أي مستقبل لعملية السلام؟

د. بشارة نصار شربل: أي مستقبل لعملية السلام؟

  • 9 أكتوبر 2005

احتار الفلسطينيون في توصيف الانسحاب الإسرائيلي الأحادي من غزة، لكن لم يكن بمستطاعهم في نهاية الأمر سوى الاحتفال. فعقدت حلقات "الدبكة" وأطلقت النار في الهواء، مرفقة بسائر مراسم هذا النوع من الانتصار الذي أرادته "حماس" محاكياً لانتصار "حزب الله" في جنوب لبنان، ومحفزاً على تأكيد قيمة السلاح في التحرير وانتزاع الحقوق، في حين أرادته "فتح" صاخباً أيضاً كي تثبت أن دورها في تحقيق جلاء قوات شارون لا يقل عن تضحيات "حماس" ويؤهلها لاستثمار نضالها في إعادة البناء.

و"إعادة البناء" بالنسبة إلى الرئيس الفلسطيني محمود عباس هي "الجهاد الأكبر" في مقابل "الجهاد الأصغر" الذي هو استخدام السلاح. والأول بهذا المعنى يستوعب الثاني ويبزه قدرة على الإحاطة بالشأن العام بكل مدلولاته الدينية والسياسية والأخلاقية والعملية، وهو مصدر الشرعية، لأنه يرفق الرؤيا بالدم، ويستطيع أن يؤسس على الموت ما له علاقة بالحياة، بعيداً عن تضحيات تؤدي إلى موت، وموت يؤدي إلى تضحيات، حسبما يفرض أسلوب "حماس" الذي يعتبره "الواقعيون" الفلسطينيون حلقة مفرغة لا تعد إلا بمزيد من الآلام.

على أي حال، ورغم الانتكاسات الدموية التي رافقت عملية الانسحاب الإسرائيلي، بعضها في مواجهة الاحتلال، وبعضها الآخر في مواجهة رفاق السلاح، فإن الواقع الذي أرسته السياسة الإسرائيلية جعل الأمل الذي يعقده محمود عباس على الإمساك بالوضع السياسي والأمني في أراضي السلطة الفلسطينية لا ينبئ بما يرغب به من تحريك لملف الحل النهائي في إطار استئناف عملية السلام والنظر بعين شاملة إلى حل القضية في إطار خريطة الطريق.

لا أحد في العالم المعني بالصراع العربي-الإسرائيلي مهتم بالاستعجال. ولن يحصل استعجال ما دام شارون يتابع سياسة الإملاءات مغلفة بوهم الإرادة الخيرة ومسلحة بدعم بوش القوي. فمن من العرب يجرؤ على رفض انسحاب من أرض محتلة حتى ولو اندرج في إطار تخطيط شارون؟ ومن يملك القدرة على الضغط لمنع انسحاب مع أنه يتم بلا تنسيق وتفاهم، ومن غير أن يفتح الباب أمام التسوية الكبرى الموعودة من عواصم القرار الدولي؟

يذهب ديبلوماسيون غربيون في تشاؤمهم من إمكان استئناف إدارات بلادهم تدخلها الفاعل لاستئناف عملية السلام إلى حد شكر الصدف التي جعلت اللجنة الرباعية تأخذ بعض المنشطات بين الحين والآخر وتعقد جلسة على هامش قمة منظمة الأمم المتحدة التي عقدت في سبتمبر/أيلول 2005. فالدوائر المختصة في دول صنع القرار وخصوصاً في واشنطن ولندن وباريس مشغولة بمعالجة ملفين ساخنين تعطيهما الأولوية؛ وهما العراق ولبنان.

وإذ يأخذ الوضع المتفجر في العراق من جراء الصعوبات التي يعانيها الاحتلال وازدياد العنف ومخاطر الحرب الأهلية والتدخلات، القسط الأكبر من التركيز، فإن الملف اللبناني بتعقيداته المتعلقة بقرار مجلس الأمن الرقم 1559 القاضي بنزع سلاح الميليشيات والذي يعني هنا "حزب الله"، هو مدخل أكيد لتفكيك ممانعة إيران وسورية و"حزب الله"، هذا إذا أغفلنا طبعاً تقرير لجنة التحقيق الدولية المتعلقة باغتيال الحريري وتداعياته المحتملة على سورية ولبنان.

في موازاة الملفين المتفجرين يبدو الوضع العربي العام في حال يرثى لها من جراء الخشية من التطرف والإرهاب أو بسبب الرغبة في حفظ الرأس في زمن التغيرات الكبرى والحرب العالمية على الإرهاب. ويترجم ذلك ضعفاً على ضعف برز خصوصاً في رغبة دول عربية عدة في تقديم "هدية فورية" إلى إسرائيل بعد تنفيذها الانسحاب من غزة، وهي عبارة عن تنشيط التمثيل التجاري أو الديبلوماسي أو رفع المقاطعة عن تبادل البضائع، وهي خطوة لا يبررها انسحاب أراح إسرائيل أكثر مما أراح الفلسطينيين ويحاول رسم حدود الكيان الفلسطيني المستقبلي حسب خريطة شارون وليس وفقاً لخريطة الطريق. لكنه عملياً تعبير عن تضامن عربي وصل إلى حدود الانحلال، ومناعة تتساقط بفعل الرغبة في جعل مد اليد لإسرائيل بديلاً من الإصلاح الداخلي وتعزيز الديمقراطية، اللذين يشكلان حصانة تلجم الهرولة إلى ما لا مصلحة لعملية السلام به على الإطلاق.

يمكن ببساطة توقع استمرار جمود عملية السلام بما أنها عملية إيجابية بناءة تريد الوصول إلى نتائج وفقاً للقرارات الدولية ومؤتمر مدريد وحتى خريطة الطريق وصولاً إلى تفاهمات شرم الشيخ.

فالمنطقة لا تزال تعاني من آثار زلزال 11 سبتمبر/أيلول، الذي غيّر الأولويات لدى الولايات المتحدة، وفرض أولويات جديدة على الدول العربية، وأفقد القضية الفلسطينية ثقلها المركزي، وحال دون استثمار الانتفاضة الفلسطينية الثانية بل ربطها بالإرهاب. لكن يجب ملاحظة أن عملية السلام نفسها تجري في شكل عكسي من خلال إضعاف مواقع التفاوض الأساسية، بغض النظر عن الأسباب، ما قد يجعل الوصول إلى جملة تسويات محتملاً، لكن بشروط الإسرائيليين وليس انطلاقاً من السلام العادل والشامل. وإذا كانت تلك التسويات بدأت في غزة ويمكن لها الانتقال إلى الضفة ولاحقاً إلى ضواحي القدس، فإن المجهول الكبير يبقى؛ الوضع في الجولان؛ وقضية اللاجئين الفلسطينيين؛ وحق العودة الذي تتنكر له إسرائيل.

واقع الحال أن العالم العربي فاقد لأدوات الضغط على إسرائيل وعلى الولايات المتحدة من أجل استئناف عملية السلام، في حين أن إسرائيل تتصرف بحرية شبه مطلقة، وتكرس وقائع ميدانية استيطانية في الضفة، وترسم خطوط الكيان الفلسطيني الوليد على هواها، وتتحكم بإدارة الصراع. وإذ يعتقد الفلسطينيون والعرب أن الخروج من غزة هو بداية تراجع المشروع الصهيوني بعدما كان شارون يعتبر أن "الدفاع عن نيتساريم مثل الدفاع عن تل أبيب"، فإنهم ينسون أن "الطبعة المنقحة" من الصهاينة المؤسسين تفهم السيطرة العسكرية بعدم ارتباطها بالأرض، بل بالقدرة على التدخل والتأثير عبر تجاوز سيادة الحدود البرية والبحرية والجوية وإبقاء المعابر تحت الرقابة الإسرائيلية، الأمر الذي يحول البهجة بالجلاء إلى شعور بوجود سجن كبير تمسك به إسرائيل وتخضع فيه حتى نسائم الهواء للقرار العسكري.

"غزة أولاً"، هناك مبررات لأن تبقى المخاوف قائمة من أن تكون "غزة أولاً وأخيراً"، لكن المنطق الإسرائيلي الذي زاوج بين التفوق العسكري على الانتفاضة والمبادرة السياسية الأحادية الجانب، يجعل ممكناً تصور انسحاب آخر من الضفة تتخلص فيه إسرائيل من عبء الكتلة السكانية المستعدة لمقاومة الاحتلال وتظهر صورتها عالمياً وكأنها داعية للسلام وصاحبة مبادرات تتضمن "تنازلات مؤلمة". والأهم أنها تتفلت من مرجعية الشرعية الدولية للمفاوضات، وتنصب نفسها مرجعاً وحيداً يتعاون مع شريك فلسطيني متهم بـ "الإرهاب"، ومن ثم فإنها تستطيع التصرف بمفردها من غير تعاون إذا شاءت.

ما تقدم يرسم صورة سوداء عن مستقبل عملية السلام رغم الفرح الذي يفترض أن يعم لدى العرب لمجرد قيام إسرائيل بانسحاب من شبر واحد من أراضي فلسطين. ذلك أن الوقائع العربية أصدق إنباء من التمنيات والشعارات، وهي تسمح باستشراف مرحلة سياسية صعبة ومعقدة ولا تسير لمصلحة الحق الفلسطيني والحق العربي. والتفاؤل المعاكس مستحيل في وقت يتفرق فيه العرب، ويتخبطون خشية من التفكك أو انهيار نظمهم. أما إسرائيل فتبدو عازفاً وحيداً على وتر عملية سلام تحدد زمانها ومكانها وحدودها وأجندتها، وتبقي طي النسيان عصب العملية وجوهر الصراع، القدس، والدولة المستقلة، وعودة اللاجئين، وعودة الأراضي العربية المحتلة … نلوم إسرائيل أم نلوم أنفسنا؟ هذا ايضاً سؤال.

Share