إدارة أوباما وعملية السلام: من المتاريس إلى الأفق المفتوح

  • 8 فبراير 2010

كان الرئيس الأمريكي باراك أوباما صريحاً وجريئاً حين اعترف، في حديثه مؤخراً لمجلة "التايم"، بالصعوبات التي تعترض عملية السلام في الشرق الأوسط، وبأنه أخفق في جهوده وبالغ بقدرته وتوقعاته على تحقيق إنجازات بشأنها‏.‏ ولكنه اكتفى بالإشارة العابرة إلى المشكلات السياسية لدى الجانبين، دون أن يحدد طبيعتها، وأغفل العوامل التي أسهمت في ألا تكون نتيجة الجهود الأمريكية حسبما أراد لها أن تكون.. وعندما يسعى أي محلل متابع إلى تحديد السياق العام الذي جاء فيه "الإخفاق" الأمريكي، سيلاحظ حالاً البنية المركبة لهذا السياق.

أمريكياً؛ لم يرسم أوباما، منذ البدء، مساراً ملزماً للطرفين الإسرائيلي والفلسطيني، في ضوء القرارات الدولية، بعد تحديد احتياجاتهما، بل ترك عملية السلام أسيرة المطالب المتعارضة لهذين الطرفين. وحين تصف وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون هذه العملية بأنها "في نهاية المطاف شأن بين الإسرائيليين والفلسطينيين"، يترتب على ذلك أن التسوية برمتها ستكون محكومة بعلاقات القوى القائمة بين الطرفين، وبالتالي السماح بإبقاء إسرائيل المقررة الأولى والأكبر للبحث عن حل.

كما أجهدت إدارة أوباما نفسها أشهراً طويلة في تحقيق هدف، بدا جزئياً ومحدود التأثير، حول تجميد الاستيطان، والذي كانت حكومة بنيامين نتنياهو تجرّ قدميها متثاقلة ومكرهة للتعاون معها بخصوصه. وبدلاً من أن يعطي زخماً للتفاوض بعد قمة نيويورك في سبتمبر/أيلول العام الماضي، التي جمعته مع نتنياهو ورئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس في البيت الأبيض، اكتفى أوباما بالتقاط الصور، دون أن تكون لأي منهم "جملة مفيدة" يقولها للآخر. واستمر تدفق البلاغة الكلامية والعبارات الناعمة المعهودة على لسان أوباما، وواصل كل من الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني دفع كرة المسؤولية عن جمود عملية السلام إلى ملعب الآخر.

ومع أنه تأكد تماماً أن موقف حكومة نتنياهو هو الكابح الأول لمنع أي انطلاقة تفاوضية جديدة مع الفلسطينيين، فقد برز تساؤل ملحّ عن سبب الإحجام الأمريكي عن تحديد هذا الكابح وإدانته؟. وتكمن الإجابة بأن العلاقات بين إسرائيل والولايات المتحدة لا تقوم على علاقة شخصية، وإنما على مصالح استراتيجية مشتركة، وأن أوباما يدرك أن ضعفه وتضاؤل وزن الديمقراطيين وهزيمته في الساحة السياسية الداخلية سيكون لها بالضرورة تأثير أيضاً على السياسة الخارجية لإدارته، ولهذا من البديهي ألا يتخذ خطوات من شأنها أن تغضب اللوبي الإسرائيلي أو تضع في يد خصومه الجمهوريين سلاحاً إضافياً لاستخدامه في انتخابات الكونغرس، التكميلية والفرعية، وخاصة بعد انخفاض الأغلبية الديمقراطية في مجلس الشيوخ، الشهر الماضي، من 60 إلى 59 عضواً، بانتزاع المرشح الجمهوري سكوت براون مقعد السناتور الديمقراطي الراحل تيد كينيدي. ومن المؤكد أن هذا التحول أشعل ضوءاً أحمر في أوساط المقررين ضمن إدارة أوباما وحزبه.

ولكن القصة لا تنتهي عند هذا التعليل؛ لأن الرئيس أوباما يجد نفسه مطالباً بأن يقدم إنجازات متكاملة للديمقراطيين، حتى موعد الانتخابات التمهيدية لمجلس النواب في الخريف القادم، وبالتالي من المفهوم ألا يستسلم أمام العقبات التي تواجه عملية السلام في الشرق الأوسط. وهو ما يفسر لماذا أجرى مبعوثه الخاص للشرق الأوسط جورج ميتشل هذا القدر المضني من الحوارات في المنطقة، في محاولة لتذليل العقبات التي يمتلئ بها ملف عملية السلام.. وبالرغم من تعاظم التوقعات بأن جهود ميتشل لن تكون أوفر حظاً ممن سبقوه في التعامل مع هذا الملف، فقد كان من المثير للاهتمام تسريب "خطة سلام" أمريكية، انفردت بنشرها صحيفة معاريف في الرابع من شهر يناير الماضي، تقضي بأن تجري إسرائيل والسلطة الفلسطينية مفاوضات حول التسوية الدائمة، تستغرق سنتين، تتضمن الاتفاق حول الحدود الدائمة، ثم الانتقال لمناقشة سائر المواضيع الجوهرية؛ القدس واللاجئين والاستيطان. وهنا ترتسم إشارة بالغة الدلالة، مفادها؛ إذا كانت إدارة أوباما عاجزة عن مواجهة مشكلة "التكاثر الطبيعي" في المستوطنات، حسب الموقف الإسرائيلي، فكيف ستكون قادرة على تحقيق خطوات متمادية بالتوصل إلى حل شامل للنزاع؟..

إسرائيلياً؛ كانت حكومة نتنياهو، ولا تزال، تعتقد أن "القوة" هي العنوان الأول في التعامل الدولي، وأن المفاهيم النظرية حول السلام والأمن والحوار قد تكون مناسبة للخطاب الدعائي والتنميقات المعلنة، لكن حين يتعلق الأمر بالمصالح وبالإرادات وبالسياسات المتخذة، تجزم إسرائيل بأن إدارة أوباما لن تستطيع أن تفرض أي خطوة تتعارض مع التوجهات السياسية والمصالح الأمنية الإسرائيلية. ولهذا ظلت عبارة رئيس وزراء إسرائيل الأسبق مناحيم بيغن؛ "نحن لسنا جمهورية موز"، تعدّ الموجّه الإسرائيلي الأول في عدم الانصياع لرغبة واشنطن. وحتى حين لوّح ميتشل بتهديد إسرائيل بالضمانات الأمريكية للقروض الإسرائيلية، جاء الرد الإسرائيلي الفوري من وزير المالية الإسرائيلي يوفال شتاينيتس يوم 10 يناير الماضي بأن "بإمكان إسرائيل أن تدبّر أمرها دون هذه الضمانات".

وراحت الصحف الإسرائيلية تتحدث عن "الصمود والانتصار" اللذين حققتهما حكومة نتنياهو في مواجهة أكبر دولة في العالم، وبأن أوباما لم يتجرأ على الحديث علناً عن مسؤولية هذه الحكومة وحدها في إعاقة استئناف المفاوضات، بل وزّع هذه المسؤولية؛ بأن عزا منع المضي قدماً بطريق السلام إلى بعض أطراف الائتلاف الحكومي الإسرائيلي وإلى "حركة "حماس" التي ترفض أن تعترف بإسرائيل وأن تنبذ العنف.

وسجل التيار المركزي في الرأي العام الإسرائيلي لحكومة نتنياهو قدرتها على بيع خطوة التجميد الجزئي والمؤقت للاستيطان، لعشرة أشهر، إلى إدارة أوباما، بثمن الحصول على رضاها. وفيما جعلت حكومة نتنياهو هذه الخطوة عديمة المغزى بفعل إدراج عدد كبير من المستوطنات ضمن الدرجة الأولى من "خارطة الأفضليات للتطوير والدعم الحكومية"، فقد تفهمت الإدارة الأمريكية -مضطرة- التفسير الإسرائيلي بأن هذه الخطوة لا تتعارض مع قرار تجميد البناء في المستوطنات.

وفي هذه الأثناء ظلت حكومة نتنياهو معنيّة بتسويق رغبتها باستئناف المفاوضات، متذرعة بأنها اتخذت قراراً غير مسبوق يمنح الطرف الفلسطيني سبباً للعودة إلى المفاوضات، وشنّت حملة ضد "عناد" السلطة الفلسطينية. وواصلت حكومة نتنياهو حديثها عن "حل الدولتين"، مع تفريغ هذا الحل من أي مضمون سيادي فلسطيني، وخاصة بالتركيز على شروطه التعجيزية، بدءاً من محدودية الرقعة الجغرافية للدولة الفلسطينية المستقبلية، مروراً بتجريدها من السلاح وخضوعها للسيطرة الإسرائيلية، وصولاً إلى تصريح نتنياهو حول مرابطة الجيش الإسرائيلي في نطاقها الشرقي.

ومع كل هذا، ظل نتنياهو يلوك عبارته؛ "جربوني، وسيسمع مني أبو مازن أقوالاً مفاجئة"، وهو يثق أنه لن يتحرك قيد أنملة عن موقف حكومته، ليس فقط لاعتبارات استراتيجية، وإنما أيضاً بسبب ائتلافه اليميني. وهكذا تم عرض مشهد مسرحي عبثي، من النمط الذي اعتاد نتنياهو وأقطاب حكومته على أدائه، دون إبداء ولو الحد الأدنى من المستلزمات الجدية التي تشجع الفلسطينيين على شراء البضاعة. وكان نتنياهو يؤمن في سريرته أن ضعف إدارة أوباما لن يمكّنها من ممارسة ضغط فعّال عليه للكف عن أحابيله المكشوفة.

فلسطينياً؛ من المعروف أن رئيس السلطة محمود عباس يعلق الآن في حالة هزال استراتيجي، ليس فقط مقابل نتنياهو وحكومته، بل أيضاً إزاء حالة الانقسام وسيطرة "حماس" على قطاع غزة. ولكنه مع ذلك يرفض الانسحاب من المسرح، ويسعى لأن يحقق، على طريقته، ما أمكن من سلة الأهداف الفلسطينية. لهذا أخذ يختبر خيارات متعددة في وقت واحد؛ أحدها، يقضي باعتماد خطة رئيس حكومته سلام فياض، المتضمنة بناء جهاز من البنى التحتية للدولة دون انتظار انتهاء المفاوضات، والإعلان عن إقامة الدولة في غضون سنتين أو ثلاث، والتوجه إلى الساحة الدولية للحصول على تأييد واسع لهذه المسيرة. وكان هناك خيار آخر، ينطوي على قيام الولايات المتحدة بالتفاوض مع إسرائيل بدلاً من السلطة الفلسطينية حول مضامين الحل. ثم تسربت معلومات عن إمكانية موافقة عباس على اقتراح أمريكي بإجراء "محادثات تقارب"مع إسرائيل، عبر جهة ثالثة، للعمل على استئناف المفاوضات المباشرة.

على أي حال، من المرجح أن تدفع الضغوط الخارجية والداخلية التي تتعرض لها السلطة الفلسطينية إلى نزولها عن الشجرة التي صعدت عليها، وعندئذ ستكتمل الدائرة التي تريد إدارة أوباما أن توظفها داخلياً ودبلوماسياً كتعبير عن نجاحها بكسر الجمود الحالي، للخروج من المتاريس نحو أفق مفتوح، بينما ستمضي إسرائيل في الحديث عن السلام وضرورة اعتراف الفلسطينيين بها كدولة يهودية والتسليم بأن الصراع قد انتهى، متجاهلة أن القوى الغاشمة تجدف عكس تيار التاريخ.

Share