إدارة بوش: من سياسة فرض العزلة إلى الانعزال

فتوح هيكل: إدارة بوش... من سياسة فرض العزلة إلى الانعزال

  • 3 مايو 2007

يلحظ المتابع للشؤون الدولية أن السياسة التي اتبعتها إدارة الرئيس الأمريكي "جورج بوش" خلال السنوات الماضية، والتي تقوم على محاولة فرض العزلة الدولية على الدول والجماعات التي تصفها بالمارقة نتيجة تبنيها لسياسات وتوجهات مناوئة للتوجهات الأمريكية كإيران وسورية وحركة حماس، تعرضت في الفترة الأخيرة إلى اختراقات كبيرة نالت من جوهرها، وجعلت جدار العزلة الذي تسعى واشنطن إلى فرضه على هذه الدول والجماعات مترهلاً وضعيفاً، في الوقت الذي بدأت فيه الإدارة الأمريكية نفسها تعاني الانعزال، ليس فقط على المستوى الخارجي بعد تراجع الكثير من حلفائها عن تأييد سياساتها ومواقفها، ولكن أيضاً على المستوى الداخلي، خاصة بعد إحكام الديمقراطيين سيطرتهم على مجلسي الكونجرس وتأكيد إصرارهم على تغيير سياسات هذه الإدارة القائمة على استخدام منطق القوة وفرض الهيمنة، والتي أدت بحسب بعض منهم إلى نشر عدم الاستقرار في مناطق كثيرة من العالم وتراجع مكانة الولايات المتحدة ودورها العالمي.

 سياسة حصار إيران وسورية وعزلهما دولياً بهدف إرغامهما على تغيير سلوكهما والتوقف عن دعم "الإرهاب" في المنطقة و"التدخل السلبي" في شؤون العراق وغير ذلك من اتهامات دأبت واشنطن على توجيهها للدولتين، لم تنجح في تحقيق الهدف منها، بل دفعت، على العكس من ذلك، الدولتين إلى زيادة دورهما في المنطقة وامتلاك المزيد من الأوراق الإقليمية التي يمكن أن تساعدهما في مواجهة أية تطورات محتملة، الأمر الذي أدى إلى تفاقم مشكلات المنطقة وتزايد تعقيدها وتشابكها، ودفع الكثيرين، ومن بينهم لجنة بيكر-هاميلتون، إلى المطالبة بإعادة النظر في هذه السياسة وفتح قنوات الحوار مع هاتين الدولتين باعتباره أمراً حيوياً لتحقيق الاستقرار في المنطقة ككل وفي العراق بشكل خاص.

 ورغم ذلك فقد أصرت إدارة "بوش" على مواصلة سياسة الحصار والعزل تجاه الدولتين، وساعدها الموقف المتشدد الذي تبنته إيران إزاء برنامجها النووي، والذي أثار شكوك كثير من القوى الإقليمية والدولية بشأن نواياها الحقيقية ومدى رغبتها في امتلاك السلاح النووي، في إقناع الدول الأعضاء في مجلس الأمن بتبني القرار رقم 1737 الذي فرض بعض العقوبات المحدودة عليها لحملها على وقف عمليات تخصيب اليورانيوم، كما تعمل الآن جاهدة على إصدار قرار دولي جديد يشدد هذه العقوبات بعد رفض طهران الاستجابة للقرار السابق، وهو توجه تدعمه الدول الأوروبية وتعارضه الصين وروسيا ودول عدم الانحياز.

 غير أن هذه الإدارة نفسها، عادت من جديد وطرقت، تحت وطأة الوضع المتفاقم في العراق، باب الحوار والتفاوض مع طهران، واجتمعت معها بشكل مباشر ولأول مرة خلال المؤتمر الإقليمي-الدولي حول العراق الذي عقد في بغداد خلال مارس/آذار الماضي، وهو ما اعتبره بعض المراقبين تحولاً في موقف الإدارة الأمريكية من سياسة الانفراد وعزل الآخرين إلى الدبلوماسية النشطة مع كافة الأطراف. وفي الوقت الذي تواصل فيه الحوار بين الأوروبيين والإيرانيين حول ملف طهران النووي عبر الاجتماعات الثنائية المتكررة التي جمعت بين المنسق الأعلى للسياسة الخارجية الأوروبية "خافيير سولانا" ورئيس مجلس الأمن القومي الإيراني "علي لاريجاني"، أعلنت رئيسة مجلس النواب الأمريكي، "نانسي بيلوسي" يوم 11 أبريل/نيسان الماضي، ترحيبها بالاقتراح الذي تقدم به رئيس لجنة العلاقات الدولية في المجلس "توم لانتوس" القيام بزيارة دبلوماسية لطهران وفتح حوار مع الرئيس الإيراني "أحمدي نجاد" رغم تصريحاته التي وصفتها بـ "غير المنصفة والخارجة عن إطار التمدن"، بل إن عدداً من التقارير الصحفية تحدثت عن طلبها رسمياً تأشيرة دخول لطهران، وهو ما عُد مؤشراً واضحاً على وجود قناعة أمريكية بفشل سياسة فرض العزلة على طهران.

 ولا يعني ذلك بطبيعة الحال أن احتمال تعرض إيران للعزلة والحصار قد تلاشى؛ فاستمرار الموقف الإيراني المتشدد إزاء الملف النووي والقضايا الإقليمية المختلفة قد يدفع مجلس الأمن إلى فرض مزيد من العقوبات المشددة على طهران تضعها بالفعل في دائرة الحصار والعزلة، وهو أمر بات مرجحاً بعد إعلان إيران نجاحها في تخصيب اليورانيوم بمستويات صناعية يوم 9 أبريل/نيسان الماضي.

 وبالنسبة لسوريا، فإن المؤشرات الدالة على كسر العزلة المفروضة عليها منذ اغتيال "رفيق الحريري" في فبراير/شباط 2005، تبدو أكثر وضوحاً، لاسيما بعد الأزمة السياسية التي دخلها لبنان عقب انتهاء حرب يوليو/تموز 2006، والتي يرى كثير من المراقبين والمسؤولين الغربيين أن سوريا هي المحرك لها، وهي التي بيدها مفتاح الحل والقدرة على تسويتها. ومن هذه المؤشرات الزيارات التي قام بها وزراء خارجية: إسبانيا "ميجيل إنجيل موراتينوس"، وألمانيا "فرانك فالتر شتاينماير"، وهولندا "روبرت بوت"، وبلجيكا "كارل دو غيرت" لدمشق، فضلاً عن الزيارة المهمة التي قام بها "خافيير سولانا" في مارس الماضي، والتي قدم خلالها "سلة حوافز" تتضمن حوافز اقتصادية وسياسية مثل توقيع اتفاقية الشراكة والتركيز على الجولان المحتل وتقديم مساعدات للاجئين العراقيين مقابل قيام سورية بـ "تطوير سلوكها" من خلال دعم استقرار لبنان ولعب دور إيجابي فيه، والضغط على حماس لاتخاذ مواقف براجماتية، وضبط الحدود مع العراق ودعم العملية السياسية فيه. وأخيراً الزيارة التي قام بها الأمين العام للأمم المتحدة "بان كي مون" لدمشق يومي 24 و25 أبريل/نيسان الماضي وبحث خلالها جهود تحقيق السلام في الشرق الأوسط.

 غير أن التطور الأهم في كسر هذه العزلة جاء من الولايات المتحدة نفسها، وعكسته زيارة "نانسي بيلوسي"، ثالث أهم شخصية سياسية في هرم السلطة بالولايات المتحدة، إلى دمشق مطلع الشهر الماضي، بعد أيام قليلة من زيارة مماثلة قام بها بعض أعضاء الكونجرس الأمريكي من الحزب الجمهوري، وهي الزيارة التي ووجهت بانتقادات شديدة من البيت الأبيض، الذي اعتبر أنها تبعث برسالة خاطئة لسورية مفادها أنه يمكن كسر العزلة المفروضة عليها ومكافأتها على "إرهابها" في الوقت الذي يجب أن تتعرض فيه للعقاب والحساب. وقد عكست هذه الزيارة وجود انقسام واضح داخل الولايات المتحدة حول كيفية التعامل مع سوريا، فبينما يقتنع الديمقراطيون بضرورة الحوار معها بعد أن أثبتت مقاطعتها فشلها في دفعها إلى تغيير مواقفها، يصر فيه البيت الأبيض على إبقاء الحصار السياسي عليها مستمراً حتى تستجيب للمطالب الأمريكية، وإن كان الأخير قد أبدى بعض المرونة التي عكستها تصريحات "رايس" يوم 30 أبريل، وأشارت فيها إلى إمكانية الالتقاء بوزير الخارجية السوري "وليد المعلم" على هامش مؤتمر شرم الشيخ الخاص بالعراق في مايو الحالي.

 وفي الملف الفلسطيني، تعرض جدار العزلة الذي فرضته إدارة "بوش" على الحكومة الفلسطينية التي شكلتها حركة حماس عقب فوزها بالانتخابات التشريعية التي جرت مطلع العام 2006 لاختراقات مهمة، لاسيما بعد تشكيل حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية الجديدة في مارس الماضي؛ حيث أعلن القادة العرب خلال قمتهم التي عقدوها في الرياض رفض التعامل مع الحصار المفروض على الشعب الفلسطيني بكافة مظاهره، كما ألغت بعض الدول الأوروبية مثل النرويج والسويد وسويسرا إضافة إلى روسيا هذا الحصار، وأكدت أنها ستواصل تعاونها بشكل مباشر مع الحكومة الجديدة. ورغم هذه الاختراقات فإن جدار العزلة لا يزال قائماً بفضل الضغوط الأمريكية-الإسرائيلية، وإن كان بدرجة أقل حدة من السابق؛ حيث لا تزال الكثير من الدول الأوروبية والغربية تقاطع الحكومة الجديدة، إما بشكل كلي، أو بشكل جزئي من خلال التعامل مع بعض أعضائها الذين لا ينتمون لحركة حماس.

 في المقابل، بدأت إدارة "بوش" نفسها تواجه عزلة متزايدة على المستوى الداخلي بعد سيطرة الديمقراطيين على مجلسي الكونجرس وممارسة ضغوطهم على هذه الإدارة لتغيير المسار السياسي الحالي الذي تنتهجه في معالجة العديد من القضايا الداخلية والخارجية، ومن أبرز المؤشرات على ذلك القانون الذي مرره الكونجرس الأمريكي مؤخراً، والذي يربط تمويل القوات الأمريكية في العراق بوضع جدول زمني للانسحاب من هناك بحلول مارس/آذار 2008، ومطالبة الديمقراطيين بتطبيق توصيات لجنة بيكر-هاميلتون والتي تدعو إلى الحوار مع دول مثل سورية وإيران لتسوية الأزمة العراقية، والانخراط في دور أكبر لدفع العملية السلمية في المنطقة، وهو ما عكسته بوضوح الزيارة التي قامت بها "نانسي بيلوسي" للمنطقة، ولسورية تحديداً، وكذلك تلميحها بإمكانية زيارة إيران.

 وعلى المستوى الخارجي، تحاول الكثير من الدول النأي بنفسها عن السياسات التي تنتهجها هذه الإدارة، والتي جعلت العالم أقل أمناً واستقراراً، فالتحالف الذي تقوده واشنطن في العراق أصبح ضعيفاً ومتهالكاً بعد انسحاب الكثير من الدول المشاركة فيه، والتوجه المتشدد الذي تتبناه الإدارة تجاه إيران وسوريا وكوريا الشمالية لا يجد الكثير من المؤيدين، في الوقت الذي أصبحت فيه قدرة واشنطن على شن أية هجمات أو الدخول في مواجهات مسلحة مع أية قوى أخرى بشكل منفرد، محدودة ومستبعدة، نتيجة تورطها في المأزق العراقي، الأمر الذي دفع مستشار الأمن القومي الأمريكي السابق "زينجو بريجينسكي" إلى القول في كتابه الأخير "رقعة الشطرنج الكبرى" إن الولايات المتحدة أضاعت فرصة تاريخية لقيادة العالم وأن عليها انتظار فرصة أخرى قد لا تأتي قريباً.

 لقد أثبتت التطورات التي شهدتها المنطقة والعالم أن سياسة الحصار وفرض العزلة على الآخرين، التي اتبعتها واشنطن في السنوات الأخيرة، لم تجد نفعاً، ولم تؤد سوى إلى زيادة نفوذ القوى المراد حصارها وعزلها، في الوقت الذي أدت فيه السياسات الانفرادية التي انتهجتها الإدارة الأمريكية تجاه العديد من القضايا إلى وضع القوة الأعظم في مأزق عالمي خطير، وأفقد هذه الإدارة مصداقيتها داخلياً وخارجياً، وسبب العديد من الكوارث لاسيما في منطقة الشرق الأوسط التي أصبحت تقف اليوم فوق "برميل بارود" على وشك الانفجار، وهو ما يؤكد من جديد أهمية استدعاء الحوار البناء والهادف كأساس للتعامل مع الأزمات المختلفة في هذه المنطقة .. فهل تنصت إدارة "بوش" لصوت العقل وتغلب لغة الحوار، أم تستمر في سياستها القائمة على العزل والمواجهة بكل ما قد يترتب عليها من آثار كارثية، ربما لا يمكن توقع أبعادها أو تحمل نتائجها؟.

Share