إشكالية القيادة في حركة "حماس": الواقع والتوقعات

  • 19 فبراير 2012

يثير الجزء الطافي من التمايزات الراهنة في مواقف قيادات حركة "حماس"، تساؤلات حول ما يجري داخل هذه الحركة، التي راحت تتصدر العمل الفلسطيني تدريجياً، حتى باتت تشكل القوة الرئيسة التي تنافس حركة "فتح".

كمسلّمة أولى، من الطبيعي أن توضع أي "إشكالية" قيادية مفترضة في حركة "حماس"، كما في غيرها، على خلفية التفاعلات التي جرت في الحركة منذ نشأتها، مروراً بأطوار مسيرتها، وصولاً إلى الصورة الماثلة حالياً. ويبين تحري هذه "الإشكالية" أن "حماس" التي تَعتَبِر نفسها، حسب ميثاقها، امتداداً لجماعة "الإخوان المسلمين"، الموجودة في فلسطين منذ أربعينيات القرن الماضي، انبثقت كتنظيم مقاوم في ديسمبر عام 1987، من "المجمع الإسلامي" الذي أسسه أحمد ياسين في قطاع غزة، وظلت مسألة القيادة فيها محكومة بالتقاليد الداخلية لجماعة "الإخوان المسلمين"، على نحو لا يسمح بظهور الخلافات بين قادة الحركة إلى العلن.

ويمكن تتبُّع مسار الحديث عن مسألة القيادة في "حماس" منذ ترؤس خالد مشعل المكتب السياسي للحركة، للمرة الأولى عام 1996، خلفاً لموسى أبو مرزوق، الذي تم اعتقاله في الولايات المتحدة، ثم جرى ترحيله إلى الأردن، والذي آثر، لاعتبارات ذاتية وموضوعية، عدم المطالبة بالعودة لترؤس المكتب السياسي بعد الإفراج عنه. ونظراً لما كان يتمتع به مشعل من مكانة وخصائص قيادية في الحركة، انتُخب لدورتين متتاليتين، كل منهما أربع سنوات، بموجب النظام الداخلي للحركة، وتم "تعديل فترة الولاية" عام 2008، من قبل مجلس شورى الحركة، بحيث لا يكون هناك سقف لعدد دورات ترؤس المكتب السياسي.

ولوحظ أن مسالة القيادة لم تكن تشغل الأولوية الأولى في فكر "حماس"، خاصة إثر الهجوم الإسرائيلي على قطاع غزة في عام 2009، وهو ما ترافق مع النظر إلى المواقع القيادية في الحركة على أنها "تكليف وليست تشريفاً"، وأن الجميع يجب أن يخضع لقرارات مؤسسات الحركة بصرف النظر عن الاعتبارات الشخصية. ولكن منذ صيف العام الماضي، أخذت تبرز مؤشرات على وضعية خالد مشعل في حركة "حماس" بوصفها حالة "إشكالية".. كيف؟

في مايو 2011، خلال خطاب خالد مشعل في احتفالية المصالحة، أعطى السلطة "مهلة" للتفاوض مع إسرائيل. ويومها انتقد محمود الزهار، القيادي في "حماس" في قطاع غزة، علناً، تصريح مشعل، واعتبره موقفاً فردياً خاطئاً، ولا يعبّر عن موقف حماس ومؤسساتها. وقد ردّت عليه قيادة الحركة في دمشق بقسوة. وراحت التقارير تتداول عبارات على لسان خالد مشعل، في اجتماعات المصالحة في القاهرة، يُستشف منها "لهجة جديدة"، تمثلت بدعوته إلى "الشراكة السياسية"، و"النضال الشعبي"، و"إقامة دولة على حدود عام 1967"، الأمر الذي أثار تحفظات بعض قيادات الحركة.

وعلى الرغم من أن خالد مشعل ظل يكرر ثبات "حماس" على برنامجها الاستراتيجي باعتماد المقاومة المسلحة سبيلاً لدحر الاحتلال الإسرائيلي وتحرير كامل فلسطين، لكن "المفاهيم الجديدة" أثارت تساؤلات لدى قيادة "حماس" في الداخل حول استراتيجية الحركة في إدارة الصراع مع إسرائيل. وكمثال؛ اعتبر الزهار أنه لا تصلح المقاومة الشعبية في قطاع غزة، فبعد أن خرج الاحتلال منه سنتظاهر ضد من؟ بعكس الضفة الغربية التي تصلح فيها أشكال المقاومة بكل أنواعها بما فيها المقاومة المسلحة. وبدا أن إسماعيل هنية رئيس الحكومة المقالة في غزة يميل نحو موقف الزهار المتشدد. وزاد من تأكيد هذه الإشكالية نشر تقارير عن نية الحركة التحوّل من الكفاح المسلح إلى "حركة مقاومة شعبية" غير عنفية، وطلب جماعة "الإخوان المسلمين" في مصر – كما قيل – سراً من "حماس" وقف أنشطتها العسكرية والاقتصار على الأنشطة السياسية، لتهدئة الأوضاع.

في هذه الأجواء صدر بيان مفاجئ عن "حماس" (21 يناير 2012) بيّن أن خالد مشعل أبلغ مجلس شورى الحركة في اجتماعه الأخير برغبته ألا يكون مرشحاً مرة أخرى لرئاسة المكتب السياسي في الدورة التنظيمية القادمة، وبالمقابل تمنّى قادة الحركة ورموزها عليه العدول عن ذلك، وترك الموضوع لمجلس الشورى وتقديره للمصلحة العليا، معتبرين ذلك شأناً عاماً تقرره مؤسسات الحركة، وليس شأناً شخصياً خالصاً.

وهنا انطلقت موجة جديدة من التفسيرات والتكهنات؛ حيث تؤكد هذه الصيغة أن مشعل ترك الباب موارباً أمام احتمال ترشحه لدورة جديدة، وترك الحسم في هذا القرار لمجلس الشورى، الجهة الوحيدة المخولة ترشيح الأسماء لهذا المنصب. وقيل في السياق ذاته؛ إن النظام الداخلي للحركة لا يسمح لمشعل بدورة جديدة، وإن إعلانه يأتي لقطع الطريق على أي تقولات مستقبلية، وجاء استباقاً لبيان آخر كان سيصدره مؤيدو نائبه موسى أبو مرزوق. وكان هناك من توقّع أنه إذا ما سوّيت المشكلات ودخلت "حماس" الإطار القيادي لمنظمة التحرير، فسوف يشغل خالد مشعل منصب رئيس المجلس الوطني الفلسطيني في إطار توزيع المناصب مع حركة "فتح". وعلى تماس مع هذه التقديرات، كانت هناك قراءات تذهب إلى أن إعلان مشعل يتأثر بالتغيرات في المنطقة، ويعكس تطلع حركة "حماس" إلى تجديد الدماء القيادية فيها.

وجاء "اتفاق الدوحة" (5 فبراير 2012) الذي منح رئاسة الحكومة الفلسطينية المؤقتة لرئيس السلطة محمود عباس، ليفجر مشكلة جديدة. فمع أن الاتفاق الجديد شكّل مخرجاً للمأزق الذي آلت إليه المصالحة، غير أنه تسبب بظهور ردود فعل متباينة تعكس الحالة الإشكالية القيادية في "حماس".

فقد أصدرت كتلة "التغيير والإصلاح" البرلمانية التابعة لحركة "حماس" ما يسمى "مذكرة قانونية"، رأت فيها أن جمع عباس بين منصبي رئيس السلطة ورئيس الحكومة ينطوي على "مخالفة دستورية". وقد اعتُبرت هذه المذكرة تحدياً لقيادة خالد مشعل في الخارج، لاسيما أنها تشكل خطوة غير مسبوقة في "حماس" التي فاخرت دوماً بقراراتها الإجماعية. لكن نواب كتلة "التغيير والإصلاح" التابعة لحركة "حماس" في الضفة الغربية، أعلنوا تأييدهم ومباركتهم للاتفاق المذكور.

ومما زاد "الاستقطاب القيادي" الظاهري الجديد، لجوء مشعل إلى زيادة وتيرة التنسيق مع ما يسمى "محور الاعتدال العربي"، وفتور علاقاته مع دمشق، فيما زار إسماعيل هنية طهران. ويعتقد بعض قادة "حماس" أن الصعود الأخير للقيادات الإسلامية في المنطقة يزيد وزن "حماس" في المعادلة الداخلية في مواجهة "فتح"، فيما يرى مشعل أن الوقت قد حان للتوافق وليس للمواجهة، مع تعديلات حذرة في السياسة.

ومع تعمّق تباينات المواقف القيادية المعلنة في الحركة، نُشرت معلومات عن مساع لعقد اجتماع بين إسماعيل هنية وخالد مشعل في الدوحة (12 فبراير 2012) لحل الأزمة الداخلية، لكن "دون جدوى"، كما أشيع. ومع ذلك ظل الانطباع السائد يتمحور حول استبعاد حدوث انشقاق في الحركة، ورسوخ صيغة "التنوع في إطار الوحدة"، على نحو قريب من "لعبة تقاسم الأدوار"، التي تسمح باستمرار التنافس على رئاسة المكتب السياسي بين خالد مشعل، في حال وجود مسوغات تسمح له بذلك، وكل من أبو مرزوق وهنية والزهار.

ولدى التعمّق في معرفة "ميزان القوى الداخلية" في مؤسسات الحركة، ثمة من يؤكد أن هذا الميزان اختل ضد خالد مشعل، لاعتبارات تنظيمية وسياسية. ويرى هؤلاء أن أمام مشعل خيارين؛ إما مغادرة رئاسة الحركة بهدوء والحفاظ على رصيده السابق، أو الترشح مجدداً حيث يتوقع أن يفوز بنسبة من الأصوات أقل بكثير مما كان في الماضي، وهو ما سيعكس تضاؤل مكانته في الحركة، ويضع الحركة ذاتها في مهب أزمة قيادية يصعب إدراك مآلها. وأكثر من ذلك، هناك من يرى أن مشعل قد لا يُنتخب في الدورة القادمة، وسيصطدم بواقع الاستياء الداخلي من نهجه السياسي الجديد و"مناوراته" للاستمرار بتزعم الحركة.

وبالمقابل، يعتقد آخرون أن مجلس شورى الحركة، الذي يملك حق اختيار رئيس المكتب السياسي بين رؤساء الأقاليم الذين يحصدون أعلى الأصوات في الانتخابات المرتقبة لقيادة "حماس" (في الصيف المقبل)، لـن "يغامر" بإثارة مشكلة قيادية للحركة، ولاسيما في ظروف المصالحة الفلسطينية، وتشكيل حكومة الوحدة المؤقتة، وتكثيف الجهود لخوض الانتخابات التشريعية المقبلة، وعدم الترشح لرئاسة السلطة، على غرار قرار "الإخوان المسلمين" في مصر عدم خوض الانتخابات الرئاسية والاقتصار على البرلمان، وبالتالي؛ فإن معركة زعامة "حماس" التي تدور تحت السطح، تكاد تكون – حسب هؤلاء – قد حسمت لصالح خالد مشعل.

وتبقى هناك نقطة هامة تتعلق بالصراع بين "حماس" وإسرائيل. وفي هذا الخصوص يتعين الاهتمام باستعداد "حماس" للتوصل إلى "سلام" مع إسرائيل يستند إلى خطوط 1967، مع الأخذ بعين الاعتبار الاتصالات التي تجريها الحركة عربياً ودولياً لهذا الغرض. وهذان معطيان يتيحان هامش تحرك وقبول لقيادة خالد مشعل، بالرغم من تعارضهما مع نهج قيادة الداخل المتشددة.

وبوجه عام، حين يضاف ما يجري داخل "حماس" إلى ما يجري في محيطها، فلسطينياً وإسرائيلياً وإقليمياً ودولياً، تتضح جلياً أهمية الإسراع بجهود تحقيق المصالحة الوطنية الفلسطينية بين "حماس" وسائر القوى الفلسطينية، وفي مقدمتها حركة فتح؛ من أجل الحفاظ على المكتسبات الفلسطينية، وتحقيق المصالح الوطنية للشعب الفلسطيني.

Share