إسرائيل ومؤتمر أنابوليس.. علاقات عامة أم أفق سياسي!!

إسرائيل ومؤتمر أنابوليس.. علاقات عامة أم أفق سياسي!!

  • 25 نوفمبر 2007

استناداً إلى التصريحات والمواقف الصادرة عن الجهات الإسرائيلية والأمريكية حول "مؤتمر أنابوليس"، يمكن السير في منحى التحري الإجمالي لطبيعة هذا المؤتمر ونتائجه، وتحديداً في المجال الفلسطيني. فقد أفصحت تلك التصريحات عن كثير من النقاط التي تثير التساؤلات في أوساط المهتمين بالمؤتمر. وصار من السهل التنبؤ بكثير من ملامح السلوك الإسرائيلي.

 ويمكن تعيين نقطة البداية في فهم هذا السلوك، من هوية الموقف الأمريكي التي تم التعبير عنها تباعاً، من قبل الرئيس "بوش" ووزيرة خارجيته "رايس". ولا يحتاج المراقب إيراد أدلة لإثبات أن الرئيس "بوش" أخذ يميل إلى اعتبار المشكلة الفلسطينية لبّ الصراع في المنطقة، وأنه يسعى إلى حل الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني كمفتاح لمعالجة المشكلات الإقليمية الأخرى.

 وقد درج المحللون على الإشارة إلى أن من أبرز الأسباب التي دفعت الرئيس "بوش" للمبادرة لعقد هذا المؤتمر الدولي تتعلق برغبته في تعويض الإخفاقات الأمريكية المتواصلة في الشرق الأوسط؛ بعد ازدياد الفوضى في العراق، وتعزز قوة إيران وحلفائها، بما في ذلك "حزب الله" وحركة "حماس" التي سيطرت على قطاع غزة، وانتشار خلايا "القاعدة"، وارتفاع أسعار النفط التي تكلف الولايات المتحدة أعباء مالية إضافية. ومن المفترض -وفق المنظور الأمريكي- أن يتيح التقدم في حل النزاع بين إسرائيل والفلسطينيين تقليص التهديدات وزيادة عوامل الاستقرار الإقليمي. وبالتالي يعدّ "مؤتمر أنابوليس" أداة لدفع وتحريك المفاوضات السياسية، على أمل أن يؤدي ذلك إلى توفير بعض العوامل المساعدة لحل مشكلات أخرى في الشرق الأوسط.

وارتباطاً بذلك، يعتقد "بوش" أن محاولة التوصل إلى تسوية بين إسرائيل والفلسطينيين سيساعد الولايات المتحدة على تشكيل ائتلاف واسع في العمل ضد إيران. وقد فضحت شهادة "رايس" أمام الكونغرس (يوم 24/10) الغرض الفعلي الذي تريده الإدارة الأمريكية من "مؤتمر أنابوليس"، خصوصاً رغبتها في تشكيل محور يضم إسرائيل والدول العربية التي توصف بـ"المعتدلة"، وإيجاد حالة اندماج (في حوار وتجارة واستثمارات..) لحماية المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط أمام أكبر تحد بالنسبة لها الآن، وهو إيران. ويمكن أن نضع على هذه الخلفية رغبة "رايس"، التي تتولى ملف "مؤتمر بوش" الدولي، بأن تقدم لرئيسها "هدية وداعية"، تناسب التوجه الاستراتيجي الأمريكي المعتمد، عبر لقاء قصير يجمع الكثير من المشاركين، ويكون فيه النجمان اللامعان رئيس الحكومة الإسرائيلية "إيهود أولمرت" ورئيس السلطة الفلسطينية "محمود عباس"، كصّناع للسلام القادم، على أساس تصريح أو اتفاق يُجمل المبادئ التي ستجري المفاوضات بموجبها من أجل "إقامة دولتين لشعبين"، مع خطابات يتم فيها التركيز على مباركة جهود الطرفين.

 ومع أن "رايس" تؤكد أنها لا تبحث عن عملية التقاط صورة أخرى، إلا أنها أوكلت الصورة للإسرائيليين والفلسطينيين وحدهم، لتقديم "بيان مشترك". ولا حاجة للبرهنة على أن "رايس" تركت عملياً لإسرائيل أمر إعداد هذا البيان، بسبب اختلال ميزان القوى لصالحها، وتجنب الإدارة الأمريكية الصريح ممارسة أي ضغوط على حكومة "أولمرت".

 ويتأكد هذا الحكم حين يضع المراقب هوية الموقف الإسرائيلي من "مؤتمر أنابوليس"، على أرضية التوجهات الاستراتيجية الأمريكية؛ حيث سيلاحظ فوراً معطى في غاية الأهمية، يتلخص بما كررت "رايس" التعبير عنه وهو أنها لن تفرض على إسرائيل أي شيء لا يكون مقبولاً لديها، ولن تجبر "أولمرت" لفعل أمر ما يعتبر أنه يشكل خطراً على أمن إسرائيل، واتفقت معه على عدم عرض حلول لقضايا الحل الدائم في "مؤتمر أنابوليس"، وعلى ألا يشمل الاتفاق جدولاً زمنياً ملزماً لتقدم المفاوضات، وأن يكون تطبيق كل اتفاق يتم التوصل إليه مرهوناً بخارطة الطريق. وفضّلت "رايس" مع وزيرة الخارجية الإسرائيلية "تسيبي ليفني" اعتماد اصطلاح "الأفق السياسي"، للتعبير عن اتفاق يتم تأجيله إلى أن تتمكن السلطة الفلسطينية من بسط سيطرتها الكاملة على المناطق الفلسطينية، وليس خطة يجري تطبيقها فوراً.

 وتتضمن التوجهات الإسرائيلية في هذا الشأن، أن يكون "بيان أنابوليس" عمومياً، وأن يبدو كإعلان للنوايا، دون جدول زمني قريب، ودون تقييد إسرائيل بالموافقة على التزامات واضحة، مع غياب أي تفاهم حول المسائل الجوهرية (وخاصة موضوعي القدس واللاجئين). والتعليل الذي يساق هنا يدور حول ضرورة الحفاظ على وحدة الائتلاف الحزبي الحكومي الإسرائيلي. ففي ظل وجود خلافات حول هذه المسائل بين الأطراف الحزبية المؤتلفة ضمن الحكومة، وتهديدات كل من "إسرائيل بيتنا" و"شاس" بتفكيك الحكومة إذا وافقت على بحثها في "أنابوليس"، فإن ثمة تخوفاً من أنه إذا وافق "أولمرت" على ما يمكن فهمه بأنه تنازلات في القضايا الحساسة، فسيكون مآل ائتلافه الانهيار، خاصة أن "أولمرت" لا يمتلك الخصائص التي تؤهله لإقناع الإسرائيليين (حيث يفتقر للهالة القيادية، وتنخفض شعبيته في استطلاعات الرأي، ويتم التحقيق معه في شبهات فساد..إلخ). لهذا تذهب حكومة "أولمرت" إلى "أنابوليس" وهي في وضع حرج.

 يُفهم من هذه الصورة أن إسرائيل تفضل أن تنخرط بعد "مؤتمر أنابوليس" في "عملية سياسية" طويلة المدى نسبياً، تشمل تسويات جزئية، وفق تراتبية خارطة الطريق، على قاعدة مركزية مسألة الأمن الإسرائيلي. والترجمة العملية لذلك أن أي خطوة في اتجاه إقامة دولة فلسطينية ستكون مرهونة بشرط الإيفاء بالمرحلة الأولى في خطة خارطة الطريق، التي تنطوي على قيام الجانب الفلسطيني بأعمال متواصلة ومركزة لتفكيك البنى التحتية والقدرات العسكرية لفصائل المقاومة في المناطق الفلسطينية.

 ولما كانت إسرائيل تدرك الصعوبات التي تعترض تحقيق هذا الهدف، فإنها تبذل جهودها لجعل مسيرة "مؤتمر أنابوليس" وما بعده تتركز على القيام بخطوات تمهيدية تسبق إقامة الدولة الفلسطينية. ويمكن إيجاز هذه الخطوات، بما يلي: إجراء إصلاحات ملموسة في المؤسسات الفلسطينية(الأمنية والمدنية والاقتصادية..)؛ إحداث تغيير جوهري في الحياة اليومية في الضفة الغربية، من أجل حشد تأييد الجمهور الفلسطيني للعملية السياسية؛ إتاحة المجال لتعزيز قوة رئيس السلطة محمود عباس وحركة "فتح" مقابل "حماس" والفصائل الرافضة للتسوية؛ إيجاد إطار دبلوماسي للاستمرارية، حتى لا تلفظ العملية السياسية أنفاسها بعد "مؤتمر أنابوليس"؛ وأخيراً تكريس حالة عزل "حماس"، ومواصلة التعاون بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية وأطراف الرباعية الدولية لإضعافها، ولتوليد قوة احتجاج داخلية تفقد "حماس" القدرة على الاستمرار كقوة مقاومة وممانعة.  

 وخلال السعي المفترض لتحقيق هذه المتطلبات، تركن إسرائيل إلى ما تعتبره "وضعية مريحة" لظروفها العامة، عبر تحررها من أي إرغامات قد تؤدي إلى خفض رصيدها الاستراتيجي. ففي هذا الرصيد هامش كبير يتيح لها الاستجابة لرغبة الإدارة الأمريكية ومساعدة الرئيس "بوش" وحزبه الجمهوري في تقديم كشف حساب رابح على صعيد السياسة الأمريكية في المنطقة، متضمناً الشروع بعملية سياسية تترك مرتسماتها على صعيد المنطقة. وفي الوقت ذاته تصل إسرائيل إلى "مؤتمر أنابوليس" في بيئة سياسية عربية تتضمن شبه إجماع على "مبادرة السلام" التي تتبناها الجامعة العربية والتي تعرض على إسرائيل مسبقاً التطبيع في العلاقات، أي بطاقة دخول إلى "نادي الشرق الأوسط"، في حال موافقتها على الاستجابة لاستحقاق السلام على المسار الفلسطيني، وهو ما يعني معرفة إسرائيل مضامين "ثنائية الصراع-السلام" وتحديد معالمها الرئيسة.

 وإذا كان من المطلوب أن تبدي إسرائيل مرونة في نهجها السياسي، اتساقاً مع ضخامة الصفقة المعروضة عليها، إلا أن غياب الآلية والضغوط العربية الفعالة لإخراج تعبيرات هذه المرونة إلى حيز الفعل، يتيح لإسرائيل فرصة اللعب بعملية السلام مع الفلسطينيين، ومحاولة خفض سقف الطموحات الفلسطينية، لتكون النتيجة تسوية بالمقاسات الإسرائيلية فقط؛ تسوية تغذي المبررات الواهية لتصريح وزيرة الخارجية الإسرائيلية "ليفني" الموجه للعرب؛ "لا تكونوا فلسطينيين أكثر من الفلسطينيين". ومن المقدّر أن تكون الصيغة التنفيذية للأداء الإسرائيلي المنسجم مع تلك المحاولة معنية بالمزج بين مقتضيات "العلاقات العامة" وقواعد "إدارة الأزمة" والترغيب بوجود "أفق سياسي" في العلاقة مع الفلسطينيين… وهنا تنتقل الكرة إلى الملعب الفلسطيني.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات