أي رئاسة للاتحاد الأوروبي؟

  • 26 يناير 2003

منذ أربعة عقود من الزمن تطور البناء الأوروبي المشترك على وقع التفاهم الفرنسي- الألماني، وعندما يتعثر هذا المحور تنتكس مسيرة الإصلاحات أو التقدم داخل المؤسسات الأوروبية، وعندما يعود للانتعاش تخشى العديد من البلدان الأوروبية نزعة هيمنة من الكبار تأخذ شكل مجلس مديرين لقيادة الاتحاد الأوروبي، بيد أن التوسيع المطروح للاتحاد الأوروبي ليضم على الأقل خمساً وعشرين دولة من الآن حتى 2005 يجعل الكثير من الآليات الحالية غير صالحة للمرحلة اللاحقة، وأبرزها الجهاز التنفيذي والرئاسة، حيث سيصعب اعتماد الرئاسة الدورية بين 25 بلدا كما هو الحال الآن مع 15 بلدا، خاصة أن قاعدة الإجماع إذا بقيت كما هي من شأنها أن تعطل اتخاذ القرارات الحيوية وخصوصا ما يتعلق منها بالأمور السيادية داخل الاتحاد الأوروبي.

ومنذ إعادة انتخاب المستشار جيرهارد شرودر والرئيس الفرنسي جاك شيراك، جرى الرهان على انطلاقة جديدة بين باريس وبرلين، وصحّت فعلا التوقعات بعد التوافق على السياسة الزراعية المشتركة والموقف من العراق وغيرهما من القضايا الحساسة. وفيما كان المؤتمر حول مستقبل أوروبا برئاسة فاليري جيسكار ديستان يغرق في التفاصيل ولا يتوصل لصياغة اقتراحات توفيقية وفعالة، توالت سلسلة المبادرات المشتركة الفرنسية-الألمانية لتثبت بأن هذا المحرك للاتحاد الأوروبي يمتلك طموحا ورؤية لتعميق الاندماج الأوروبي وإصلاح المؤسسات الأوروبية. بيد أن البعض كان يتوقع فجوة أو تباينا يصعب تجاوزه ما بين الرؤية الألمانية لنمط فيدرالي في أوروبا يحبذ جعل رئيس المفوضية رأسا للجهاز التنفيذي متمتعا بصلاحيات واسعة، والرؤية الفرنسية المحبذة لتعزيز التعاون بين الدول بشكل تقليدي وتقوية وضع رئيس المجلس ليصبح عمليا رأس الجهاز التنفيذي. وما يزيد تعقيد الأمور أن دولة أوروبية مثل بريطانيا ترفض الطرح الألماني وتخشى قيام "قيصر جديد في أوروبا". من ناحيتها، فإن بعض الدول في الاتحاد الأوروبي مثل لوكسمبورج والبرتغال واليونان تنظر عادة بحذر إلى مبادرات الدول الكبرى من أعضاء الاتحاد.

وكانت المفاجأة بالنسبة إلى العديد من المراقبين عند انعقاد القمة الفرنسية-الألمانية قبل الأخيرة في باريس أوائل الشهر الجاري، إذ أخرجت الدبلوماسيتان الفرنسية والألمانية من قبعتيهما "حلا سحريا" بالتوفيق سياسيا بين الرؤى المختلفة وطرح رئاسة مزدوجة للاتحاد الأوروبي تتكون من رئيس المجلس المنتخب من الأعضاء، أي من رؤساء الجمهوريات والحكومات، ورئيس المفوضية الذي ينتخب مباشرة من البرلمان الأوروبي. وستطرح هذه التصورات على مؤتمر "مستقبل أوروبا" لإقرارها، وحظوتها كبيرة لتنال الموافقة، حسب معظم المراقبين، خاصة أن لندن ومدريد أعلنتا دعمهما لمبدأ الرئاسة المزدوجة. ولا غرابة في ذلك، إذ إن رئيس الوزراء البريطاني توني بلير ونظيره الإسباني خوسيه ماريا أزنار يُعدان من أبرز المرشحين لتولي منصب رئاسي في الاتحاد الأوروبي.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات