إرادة المصالحة الوطنية

  • 15 يونيو 2010

في الكثير من الأزمات السياسية الداخلية، التي تعصف بمناطق مختلفة في العالم العربي، يمثّل غياب إرادة المصالحة الوطنية أو نقصها عائقاً أساسياً أمام تسوية هذه الأزمات وتجاوز آثارها الخطرة في وحدة البلاد، التي توجد فيها، وواقع التعايش ومستقبله بين أبنائها، وهذا ما وضع الأمين العام لـ "جامعة الدول العربية"، عمرو موسى، خلال زيارته لقطاع غزة، يده عليه، حينما قال إن المصالحة الفلسطينية هي إرادة وسياسة وموقف وليست مجرّد توقيع أوراق واتفاقات. إذا ما توافرت إرادة المصالحة بين الفرقاء في البلد الواحد، يمكن تجاوز الخلافات كلها مهما كانت شدّتها ودرجة تعقيدها ومقدار الحساسية التي تنطوي عليها، وفي غياب هذه الإرادة أو ضعفها لا يمكن لأي اتفاقات أو مواثيق أو تفاهمات مكتوبة أن تصمد، وإنما تعاني وربما تنهار وتتبخّر عند أول اختبار وفي مواجهة أصغر المشكلات وأقل الخلافات. هذا الأمر يبدو واضحاً ليس في الأراضي الفلسطينية بين حركتي "فتح" و"حماس" فقط، وإنما في مناطق عربية مختلفة أيضاً، ففي الوقت الذي تدعو فيه المعطيات المحيطة جميعها إلى ضرورة الإسراع في تحقيق التوافق الوطني وإنجاز ملف المصالحة الوطنية في هذه المناطق، تظلّ هذه المصالحة غائبة أو منقوصة لأن إرادة التحرّك إليها من قبل الأطراف المختلفة ضعيفة. والنتيجة الطبيعية لهذا الوضع هي اضطراب الأوضاع السياسية والاجتماعية والأمنية، وزيادة حدّة الاحتقانات الطائفية والعرقية بين أبناء الشعب الواحد، والتدخّل الخارجي في الشؤون الداخلية وغيرها من الآثار الخطرة بعيدة المدى، التي تتعلّق بوحدة البلاد وسيادتها.

هناك جهود كبيرة بذلت وتبذل على أكثر من مستوى لتحقيق المصالحة والتوافق الوطني في العراق والأراضي الفلسطينية والصومال وغيرها، كما أن هناك الكثير من الاتفاقات والأوراق والمشروعات والمقترحات التي تمّ تقديمها لهذا الغرض، إلا أن الحكومة العراقية الجديدة غير قادرة على أن ترى النور بعد أشهر من الانتخابات النيابية التي أجريت في شهر مارس الماضي. والانقسام الجغرافي والسياسي في الأراضي الفلسطينية المحتلة ما زال حاضراً، في الوقت الذي يواجه فيه الفلسطينيون تحدّيات مصيرية خطرة. والأوضاع في الصومال تعاني الاضطراب الخطر ولا يظهر في الأفق ما يشير إلى طيّ صفحة الصراع هناك، وهذا كلّه لأن إرادة المصالحة الوطنية غير كاملة وغير قادرة على أن تفرض نفسها وتعلي كلمتها.

مهما بذلت أطراف مختلفة من جهود أو قدّمت من مقترحات وأفكار، فإن هذا كلّه لن يكون فاعلاً إذا لم تقرّر القوى السياسية الداخلية المتصادمة التوجّه الصادق النابع من إرادة حقيقية، نحو إنهاء خلافاتها ومشكلاتها، وإذا لم تستقر في ذهنها حقيقة أساسية هي أنه في الصراعات الأهلية لا ينتصر أحد وإنما يخسر الجميع. الخطر في الأمر أن الجميع يرفعون شعار المصالحة، لكن الشعار لم يتحوّل بعد إلى خطوات وسياسات وأفعال.

Share