إشكاليات الاتفاق الأمني بين أمريكا والعراق

عبدالوهاب بدرخان: إشكاليات الاتفاق الأمني بين أمريكا والعراق

  • 23 يونيو 2008

كان يُفترض أن يبقى أمر الاتفاق الأمني بين الأمريكيين والعراقيين سرياً إلى أن يتم التوافق على صيغته النهائية، تمهيداً لعرضه على البرلمان العراقي. ولم يكن يتوقع حدوث أي مشكلة؛ فالأكراد لا يعارضون عملياً أي مطالب أمريكية، ولا يمانعون احتلالاً أو وجوداً طويل الأمد. والسنـّة الذين تغيرت أحوالهم في الشهور العشرة الأخيرة يجدون مصلحة في بقاء ممدد للأمريكيين في انتظار أن تتبلور صيغة ما لمشاركة سنية أكثر فاعلية وأكثر توازناً في العملية السياسية. وحتى الشيعة الذي يمرون بمرحلة فرز لمختلف القوى الناشطة، داخل الحكم أو خارجه، يخشون تدهوراً مفاجئاً ومتسارعاً للعلاقة مع سلطة الاحتلال تفقدهم المكاسب التي حققوها حتى الآن.

 لكن المسودة التي قدمها السفير رايان كروكر إلى الجانب العراقي كانت مستفزة وغير متوازنة، بل فاقت كل التوقعات العراقية، لذلك لم يجد أهل الحكم والحكومة سبيلاً آخر غير تسريب بنود المسودة استدراجاً لردود الفعل في الشارع العراقي، كما في المحيط الإقليمي والمجتمع الدولي. ثم إن نوري المالكي تحرك على نحو غير متوقع منه؛ إذ راح يستحث الخارج للاستعانة به على سلطة الاحتلال. ورغم أن زيارته لإيران بدت ظاهرياً كأنها تحدٍ للأمريكيين إلا أنها تمت بموافقة منهم، ولأهداف واقعية ترمي إلى تسهيل التوصل إلى الاتفاق لا إلى عرقلته والانقلاب عليه. ومع أن مرشد الجمهورية الإسلامية كان واضحاً في تشجيع المالكي على عدم توقيع الاتفاق مع الأمريكيين، إلا أن ثمة مصلحة في مباشرة "تقنيين" الاحتلال والحديث عن خفض تدريجي للقوات الأمريكية، بدلاً من ترك الأمر عائماً بلا أي ضوابط للمستقبل المنظور.

 طبعاً لم يمر الجدل حول الاتفاق من دون أن يظهر الإيرانيون على أنهم القطب الآخر الموجود في البلد. واللافت أن الضجة الإعلامية التي أثيرت حول الاتفاق اضطرت الأمريكيين إلى الخروج بشكل يومي لتقديم التطمينات أو إعلان تنازلات ما، أو لمحاولة توضيح بعض النقاط. لكن الثغرات المستفزة في المسودة عبرت بوضوح عما يفكر فيه الأمريكيون من دون لبس أو غموض، وهي من النوع الذي يمكن، لمن يعرف الأمريكيين، أن يتوقعه، كونهم لا يعرفون طريقة أخرى. فإذا كان لهم أن يبقوا في العراق؛ فمن الطبيعي أن يعملوا كما يفعلون الآن، وكما فعلوا منذ عام 2003 مع بعض المراجعات من النوع الذي أجروه لتعاملهم مع نزلاء سجونهم الخاصة.

 وبمعزل عن تصريحات الناطقين فإن كل البنود والأفكار التي تم تداولها، تسريباً وجدلاً، كانت صحيحة. كل ما في الأمر أن الجانب الأمريكي ترك لنفسه منفذاً دبلوماسياً عبر القول بأن هذه ليست سوى "مسودة" مطروحة للتعديل من خلال التفاوض. لكن ما قيل عن بناء معسكرات وقواعد هو صحيح، كذلك ما ذكر عن "حصانة" يراد منحها للقوات الأمريكية إزاء القضاء العراقي، وهي حصانة يمكن أن تُوسع لتشمل الشركات الأمنية والمدنية والعسكرية والإسنادية المتعاقدة مع الجيش الأمريكي. صحيح أيضاً ما سرّب عن صلاحيات واسعة للقوات الأمريكية لا تحدد من جانب الحكومة العراقية، وعن السجون الخاصة، والاعتقالات. وصحيحٌ أيضاً، وعلى وجه الخصوص، أن المسودة تعطي القوات الأمريكية الحق في "ضرب أي دولة تهدد الأمن والسلم العالمي والإقليمي العام والعراق وحكومته ودستوره، أو تساند الإرهاب والميليشيات". وهناك تلك الإشارة إلى أنه "لا يمنع الانطلاق من الأراضي العراقية والاستفادة من برها ومياهها وجوها". أكثر من ذلك تطلب المسودة سيطرة القوات الأمريكية على وزارتي الدفاع والداخلية وعلى الاستخبارات العراقية لمدة عشر سنوات، بغية تأهيل القوات العراقية وتدريبها، وحتى السلاح ونوعيته خاضع للموافقة والمشورة الأمريكيتين.

 بالإضافة إلى كل ذلك، افتقدت المسودة كل حكمة في النص على أن بقاء القوات الأمريكية "طويل الأمد وغير محدد" و"مرهون بتحسن المؤسسات الأمنية والعسكرية العراقية، وتحسن الوضع الأمني وتحقق المصالحة، والقضاء على الإرهاب وعلى أخطار الدول المجاورة، وسيطرة الدولة، وإنهاء وجود الميليشيات وحرية تحركها". ولا تتحدث المسودة عن "خروج" القوات إلا لتربطه بـ "إجماع سياسي"… هذا اتفاق يطمح إلى مخاطبة الداخل الأمريكي أكثر مما يرمي إلى التعامل مع الواقع على الأرض العراقية بمنظور مستقبلي.

 ومع أن الاتفاق يريد أن يبني على التحسن الملموس أمنياً، إلا أنه يعطي الانطباع بأن هذا التحسن هش أو شكلي. وهو قد يكون كذلك فعلاً، لكن إثباته في خلفية الاتفاق يعني ربط الحكومة العراقية والقوات الأمنية والعسكرية بتعهدات طويلة الأجل من دون أي أفق. وفي ذلك انعكاس مؤكد على العملية السياسية، خصوصاً أن الجانب الأمريكي يتمتع بحرية حركة سياسية تفتقدها الحكومة العراقية نفسها، وهو يتدخل في كل شيء يتعلق بصنع القرار الحكومي ويتحكم عملياً بحركة الأطراف السياسية، ابتعاداً أو اقتراباً من العملية السياسية. صحيح أن الجانب العراقي هو الذي طلب إبرام مثل هذا الاتفاق، لكنه قد يفضل الآن تأجيل الأمر إذا كان مدعواً للموافقة على النص المطروح تحت الضغط، وبفعل اللعب على تناقضات الأطراف.

 للمرة الأولى، بعد الاحتلال، تستشعر الحكومة العراقية الحاجة إلى وجود عسكري عربي في بغداد. وإذا صحّ أنها تفعل ذلك، أي تطالب العرب بالمجيء، وبتشجيع وإلحاح أمريكيين، وبعدم ممانعة إيرانية؛ فإن ذلك يعني أن هناك استعداداً لتطوير الوضع السنـّي ودفعه من "مجالس الصحوة" إلى مجالس الحكم. لكن "العودة" العربية إلى بغداد تتزامن مع الاتفاق الجاري إعداده، وكأن هذا الاتفاق يحتاج إلى تغطية عربية. غير أن "المسودة"، بما علم منها، من شأنها أن تثبط عزائم العرب الراغبين في دور إيجابي وفي مساهمة فاعلة في تعزيز وضع الدولة العراقية إذا كان لها أن تنشأ أخيراً، وإذا كان لها أن تصنع لنفسها شأناً خارج "المنطقة الخضراء" في بغداد.

 من هنا نجد أن ثمة مصلحة، عربية وعراقية في آن، في أن تكون هناك مساومة ما على الدخول العربي إلى بغداد بمنظور انتهاء الاحتلال وبداية تطبيع الوضع الداخلي، لا بخدعة جديدة لإطالة هذا الاحتلال أو شرعنته. والواقع أن الكلمة العربية لم تكن مسموعة تحديداً بسبب غياب العرب دبلوماسياً عن العراق. وبالطبع فإن هذا الغياب كان له أسبابه، خصوصاً بعد الذي حصل للسفارة الأردنية ثم الدبلوماسي المصري، والتهديدات التي تلقتها جهات عربية عدة كانت في صدد إعادة تأهيل سفاراتها. وستكون الرحلة المقبلة اختباراً لمعرفة ما إذا كانت الأوضاع الأمنية قد تغيرت فعلاً. والأهم أن تكون الجهات التي عملت على "تطفيش" العرب قد غيرت أيضاً موقفها وباتت ترى مصلحة في الوجود العربي. ولدى العديد من العواصم العربية شكوك بأن إيران ربما كانت وراء التهديدات السابقة، مستخدمة أو مختبئة وراء الجماعات التي يشار إليها باسم "القاعدة" وأخواتها.

 ويعتقد دبلوماسي عربي كان له اطلاع واسع على الوضع العراقي الجديد أن الوضع تحسن فعلاً، وأن إيران قد تكون هي التي تشجع حكومة المالكي على الانفتاح عربياً بعدما كانت تتشارك مع الأمريكيين في ثني العرب عن المجيء إلى العراق. لكن هذا الدبلوماسي يتساءل عن أسباب احتجاج إيران على الاتفاق الأمني حتى بمسودته الراهنة، معتبراً أن إيران كانت لها دائماً مصلحة في بقاء الاحتلال؛ لأنها تتحرك على نحو أسهل وأفضل في ظل الاحتلال، أما إذا خرج الأمريكيون؛ فإن الوضع سيرتب على الإيرانيين مسؤوليات إضافية لا يريدون تحملها وحدَهم. ويتوقع هذا الدبلوماسي أن تكون المرحلة المقبلة أصعب للإيرانيين، وبالتالي للشيعة في العراق؛ لأنها ستكون مرحلة حسم المواقف من الخيارات المطروحة لمستقبل العراق، خصوصاً موضوع الفيدرالية الذي يبدو أن هناك تغييراً بشأنه في الجانب السنـّي الذي لم يعد يعارضه كلياً وإنما يبدي استعداداً للبحث فيما يمكن أن يكسبه منه.

 ما حصل من ضجة حول الاتفاق أظهر الأمريكيين في موقف التراجع والضعف، فيما أظهر الإيرانيين في موقع من يقرر ويجيز. وإذا كان الاتفاق الأمني يعني دوام الحال على ما هو الآن فلا داعي له أصلاً؛ لأن الكل يعلم أن القوات الأمريكية وسلطة الاحتلال تتصرف بلا استئذان وبحكم الأمر الواقع. أما إذا وقع اتفاق، وفيه مصل هذه البنود، فإنها ستتصرف عندئذٍ بغطاء شرعي تماماً، وبشبه مباركة عربية، وهي ستتكفل بأن تفعل ما يحلو لها حتى لو لم يكن مجازاً في الاتفاق، بمقدار ما ستتكفل بألا يحدث أي "إجماع سياسي" عراقي في أي يوم ليطالبها بالخروج.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات