إدارة أوباما والنووي الإسرائيلي

إبراهـيم عـبدالكريم: إدارة أوباما والنووي الإسرائيلي

  • 15 أكتوبر 2009

في تعليلها لمنح الرئيس الأمريكي باراك أوباما جائزة نوبل للسلام لهذا العام، قررت لجنة الجائزة أنها "لمست أهمية خاصة لرؤية أوباما وعمله من أجل عالم خالٍ من الأسلحة النووية،" ولا سيما إعلانه في براغ (أبريل/نيسان 2009) أنه ملتزم بنزع شامل للسلاح النووي في العالم، من خلال المصادقة على معاهدة الحظر التام للتجارب النووية، وتقليص الترسانات النووية الموجودة بما فيها الترسانة الأمريكية، وإقامة نظام جديد لوقف إنتاج المواد النووية. علاوة على ذلك، كان أوباما وراء تبنى مجلس الأمن الدولي، في سبتمبر 2009، في جلسة ترأسها بنفسه وحضرها عدد من زعماء دول العالم، قراراً بالإجماع يدعو إلى نزع الأسلحة النووية وحظر انتشارها. ولعل ذلك يستدعى بحث سياسة إدارة أوباما تجاه الملف النووي، وبصفة خاصة إزاء البرنامج النووي الإسرائيلي.

بادئ ذي بدأ، فإن المشروع النووي الإسرائيلي، الذي انطلق بالتعاون مع فرنسا منذ عام 1957 تطور بصورة سريعة، إلى أن تمكنت إسرائيل من إنتاج القنبلة النووية، بعد بضع سنوات من ذلك التاريخ. وصار الحديث يدور ظاهراً عن السر الأكبر في دولة إسرائيل. فماذا كان موقف الولايات المتحدة؟

في أوائل الستينات، وفي ظل سعيها إلى حظر نشر الأسلحة النووية في العالم، طلبت إدارة الرئيس جون كنيدي (1960-1963)، وبعدها إدارة الرئيس ليندون جونسون (1963-1968)، من إسرائيل الكشف عن برنامجها النووي، ثم الانضمام إلى معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية Nuclear Non-Proliferation Treaty (NPT)، والتي بدأ التوقيع عليها فى يوليو 1968. ولكن إسرائيل رفضت هذا الانضمام؛ لأنه يتطلب فتح منشآتها النووية أمام الرقابة الدولية والحؤول بينها وبين تطوير أسلحة نووية، ما يعني خسارتها عنصراً بالغ الأهمية في الصراع ضد العرب. وقد عمدت إسرائيل منذ بداية مشروعها النووي إلى انتهاج سياسة "التعتيم" عليه، مدعية أنها "لن تكون الأولى في إدخال سلاح نووي إلى الشرق الأوسط." وصارت هذه السياسة تشكل عنصراً مركزياً في مفهوم الأمن القومي الإسرائيلي. وفي سبتمبر/أيلول 1969، تم التوصل إلى تفاهم بين رئيسة الحكومة الإسرائيلية، غولدا مائير، والرئيس الأمريكي، ريتشارد نيكسون، تلتزم بموجبه الولايات المتحدة الصمت حيال البرنامج النووي الإسرائيلي، طالما لم يتم كشفه بشكل علني، أو لم تجر تجارب في إطاره. بعبارة أخرى، فمقابل محافظة إسرائيل على السرية التامة، أو بالأحرى "الضبابية"، بكل ما يتصل بمقدراتها الذرية، تمتنع الولايات المتحدة عن الضغط عليها للكشف عن برنامجها النووي، أو مطالبتها التوقيع على معاهدة منع الانتشار النووي.

وقد اعتمدت كل الإدارات الأمريكية والحكومات الإسرائيلية هذا التفاهم "السري". لكن بنيامين نتنياهو في ولايته الأولى (يونيو/حزيران 1996-يوليو/تموز 1999) لم يكتف به، بل طلب دعماً مكتوباً من الرئيس بيل كلينتون، مقابل موافقته على إخلاء أراضٍ نص عليها "اتفاق واي ريفر" (أكتوبر/تشرين الأول 1998). وفي نهاية المطاف، وقع كلينتون بالفعل على رسالة أكدت أن "الولايات المتحدة ستحافظ على قدرات الردع الاستراتيجية لإسرائيل، وستتأكد من أن مبادرات مراقبة  التسلح لن تضر بها في المستقبل." وبذلك نجح نتنياهو في إيجاد صلة غير مباشرة بين التنازلات الإسرائيلية في المجال الفلسطيني، والتفاهمات مع الولايات المتحدة في المجال النووي. وقد تسلم خلفه إيهود باراك رسالة مماثلة من كلينتون. وبقيت المسألة على المسار ذاته خلال السنوات التالية. وأثناء رئاسة جورج دبليو بوش، تم توقيع اتفاق أمريكي ـ إسرائيلي، في يناير 2003، لوضع إسرائيل تحت المظلة النووية الأمريكية في حال تعرضها لهجوم نووي من العراق أو غيرها.

ومع مجيء إدارة أوباما، كانت لدى إسرائيل مخاوف من إمكانية أن تطال نيته بالعمل على تفكيك الأسلحة النووية في العالم التفاهمات الأمريكية-الإسرائيلية السابقة. وظلّ الموضوع قيد الترقّب إلى يوم 5/5/2009، حين دعت نائبة وزيرة الخارجية الأمريكية (روز غوتمولر) كلاً من إسرائيل والهند وباكستان وكوريا الشمالية لدعـم (لاحظ..) معاهدة حظر الانتشار النووي. إزاء ذلك، ثارت عاصفة في إسرائيل، واعتبر هذا التصريح بمثابة "تحول درامي في سياسة الولايات المتحدة تجاه" برنامجها النووي، وأنه يشكل تطوراً خطيراً، مفاجئاً ومقلقاً، خاصة وأنه لم يسبق أن طلب الأمريكيون ذلك، ولم يتم التنسيق مع الإسرائيليين بشكل مسبق حوله. وقيل إن مجرد ذكر اسم إسرائيل في قائمة الدول التي لديها سلاح نووي، مثل الهند وباكستان وكوريا الشمالية، يشكل خروجاً عن السياسة الأمريكية الرسمية التي طالما أيدت "استراتيجية الغموض النووي" الإسرائيلي. وظهرت  تفسيرات إسرائيلية متعددة، منها أنه إذا لم تستجب إسرائيل لتوجيهات واشنطن في المفاوضات مع الفلسطينيين فسوف تُعاقَب في المكان الأكثر إيلاماً، أي الموضوع النووي. ورأى مسؤول إسرائيلي كبير أن الأخطر من التصريح هو "النهج الأمريكي الساذج" الذي يبث ضعفاً تجاه العالم العربي وإيران؛ فالأمريكيون يعطون العرب والإيرانيين هدايا مجانية، ويبدؤون بالدفع بعملة إسرائيلية. وبالمقابل، ظهرت أصوات إسرائيلية تحاول بث إحساس بأن الأمور تجري كالمعتاد. وأخذوا يتحدثون عن "مرونة" الصيغة الأمريكية الجديدة، بأنها لم تتوجه إلى إسرائيل، ورفيقاتها في "مجموعة الرفض"، بالدعوة للتوقيع على معاهدة منع الانتشار النووي، بل إنها تريد منها "دعماً" للمعاهدة. ويمكن تفسير هذا المصطلح كتسوية تهدف لإيجاد رابط بين إسرائيل والمعاهدة، لكنه أقل التزاماً من الانضمام التام إليها.

ولكن بعد أن عملت آلة الضغط الإسرائيلية، لم يطل وقت الإعلان عن توضيحات أمريكية تبطل عملياً مفعول تصريح غوتمولر. فبعد يومين من صدوره، أبرزت صحيفة يديعوت أحرونوت (7/5/2009) تصريحاً لمسؤول أمريكي كبير مفاده أن الانضمام لمعاهدة منع الانتشار النووي لن يمس بإسرائيل، ولن يوقع أي ضرر بالمصالح الإسرائيلية. وأوضحت إدارة أوباما أنها افترضت أن مطالبة انضمام إسرائيل إلى المعاهدة ستسهل ممارسة الضغط على إيران كي توقف برنامجها النووي. كما تكررت الإشارة إلى أن الولايات المتحدة تعترف بالوضع الاستثنائي لكل من إسرائيل والهند وباكستان، التي تعتبر جميعها اليوم دولاً حليفة مهمة لها. فضلاً عن أن الرئيس أوباما تعهد بالحفاظ على أمن إسرائيل، وهو لا ينوي "إغلاق ديمونا". وأكدت وزيرة خارجيته، هيلاري كلينتون، خلال مقابلة مع شبكة ABC الأمريكية (8/6/2009)، "أن سياسة الإدارة الأمريكية تعتبر أن هجوماً نووياً إيرانياً على إسرائيل سيكون مثل هجوم على الولايات المتحدة". وكانت هذه هي المرة الأولى التي تعلن فيها الوزيرة كلينتون قولاً بمثل هذا الحزم، والمرة الأولى التي تتحول فيها المظلة النووية الأمريكية لإسرائيل إلى سياسة معلنة. ولهذا الأمر مغزاه المكشوف، خاصة عندما تهدد إيران بإزالة إسرائيل من خارطة العالم. وعلى هذا المنوال من الدعم الأمريكي، شهد سبتمبر/أيلول 2009 قيام إسرائيل والولايات المتحدة  بالتوقيع على اتفاقية لزيادة التنسيق بينهما في قضية الأمن النووي، وقعها كل من المدير العام لهيئة الطاقة الذرية الإسرائيلية، شاؤول حوريف، والمدير العام لمديرية الإشراف على أمان الأفران الذرية الأمريكية، ديل كلاين. ويمنح الاتفاق الجديد فرصة لإسرائيل للاطلاع على معظم المعلومات والترتيبات والتكنولوجيا الأكثر تطوراً في الولايات المتحدة في مجال الحفاظ على القدرات النووية. ومع أن هذا الاتفاق تقني، إلا أنّ أبعاده مهمة جداً لإسرائيل؛ لأن العديد من الدول ترفض التعاون معها في مجال الذرة، بسبب رفضها التوقيع على معاهدة منع الانتشار النووي. ورغم كل أشكال التطمينات والدعم السابقة وغيرها، عبر الإسرائيليون أنهم يخشون من أن الولايات المتحدة قد تتعهد لإيران بأنه إذا ما تخلت عن برنامجها النووي، فإنها ستحصل على تعهد إسرائيلي بالتوقيع على معاهدة منع الانتشار النووي.

ثم حدثت نقلة نوعية في الموقف الأمريكي، عبر تصريحات ثلاثة مسؤولين أمريكيين، نقلتها صحيفة "واشنطن تايمز" (2/10/2009)، أكدوا فيها أن الرئيس أوباما قرر "استراتيجية الغموض النووي" لإسرائيل، وجدد التزامه بسياسة الإدارات السابقة بالحفاظ على سرية البرنامج النووي الإسرائيلي، وعدم توقيع الدولة العبرية لمعاهدة منع الانتشار النووي، خلال اجتماعه بنتنياهو في البيت الأبيض، في مايو/أيار الماضي. ونقلت الصحيفة عن أحد المصادر العليمة في مجلس الشيوخ الأمريكي قوله: "ما يعنيه هذا أن الرئيس قدم التزامات بأنه سياسياً لا خيار له سوى التسليم فيما يتعلق ببرنامج إسرائيل النووي." وفقاً للخبراء، فإن هذا الالتزام يثير التساؤل حول جدية الرئيس أوباما في الحد من نشر الأسلحة النووية في العالم، وقد يقوض مصداقية مبادرته بإيجاد عالم خال من الأسلحة النووية، دون الحديث عن أنه يصطدم بالجهود الأمريكية لتفعيل معاهدتي الحظر التام للتجارب النووية وإنتاج المواد النووية. علاوة على ذلك، سوف تجد إدارة أوباما صعوبة تفسير لماذا تحظى إيران بمعاملة أمريكية ودولية متصلبة، بينما تعفى إسرائيل من مسؤولية إخفاء ما يجري في منشأة ديمونا وسواها، ومن تبعة امتلاكها نحو 200 رأس نووي، حسب المنشورات الدولية. أكثر من ذلك، فقد تواجه الإدارة الأمريكية مشكلة محرجة أو ورطة حقيقية إذا تم دعوة إسرائيل إلى القمة النووية في واشنطن، في شهر مارس/آذار العام القادم 2010، لمناقشة إقامة أجهزة أمن نووية عالمية لمنع التهريب والاتجار غير القانوني بالمواد النووية، وتشكيل محفل للتداول حول رؤية أوباما بشأن إيجاد عالم خالٍ من الأسلحة النووية. وتتضح بعض أبعاد الورطة الأمريكية-الإسرائيلية من أن دعوة إسرائيل إلى القمة ستلحق الضرر بسياسة "الغموض" النووي، وصعوبة التوفيق بين ضرورة مشاركة إسرائيل في هذه القمة وعدم رغبة إدارة أوباما بإحراج حكومة نتنياهو في موضوع حساس كهذا. مع ملاحظة أنه في حال تغيب إسرائيل عن القمة سيثار موضوع "المعايير المزدوجة" لدى الإدارة الأمريكية ومحاباة الموضوع النووي الإسرائيلي.

ومن غير الواضح، حتى الآن، كيف ستتصرف واشنطن حيال إسرائيل في هذه المسألة. لكن هناك شيئاً مسلماً به يتلخص بأن "أزعر الحارة" في هذه المنطقة سيظل طليقاً، وسيبقى يتلقى التطمينات والتعهدات؛ لأن الحفاظ على أمنه المطلق أكبر من التكتيكات السياسية والإحراجات العابرة.

Share