أي مصير ينتظر الاتحاد الأوروبي والتكتلات العالمية الكبرى بعد بريكست؟

  • 9 فبراير 2020

أدى خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي إلى طرح تساؤلات كبرى حول مستقبل الاتحاد الأوروبي والتكتلات الدولية الكبرى، في ظل تخوفات من أن يؤدي هذا الخروج إلى تفكك الاتحاد ونهاية عصر هذه التكتلات.
تميز النظام الدولي لمرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، بسمة أساسية، تمثلت في الاتجاه العارم لتشكيل التكتلات الكبرى، وكانت البداية بتشكيل تكتلات هيمن عليها الطابع العسكري، فتشكل حلف الناتو وحلف وارسو، وكان ذلك استجابة لطبيعة الظروف الدولية التي تلت هذه الحرب ودخول العالم ما سمي بعصر الحرب الباردة، ولكن العالم شهد في مرحلة تالية نشأة تجمعات دولية كانت بالأساس ذات طبيعة اقتصادية، ولم يكن هاجسها الرئيسي عسكرياً أو أمنياً. وتشكلت هذه التجمعات وفقاً لحزمة من العوامل المختلفة، منها ما هو جغرافي مثل منظمة الوحدة الإفريقية التي تحولت إلى ما يسمى الاتحاد الإفريقي، ومنها ما هو قومي، مثل جامعة الدول العربية، ومنها ما هو ديني، مثل منظمة المؤتمر الإسلامي التي تحمل حالياً مسمى منظمة التعاون الإسلامي، وغير ذلك.
وفي ظل هذه المساعي المحمومة لتشكيل التكتلات الكبرى على الصعيد العالمي، والإقليمي أيضاً، شاعت في الأدبيات السياسية مقولة إنه لا مستقبل للدول فرادى، وأن المستقبل هو للتجمعات الدولية الكبيرة، وباتت هذه المقولة من المسلَّمات، وخاصة في ظل توالي تشكيل مثل هذه التجمعات، وما حققه بعضها من إنجازات غير مسبوقة، على غرار تجربة الاتحاد الأوروبي، وتجارب أخرى، وإن كانت لم تحقق ما حققته التجربة الأوروبية، مثل رابطة دول جنوب شرق آسيا، المعروفة بـ «الآسيان».
بيد أن هذا الاتجاه العام لتشكيل التكتلات الكبرى، قد أصيب بحالة من الإحباط، مع الاستفتاء الذي تم عام 2016 لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والذي حاز موافقة أغلبية البريطانيين، وهنا بدأ البعض يشكك في مقولة عصر التكتلات الكبرى، وبخاصة أن «بريكست» قد حدث في أنجح تكتل دولي، وهو الاتحاد الأوروبي، وفي ظل عامل آخر، تمثل في أن «بريكست» ليس الأول من نوعه، حيث إنه وبعد انتخاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قامت الولايات المتحدة بالانسحاب من اتفاقية التجارة للشراكة عبر المحيط الهادي، كما قامت بالانسحاب من اتفاقية التجارة الحرة لدول أمريكا الشمالية.
وبطبيعة الحال، فإن «بريكست» يطرح تساؤلات حول مستقبل الاتحاد الأوروبي، كما يطرح تساؤلات حول مستقبل التكتلات الدولية الكبرى بشكل عام، فثمة مخاوف حقيقية من أن يؤدي «بريكست» إلى انهيار الاتحاد الأوروبي، وإن لم تكن هناك مؤشرات حالية لحدوث مثل هذا الاحتمال، فبريطانيا لم تكن عضواً عادياً في الاتحاد، ولكنها كانت من الركائز الأساسية له، وهو سيتأثر حتماً بانسحاب بريطانيا منه، وقد قامت لندن بالانسحاب من الاتحاد الأوروبي لأنها شعرت أن الاتحاد بات عبئاً عليها، وهو أمر ينطبق أيضاً على دول أخرى في الاتحاد، وتحديداً ألمانيا، التي قد تسلك المسلك البريطاني، وإن كانت خلال المرحلة الحالية من أكثر المدافعين عن الاتحاد، وهي تمثل الركيزة الأساسية له.
كما يطرح «بريكست» وأشباهه تساؤلات حول مصير التكتلات الدولية الأخرى، وفكرة هذه التكتلات ذاتها، وثمة مخاوف من أن يلقي الانسحاب البريطاني بتأثيرات سلبية على تماسك هذه التكتلات، والدفع في سبيل تداعي الإيمان بها، وهذا شيء خطير للغاية؛ لأن العالم خلال المرحلة الراهنة في حاجة، أكثر من أي وقت مضى، إلى التعاون لمواجهة حزمة من التحديات الوجودية التي تهدد البشرية بأسرها.
وبطبيعة الحال، فإن المخاوف الأساسية تنصرف إلى ما قد يصيب المنظمات التي يقوم عليها هيكل النظام الدولي، والحديث هنا ينصرف بشكل خاص إلى منظمة الأمم المتحدة، من ضعف وانهيار جراء تراجع فكرة التكتلات الدولية، حيث إن هذه المنظمات هي المحدد الرئيسي للعلاقات الدولية، وغني عن البيان الدور الذي تقوم به لصالح المجتمع الدولي.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات