه المطالبة بها إدانة وفضحا مباشرا للسلطات الإسرائيلية التي تصادر بشكل منهجي أبسط الحقوق الإنسانية. ومن هذه المطالب إزالة أجهزة التشويش التي تسبب مرض السرطان، والسماح بمواصلة التعليم، وتمكين الأسرى من الاتصال بمحاميهم. وبشكل عام فقد كان مجرد نشر قائمة المطالب انتصارا أوليا في معركة كسب التعاطف الدولي، إلى حد تأييد مطالب الأسرى الفلسطينيين من قادة إسرائيليين سابقين لإدارات السجون، وانتقاد هؤلاء المسؤولين السابقين لموقف الجنرال كانون الذي يرون أنه يدفع الأسرى الفلسطينيين إلى الانفجار، ويهدد باندلاع انتفاضات لمناصرتهم خارج السجن. ومن جهتها تذرعت السلطات الإسرائيلية بالأمن، الذي تشهره سلاحا كلما أرادت تبرير إجراءاتها المنافية للأعراف الإنسانية والقوانين والشرائع الدولية. وفي تعليقه على الإضراب قال رئيس مصلحة السجون الإسرائيلية إن الأسرى أصبحوا يشكلون خطرا أمنيا على إسرائيل، ويديرون عمليات التفجير والقتل من داخل سجونهم، بعد أن تم ضبط معظم قادة "الإرهاب" الفلسطيني، وأصبحت التنظيمات في الخارج تحت قيادة غير مجربة تحتاج إلى النصح والتوجيه من قادتها المعتقلين. وفضلا عن لا معقولية هذا المبرر في ظل الإجراءات الأمنية المشددة ووسائل المراقبة في السجون الإسرائيلية، فإن كثيرا من الإجراءات لا تتصل بتلك "الذريعة" الأمنية، إذ تتضمن مطالب الأسرى مشاهدة التلفاز وقراءة الصحف، وتوفير كتب ومعاجم وقواميس وإيقاف ممارسات من قبيل فرض غرامات باهظة على المعتقلين عند ارتكاب أي مخالفات بسيطة، وتفتيش الأسرى عراة قبل الزيارات وبعدها، وكل هذه المطالب لا علاقة لها بالمخاوف الأمنية الإسرائيلية. ويبدو واضحا أن الهدف الحقيقي للإجراءات الإسرائيلية هو قهر المعتقلين وإذلالهم، وتحويل اعتقالهم إلى سلسلة من الإجهاد النفسي والبدني، والمعاناة المتواصلة. يمثل الإضراب إضافة إيجابية إلى رصيد النضال الفلسطيني، وهو نموذج لأساليب المقاومة التي يمكن تطويرها وابتكار أشكال جديدة منها، ضمن خطط سياسية منظمة تتضافر فيها الجهود، ويتم توظيفها في الاتجاه الصحيح. وعلى الرغم من أن الجهود الدبلوماسية والإعلامية العربية التي رافقت الإضراب لم تكن على مستوى الحدث، ولم تفلح في استغلاله على وجهه الأمثل، فإن تكرار تجارب من هذا النوع يمكن له بذاته أن يخلق الزخم الإعلامي والسياسي المنشود، والمناخ الذي يتاح فيه للفعاليات الدبلوماسية والإعلامية أن تطور من وتيرة أدائها. غير أن ذلك كله يظل مرهونا بـ "حالة" كاملة في الواقع الفلسطيني، لا يمكن تحقيقها إلا بتوافر إرادة حقيقية لإنجاز تحول جذري في الرؤى والممارسات والأساليب، سواء في مؤسسات السلطة الفلسطينية وقياداتها، أو بين الفصائل والجماعات المختلفة التي تتنازع الأدوار والمواقع في الساحة الفلسطينية.

Share