إشكالية تأسيس الحكومة العراقية الجديدة

  • 8 ديسمبر 2019

جاءت استقالة حكومة رئيس الوزراء العراقي السابق عادل المهدي، التي قبلها البرلمان يوم الأحد الماضي، على خلفية احتجاجات واسعة طالبت في بدايتها بسياسات عاجلة للقضاء على الفقر والفساد والبطالة، ثم توسعت وارتفع سقف توقعاتها لتطالب بإحداث تغيير جذري في النظام السياسي بشكل عام وفي النخبة الحاكمة بشكل خاص، التي يرى المحتجون أنها السبب في تفشي الفقر والفساد والبطالة في بلد غني بالنفط والموارد الطبيعية الأخرى. وقد فتحت هذه الاستقالة التي تحولت بمقتضاها حكومة عبد المهدي إلى حكومة تصريف أعمال، الباب أمام إشكالية تأسيس الحكومة الجديدة في ظل نظام سياسي يقوم على مبدأ المحاصصة الطائفية، وهو ما يرغب المحتجون في تجاوزه. والمعضلة هنا تتمثل في أن رئيس الوزراء الجديد يجب أن يتمتع بنوعين من الشرعية، شرعية المتظاهرين، وشرعية البرلمان، وهذا الأمر من الصعب تحقيقه في ظل طبيعة الواقع السياسي القائم في العراق.
وقد كشفت المشاورات السياسية لتشكيل حكومة جديدة خلافات واسعة ومواقف متباينة بين القوى السياسية المختلفة، وهو ما يطيل أمد الأزمة القائمة، حيث إن كتلة «سائرون»، وهي أكبر الكتل السياسية في البرلمان، تنازلت عن حقها في تسمية رئيس الوزراء، لكنها رفضت في الوقت ذاته الأسماء المطروحة. وفي سياق متصل، أكد رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي، بصفته زعيم كتلة النصر البرلمانية، «حرصه على اتخاذ مواقف تقترب من الشعب العراقي»، ولكنه قال إنه «لن يكون طرفاً في اختيار مرشح لرئاسة الوزراء في هذه المرحلة». ولم تحسم كتلة تحالف الفتح بزعامة هادي العامري موقفها بعد، لكنها شاركت في التصويت على استقالة عبد المهدي، واعتبرت مشاركة الكتلة، استجابة لتوجيهات المرجعية الدينية العليا بزعامة علي السيستاني. وأفاد عمار الحكيم رئيس كتلة تيار الحكمة الوطني، بأن القوى السياسية تسعى للإسراع في تسمية رئيس حكومة يحظى بقبول شعبي، إضافة إلى توافر معايير القدرة والكفاءة في إدارة البلاد. إذاً، ثمة اختلافات بين القوى السياسية في هذا السياق لا يوفر التوافق المطلوب لتشكيل الحكومة الجديدة.
ويرى بعض الخبراء أن الحل الأفضل للأزمة السياسية القائمة في العراق حالياً، يتمثل في تشكيل حكومة انتقالية مؤقتة تقوم بصياغة إطار تشريعي جديد للانتخابات البرلمانية المقبلة، على نحو ما يطالب به المحتجون، وعلى نحو يسهم في تجاوز واقع المحاصصة الطائفية القائم، والمرفوض من قبل المحتجين، الذين لا يريدون السير في طريق الإجراءات الدستورية المعمول بها حالياً لتشكيل حكومة جديدة، لأن ذلك يعني استبدال شخص مكان آخر.
وفي الوقت الذي تستمر فيه هذه الخلافات بين القوى السياسية حول تشكيل الحكومة تتواصل الحركة الاحتجاجية من خلال المتظاهرين المحتشدين في الساحات العامة، المصرين على ضرورة إحداث تغيير حقيقي في هيكل السلطة في البلاد، بعد التضحيات الكبيرة التي قدموها، ومنها سقوط أكثر من 460 قتيلاً منذ بدء الاحتجاجات في أكتوبر الماضي. وعلى أي الأحوال، فإن مطالبة المحتجين بتجاوز نظام المحاصصة الطائفية هو مطلب ضروري، ذلك أن نظام المحاصصة وفق أي معيار قد ثبت فشله في جميع الأحوال، ولم يسهم في بلورة عملية انتقال ديمقراطي، على نحو ما تم في العراق أو في الحالات الأخرى، التي عملت بهذا النظام.

Share