أي عالم عربي سيستجيب لقمة؟

د. بشارة نصار شربل: أي عالم عربي سيستجيب لقمة؟

  • 15 يوليو 2006

لو سئل أحدنا سؤالاً بسيطاً: ماذا ينقص العالم العربي ليتحرك إزاء المجازر التي ترتكبها إسرائيل؟ لكان الجواب على الأرجح: "بعضاً من الحمية، وبعضاً من القدرة، وبعضاً من النية الحسنة، وبعضاً من الإيمان بقدرة العرب على صوغ رؤية مشتركة، وبعضاً من إرادة فرض الإرادة".

أين العرب؟ استفهام أبدي منذ "نكبة 1948" و"العدوان الثلاثي" و"حرب الأيام الستة" وصولاً إلى الحروب العربية-العربية التي كانت تنذر دائماً بانهيار ما يسمى النظام العربي. وأين العرب؟ سؤال يطرح اليوم بعد عملية "أمطار الصيف"، التي شنها الجيش الإسرائيلي على غزة، رداً على عملية "الوهم المتبدد" الجريئة، التي أسفرت عن مقتل جنود إسرائيليين وأسر جلعاد شاليت. لكن طرح الاستفهام الاستنكاري شيء والقدرة على تحقيق ما يفيد الفلسطينيين شيء آخر تماماً. فلا العرب يمرون بمرحلة ذهبية تسمح لهم باجتراح الحلول، ولا الفلسطينيون استقروا على تصور مشترك يتيح لهم وللآخرين رفعه في مواجهة المشروع الصهيوني. ويبقى سؤال متفرع عمن هم العرب الذين يستغيث الفلسطينيون بهم. هل هم ما يسمى "الشارع العربي"، الذي يكتفي من الدعم بالتظاهر ورفع اللافتات والصراخ في شوارع محدودة من هذا العالم العربي الفسيح؟ أم هم الدول العربية المنشغلة بقضاياها المحلية والإقليمية وحساباتها المشروعة في فترة تحديات كبرى لبناها السياسية وتركيباتها الاجتماعية؟

يبدو العالم العربي المطالب بتقديم الدعم المباشر للفلسطينيين في معركتهم الصعبة مع الاحتلال الإسرائيلي وكأنه كائن وهمي. هنا من المفيد العودة إلى إشكالية وجود عالم عربي واحد أم عوالم عربية متعددة أم دول- أمم ذات سياسات وأولويات محددة معروفة. وفي تحديد ذلك يمكن تحديد مدى قدرة الناطقين بالضاد على تجاوز الدعم الكلامي إلى عمل فعلي. أما أوهام الوحدة المعتمدة على اللغة والدين فيجدر أن  توضع جانباً، لأنها ذرّت الرماد في العيون على مدى نحو ستين عاماً، ولم تجعلنا نتقدم خطوة في سياق الصراع المديد مع الكيان الصهيوني.

سواء طال النزاع في غزة هذا الصيف أم قصر بإفراج مفاجئ عن الأسير الإسرائيلي، فإن النتيجة التي يفترض الخروج بها هي أن الفلسطينيين الذين برهنوا على إرادة صلبة واستعداد للتضحية لا يحاصرون إسرائيل على الإطلاق، وهم إذ يصعّبون عليها سياساتها ويجعلونها تدفع أثماناً سياسية لاستمرار الاحتلال، فإنهم يقصرون عن إجراء تغيير جذري في سلوك أعدائهم، ويعجزون عن تثمير تضحياتهم نتائج ملموسة تجعل أهدافهم ممكنة التحقيق. أما الإسرائيليون فيفترض أن يستنتجوا أن لا بديل من الحل السياسي، وأن العنف لن يؤدي إلا إلى طريق مسدود مليء بالدم والدموع للطرفين مهما اختلفت أعداد ونسب الضحايا.

إزاء الحلقة المفرغة والمواقف المخيبة للآمال الصادرة عن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، والتي تتجاهل وجوب إدانة القتل والقصف إلى الحديث عن مشروعية سلطة "حماس" المنتخبة، يجد الفلسطينيون أنفسهم أمام خيارات دقيقة سيترتب عليها تحديد مستقبل القضية الفلسطينية ومستقبل سلطة "حماس" ومستقبل المنطقة.

لكن قبل كل شيء، وقبل أن يفرز الفلسطينيون سياسة قادرة على المواجهة أو المفاوضة، لا بد من الاقتناع بأن العالم العربي، الذي تتألم شعوبه لرؤية الدم الفلسطيني يهرق بسبب قدرة العدوان وعجز التسوية، هو عالم غير جاهز في الوقت الحاضر لمبادرة جديدة أو لاجتماع استثنائي منتج ومؤثر، وأن أقصى ما وصل إليه إزاء الوضع الفلسطيني هو مبادرة قمة بيروت العربية.

نظرة سريعة إلى خريطة العالم العربي تظهر كيف أن جمعه على هدف واحد وخطة واحدة مستحيل، نظراً لاختلاف ظروف كل دولة. ولو بدأنا من الخليج لتأكدنا أن الهموم الداخلية وهاجس الإرهاب يشكلان أولوية مطلقة، خصوصاً مع استمرار استهداف المملكة العربية السعودية من قبل المتطرفين، ومع استمرار النزف في العراق، والتطور الدراماتيكي اليومي لسير الأحداث هناك في اتجاه نزاعات طائفية مخيفة تعرّض وحدة العراق للخطر، وتفسح المجال أكثر فأكثر للتدخل الإيراني المصحوب بنزعة هيمنة واضحة مرفقة بـ "ملف نووي".

لن نقول إن المغرب العربي بعيد جغرافياً عن الصراع الجاري في فلسطين، لكن المغرب، المتعاطف قلباً وقالباً مع الفلسطينيين، يعيش هموم دوله التي تجتهد لحفظ نفسها، ولتحقيق بعض التنمية التي تزيد تماسكها.

أما دول الوسط فهي محدودة القدرة على الفعل، خصوصاً أن دولتين فيها؛ هما مصر والأردن، ترتبطان بمعاهدات سلام مع إسرائيل، فيما لبنان لا يزال يعاني انعكاسات جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري في 14 فبراير/شباط 2005، بما تتضمنه من علاقات داخلية صعبة بين أطرافه ومقاومة "حزب الله"، وبين دولته وسورية.

أما سورية فثابتة على موقفها من الصراع، غير أنها تتعرض لضغوط شديدة تربك حركتها، وتضطرها إلى تحالف غير متكافئ مع إيران، وإلى تقديم هاجس الحفاظ على النظام.

فقدان الأمل في موقف عربي واحد وضاغط يجعل واجباً على الفلسطينيين الانتقال إلى أخذ الأمور بأيديهم وتحمل مسؤولياتهم، وهم تحملوها دوماً، لكنهم الآن بعدما جاءت "حماس" إلى السلطة مضطرون إلى تحديد خيارات تشبه تلك الخيارات التي حددتها منظمة التحرير في العام 1988 حين اعترفت بدولة إسرائيل.

غداً حين ينقشع الغبار عن معركة "أمطار الصيف" سيبقى ربما ما يقوم الفلسطينيون اليوم بصوغه مشروعاً وطنياً لمتابعة الكفاح. وقد تكون "وثيقة الأسرى" التي وقّعت عليها كل الأطراف، بما فيها "حماس"، عنواناً للمرحلة المقبلة. ففيها اعتراف غير مباشر من هذا الطرف الأصولي الأساسي بدولة إسرائيل. وفيها إقرار من هذا الطرف بأن النضال هو نضال كياني لتحقيق دولة وليس نضالاً على امتداد العالمين العربي والإسلامي. ستنفتح آفاق جديدة أمام التسوية إذا استطاع الفلسطينيون، وبينهم "حماس"، الصمود في وجه المزايدات، وعدم الرضوخ لإغراءات التحالفات الإقليمية غير المضمونة النتائج على الإطلاق. أما إذا تم إفشال "وثيقة الأسرى" فستكون الدعوة إلى قمة عربية مسألة منطقية، لأن لا أحد سينتظر قرارات مهمة ولا نتائج مفيدة، ولأن منطق الصراع سيكون محكوماً بالمراوحة، وتغذيه أطنان من الوعود والخطابات.

Share