إجازة إجبارية من صراع الديكة الفضائي

  • 28 أكتوبر 2003

تشهد خرائط برامج البث لمعظم الفضائيات خلال شهر رمضان تراجعا ملموسا في معدلات البرامج الحوارية السياسية، وهذه ظاهرة إيجابية بالنسبة إلى المشاهدين الذين يحصلون على إجازة إجبارية من عنف المثقفين وصراخهم، الذي تحول إلى ما يشبه "صراع الديكة". وقد تكون هذه فرصة لمراجعة الذات والبحث في خلفيات ما يمكن وصفه بظاهرة "العنف الصوتي" لدى المثقف العربي ومدى ارتباط هذه الظاهرة بالعنف في المجتمعات بشكل عام، فالحوار بين أي مثقفين عبر الفضائيات يتحول غالبا إلى مشادة كلامية وينطوي على عنف واضح في الأسلوب ولغة الحوار. وقد يكون من الطبيعي أن تتأثر المجتمعات بهذا النوع من العنف، انطلاقا من أن المثقفين هم بالنهاية قدوة ومثل يحتذى لدى العامة، وهم أيضا قادة الرأي وأصحاب الدور الأبرز في تشكيل التوجهات وبناء التصورات والمفاهيم تجاه مختلف القضايا. ولكن الواقع يؤكد أن معظم المثقفين قد تخلوا عن دورهم البنّاء لمصلحة التراشق الكلامي واستعراض العضلات الفكرية وسلب الآخرين حقوقهم في التعبير عن أنفسهم وأفكارهم، صحيح أن بعض البرامج الحوارية في الإعلام الغربي قائمة على فكرة التضاد أو الصراع، لكن هذه "العدوى" انتقلت إلى مختلف ساحات الحوار التي أصبحت تشبه ساحات نزال فكرية يتبارى فيها طوفان أو أكثر في مقدرتهم على "الاعتداء" على أفكار الآخر وإلغائه، على اعتبار أن هناك نوعا من الالتصاق بين الفكرة وقائلها وأن الاختلاف مسألة تمس الكرامة الشخصية، ما يدفع المتحاورين إلى استخدام "الأسلحة" الكلامية كافة في حواراتهم.

ويشير التحليل السوسيولوجي إلى أن العنف عند الإنسان بصفة عامة هو ظاهرة اجتماعية وأن الدافع لممارسته هو الصراع من أجل البقاء، وإذا كان العلم لم يتوصل إلى أدلة حول وجود علاقة بين العوامل الوراثية والعنف فإن الأمر يبقى محصورا بين البيئة والتنشئة الاجتماعية وطرق التعليم، ما يعني أن للبحث في جذور هذه الظاهرة واستئصالها لدى المثقفين أهمية استثنائية لحسم أحد جوانب السجال الدائر حول أسباب العنف المعنوي والمادي في المجتمعات وجذور هذه الظاهرة وهل هي دينية أو تربوية أو هي الاثنان معا؟ فضلا عن الآثار السلبية الأخرى للعنف الحواري مثل: تشويش الأفكار والرؤى لدى الشباب وغرس اليأس والكراهية في النفوس ونبذ فكرة الحوار بحد ذاتها على اعتبار أنها تهدر الطاقات والوقت. والمطلوب إذاً، هو تبني مثقفينا مفاهيم جديدة قائمة على التواصل مع الآخر وإجادة فن الاستماع.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات