إسرائيل والمبادرة العربية.. عودة المناورات القديمة

إبراهيم عبدالكريم: إسرائيل والمبادرة العربية.. عودة المناورات القديمة

  • 14 ديسمبر 2008

تتيح التصريحات الإسرائيلية المتواترة التي أعقبت ظهور "مبادرة السلام العربية"، التي أقرتها قمة بيروت العربية عام 2002، رسم مشهد إجمالي بتفاصيل واضحة. ومن المثير للاهتمام أنه بعد كل ما نشر من هذه التصريحات، عاد الحديث عن المبادرة إلى صدارة الاهتمامات لدى مختلف مكونات الطيف السياسي الإسرائيلي، ولكن كيف؟ ولماذا؟..

يمكن تحديد بداية الانطلاق في معالجة هذه المسألة عبر تمييز حالة خاصة تتعمد الحديث عن "المبادرة السعودية" التي سبقت بنحو ستة أسابيع عملية تضمينها في "المبادرة العربية". ويدرك الإسرائيليون أن المبادرتين تتفقان حول المطالبة بانسحاب إسرائيل الكامل من جميع الأراضي العربية المحتلة منذ 1967، وقبول إسرائيل قيام دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة عاصمتها القدس الشرقية، وذلك مقابل قيام الدول العربية بإنشاء علاقات طبيعية في إطار سلام شامل مع إسرائيل. كما يدرك الإسرائيليون أن الفارق الجوهري بين المبادرتين يتمثل بنصين في المبادرة العربية، هما: "التوصل إلى حل عادل لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين يتفق عليه وفقاً لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194"، و"ضمان رفض كل أشكال التوطين الفلسطيني الذي يتنافى والوضع الخاص في البلدان العربية المضيفة".

وتبين تفصيلات المواقف الإسرائيلية حول مختلف الموضوعات المثارة، أن الحد الأبرز في هذه المواقف هو "الرفض المطلق" للمبادرة. وقد كثرت في هذا المنحى استخدام مفاهيم ومصطلحات ومفردات تتسم بدلالة حازمة على أن المبادرة العربية تعد "وصفة لتدمير دولة إسرائيل". ولدى إيراد التعليلات الرامية لتبرير الرفض الإسرائيلي للمبادرة (السعودية ثم العربية) كان هناك تركيز إسرائيلي على أن الانسحاب الكامل حتى خطوط الرابع من يونيو/حزيران 1967 يعني العودة إلى "حدود أوشفيتس"، كما وصفت في الخطاب الإسرائيلي التقليدي، والتعرض لكارثة اقتصادية، ونشوب حرب أهلية فظيعة وفوضى لدى إخلاء مئات آلاف المستوطنين.

واستأثرت العبارات الخاصة بحل مشكلة اللاجئين في المبادرة العربية بالقدر الأكبر من عوامل الرفض الإسرائيلي للمبادرة؛ فقد انطوى هذا الرفض على اعتبار أن تجسيد "حق العودة" سيؤدي إلى دولتين فلسطينيتين وليس إقامة دولتين للشعبين. وحسب هذه الرؤية، ستشكل عودة لاجئين فلسطينيين إلى إسرائيل، حتى لو كانت جزئية، ضربة مدمرة لجوهر دولة إسرائيل، ديمغرافياً وأخلاقياً وثقافياً، ومسيرة نحو واقع ثنائي القومية في البداية وأحادي القومية (فلسطينية) في النهاية؛ حيث ستضم الدولة الفلسطينية المستقبلية إليها دولة إسرائيل التي ستتحول بالتدريج إلى فلسطينية هي أيضاً لدى عودة اللاجئين، وبالتالي عليكم أيها اليهود أن تحملوا حقائبكم وترحلوا!!!.

استباقاً لهذه النتيجة التي حددها العقل العنصري الصهيوني، من الطبيعي أن يكون هناك خيار وحيد يتلخص بعدم موافقة إسرائيل أبداً على القرار 194، والنظر إليه على أنه "خط أحمر". وطالما أن موضوع عودة اللاجئين ورفض توطينهم يعدّ أحد مقومات المبادرة العربية، بصرف النظر عن المصطلح الإشكالي الخاص بحل "يتفق عليه"، هنا يجد الإسرائيلي نفسه أمام خيار الرفض ذاته لموضوع عودة اللاجئين، كما هو الحال لسواه مما ورد من استحقاقات يطلب إلى إسرائيل تقديمها حسب "صفقة المبادرة"، وهو ما ينسف أي موافقة عليها من أساسها. وعند حد الرفض هذا لا تزال تتمترس غالبية الأحزاب والأوساط السياسية الإسرائيلية.

في موازاة قوى الرفض هذه، وجدت قوى إسرائيلية تعتمد موقف "القبول المشروط" للمبادرة وتجزئتها إلى نقاط إيجابية يمكن التفاوض حولها، وأخرى سلبية يتعين استبدالها لما تشكله من مخاطر وجودية على إسرائيل. وتعد الشروط التي يوردها الإسرائيليون، عملياً، بمنزلة تقويض للأركان الأساسية للمبادرة العربية، مع الإبقاء على عملية إجرائية وآلية معتمدة للتفاوض والتطبيع وتمرير العديد من الطروحات التقليدية الإسرائيلية؛ إذ إن "السحر" في المبادرة ينبع من كونها إعلان مبادئ فقط وليست خطة تفصيلية، ولهذا يمكن الحديث بالشعارات والمساومة حول الصيغ، وتأجيل دفع الثمن. وحتى في ظل موافقة بعض الإسرائيليين على دولة فلسطينية والانسحاب من القدس الشرقية، هناك من يرى أن الأمر سيفضي إلى وجود دولة محكومة بالاعتبارات الأمنية والسياسية الإسرائيلية، وستكون عاصمتها في ضواحي القدس، أي خارج البلدة القديمة التي تعتبر في فهم الإسرائيليين "صخرة أساس وجودهم".

أما حول موضوع عودة اللاجئين، فقد عني أصحاب القبول الإسرائيلي المشروط بالمبادرة العربية بمحاولة تعديل الموضوع في ضوء الإرغامات العملية، عبر تفسير "حق العودة" للاجئين الفلسطينيين، بأنه بدلاً من عودتهم الشاملة إلى أماكنهم الأصلية في نطاق دولة إسرائيل، يمكنهم أن يعودوا إلى هذا النطاق بأعداد رمزية متفق عليها (جمع شمل عائلات، بضعة آلاف على مدى عشر سنوات)، لكن عودة قسم كبير منهم (من المقيمين في لبنان أساساً) قد تكون إلى الدولة الفلسطينية التي ستقوم مستقبلاً في حال التوصل إلى تسوية شاملة. فيما يهتم التوصيف الإسرائيلي بوجوب تمحور الجهد العربي والدولي الأساسي حول تحسين أوضاع اللاجئين الفلسطينيين في البلدان التي يوجدون فيها، وفي كل دولة في العالم لديها الاستعداد لأن تستوعب أعداداً منهم، للوصول في نهاية المطاف إلى حمل الفلسطينيين والعرب على التخلي التدريجي عن "أوهام" عودة اللاجئين.

في ضوء هذا التباين بين حدي "الرفض المطلق" و"القبول المشروط"، ظلت الدبلوماسية الإسرائيلية تعتمد المناورة أسلوباً رئيساً حيال المساعي العربية التي أعقبت قرار قمة الرياض (28-29/3/2007) بشأن تفعيل مبادرة السلام العربية عبر اتصالات ستقوم بها فرق عمل خاصة على كل المستويات. وكان الرد الإسرائيلي على زيارة الوفد العربي (وزيري خارجية مصر والأردن) في يوليو/تموز2007، يتراوح بين الحدين السابقين ذاتهما، مع إبداء الاستعداد لمناقشة المبادرة، وتبادل وجهات النظر، وإظهار التقدير لفكرة التطبيع والتعاون والتفاوض دون شروط مسبقة وإجراء الاتصالات بين الدول العربية وإسرائيل، وقيام الدول العربية "بدور هام" في مساعدة إسرائيل والفلسطينيين على صنع السلام، وتعزيز القوى الفلسطينية والعربية والإقليمية المعتدلة في مواجهة "قوى التطرف والإرهاب" التي تشكل الخطر الراهن والأساسي على استقرار الشرق الأوسط.

وإلى الآن، لا تزال هذه المقولات ذاتها تتردد على ألسنة المسؤولين الإسرائيليين، ولعل من أبرز التوجهات الإسرائيلية في هذا الشأن فكرة الفصل بين "التطبيع مع العرب" و"قبول إسرائيل بالمبادرة"، بتبني مبدأ "طبّعوا أولاً كمقدمة لإقامة تعايش سلمي"، مع منح إسرائيل أفضلية لاتفاقيات منفصلة مع الأطراف العربية على أن توقع اتفاقاً شاملاً مع الدول العربية مجتمعة.

ونظراً لبقاء المبادرة العربية في صلب المعادلة القائمة، فقد أخذت إسرائيل تدرك أن تجاهل يد السلام العربية الممدودة ربما يقود إلى تهديد حيوي لمستقبل المشروع الصهيوني برمته. وراح كبار المسؤولين الإسرائيليين يكررون الحديث في الآونة الأخيرة عن إمكانية التفاوض في إطار مبادرة السلام العربية، مع التركيز على إدخال تعديلات عليها، وتوحيد مسارات التفاوض مع العرب. وعاد الرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز إلى طرح مشروعه القديم حول "الشرق الأوسط الجديد"، عبر بوابة "مؤتمر سلام إقليمي"، وإجراء مفاوضات مع العالم العربي للتوصل إلى سلام شامل.

وبالتزامن مع ذلك نشأت حاجة إلى شرح المبادرة على أوسع نطاق بين الإسرائيليين. وبموجب اتفاق مع السلطة الفلسطينية وأطراف عربية أخرى، تم نشر إعلانات ضخمة مدفوعة الأجر في جميع الصحف الإسرائيلية الكبرى (يوم 20/11)، تضمنت الترجمة العبرية الكاملة لمبادرة السلام العربية، وأعلام كل الدول العربية والإسلامية التي تتعهد بالسلام وإقامة علاقات طبيعية مع إسرائيل، إذا ما استجابت هذه للمبادرة وتوصلت إلى اتفاقات سلام مع جيرانها.

 ونلاحظ هنا أن لتوقيت الحركة الإسرائيلية الجديدة مغزىً جلياً، على خلفية فوز الرئيس الأمريكي باراك أوباما، وخاصة في ظل الإشارات الكثيرة حول "النهج الجديد" الذي ستعتمده إدارته. ومن المقدر أن تكون هناك "فطنة" إسرائيلية لإمكانية تحريك عجلة المبادرة العربية، وفق معايير مغايرة لسابقاتها، تستدعي من إسرائيل التأهب لها، للتخفيف من وطأتها عليها، ومحاولة الإمساك بشراع السفينة لمنعها من السير خلافاً لجهة الرياح الإسرائيلية.

Share