أين مكمن الخلل في عملية التنمية بدول الخليج؟

  • 7 فبراير 2010

أجرى موقع مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية على الإنترنت مسحاً لآراء عدد من الخبراء المشاركين في فعاليات المؤتمر السنوي الخامس عشر، والذي عقد في الفترة من 1-3 فبراير 2010، بعنوان: "مخرجات التعليم وسوق العمل في دول مجلس التعاون". وفي هذا المسح للآراء، تمت مناقشة العديد من القضايا المتصلة بموضوع المؤتمر، أهمها: التحديات التي تواجه سوق العمل وكيفية مواجهتها، والعلاقة بين مخرجات التعليم وسوق العمل، وسياسات التوطين، والخلل في هيكل العمالة، وتطوير التعليم ليصبح قاطرة للتنمية وغيرها.

س: ما أبرز التحديات التي تواجه أسواق العمل بدول الخليج العربية وكيف يمكن مواجهتها؟ 

ج: يرى د. أحمد العيسى، رئيس جامعة اليمامة بالمملكة العربية السعودية، أن توطين الوظائف وتأهيل الشباب الخليجي للدخول إلى سوق العمل أحد التحديات الأساسية، وهو ليس تحدياً جديداً، بل مطروح منذ أكثر من عشرين عاماً، وسيظل أحد المحاور الأساسية لعملية التنمية. ولكن نوعية المنافسة في سوق دول الخليج كبيرة جداً؛ بسبب الكفاءات الكثيرة الوافدة من مختلف دول العالم. ويؤكد العيسى أنه يمكن خفض نسبة البطالة، وفتح فرص للعمل أمام المواطنين من خلال تطوير أساليب التعليم وتحسينه، وتوجيه الاستثمارات إلى مجالات العمل التي يقبل عليها المواطنون. 

 أما د. عبيد بن محمد السعيدي، عميد كلية التقنية العليا بسلطنة عُمان، فيرى أن أبرز تحديات سوق العمل هو العدد الكبير من الباحثين عن العمل في دول المجلس. وربما تكمن المشكلة ليس في حجم فرص العمل المتوافرة، وإنما في نوعيتها. وهناك تحد آخر يتعلق بعزوف المواطنين عن الانخراط في القطاع الخاص؛ لأن هناك اعتقاداً سائداً مؤداه أن الوظيفة الحكومية مضمونة. وثمة تحد ثالث يتصل بنقص ثقافة العمل لدى المواطنين الخليجيين، ولاسيما من ناحية الانضباط والالتزام بساعات العمل. ولذلك، وبالإضافة إلى قلة تكلفتها، يفضل القطاع الخاص العمالة الوافدة. ف

يما يضع فيصل محمد العمادي، مدير إدارة التدريب والتأهيل، المكلف بمهام مدير عام مركز التأهيل الوظيفي بدولة قطر، الخلل في هيكل سوق العمل على رأس التحديات. حيث تمثل العمالة الوافدة أكثر من 90%، فيما يمثل المواطنون العاملون نسبة تقل عن (10%) من مجموع العاملين في قطر عموماً. ومن ثم، فإن التحدي الذي يقع على كاهل الحكومة القطرية هو زيادة نسبة تشغيل المواطنين. وتتفق د. مريم سلطان لوتاه، أستاذ مساعد بقسم العلوم السياسية في جامعة الإمارات العربية المتحدة، مع رؤية العمادي، مستغربة تسارع وتيرة استقدام العمالة الأجنبية بمعدلات غير مسبوقة. فالمشكلة، كما تشخصها لوتاه، أن سوق العمل في دولة الإمارات متاح للجميع بلا ضوابط؛ فخريجونا حتى لو كانوا بمواصفات آتية من السماء لن يستطيعوا منافسة الغالبية العظمى من المتقدمين للوظائف سواء من الوافدين على أرض الدولة أو من الخارج. وتعتقد أن هناك اقتناعاً عاماً بضرورة التوقف عن جلب المزيد من العمالة الوافدة. 

 أما ندى المطوع من مركز الدراسات الاستراتيجية والمستقبلية في جامعة الكويت، فترى أن أبرز التحديات التي تواجه أسواق العمل بدول الخليج العربية هو ارتباط سوق العمل بالنمو الاقتصادي المرتبط بالمورد الاقتصادي الوحيد وهو العائدات النفطية. وتؤكد المطوع أنه يمكن بناء سوق عمالة متوازن وفعّال في دول مجلس التعاون الخليجي بالاهتمام بمثلث التعليم وسوق العمل والتنمية. وهذا يعني النظر إلى التعليم نظرة شمولية؛ بحيث لا يستهدف فقط سوق العمل، إنما يكون جزءاً من العملية التنموية الشاملة، والإصلاح الإداري لسوق العمل.


س: هل يجب أن تكون سوق العمل الموجه المحوري للسياسات التعليمية؟
 

ج: لايرى د. العيسى تناقضاً بين أن تهتم مؤسسات التعليم العالي بالمعرفة والبحث العلمي والمشاركة في التنمية الفكرية والثقافية في المنطقة وبين أن تكون مخرجاتها ملائمة لسوق العمل؛ فالخريجون سوف يبحثون عن وظائف في نهاية المطاف. ويرى أن دور الجامعات أكبر من مجرد إكساب الطلاب المهارات التي تساعدهم على النجاح في سوق العمل؛ فهي تساهم في التنمية الثقافية والفكرية للمجتمع بشكلٍ عام. على العكس، يقطع د. السعيدي بأنه لا يجب أن تكون سوق العمل الموجه المحوري للسياسات التعليمية؛ فهناك غايات معرفية واجتماعية للتعليم. ولكن، يضيف السعيدي، كي يكون التعليم مجدياً اقتصادياً واجتماعياً، لابد من استقراء سوق العمل. 

وتتفق كل من د. المطوع ود. لوتاه مع هذه الرؤية إجمالاً. ففي تصور ندى المطوع أن اهتمامنا بالتعليم ليس معناه توجيه التعليم فقط نحو سوق الوظائف؛ فهناك أهداف أخرى تتطلب اهتمامنا بالتعليم، وهي رفع قيمة المواطن في عالم الثقافة والمعرفة والإنتاجية. وعلاقة سوق العمل بالتعليم، تضيف المطوع، هي علاقة تجانس ضمن استراتيجية تنموية تضم الطرفين معاً. فالقائمون على التعليم يجب أن ينظروا إلى خطط التنمية ويحاولوا التلاؤم معها. ولكن يجب ألا نصمم التعليم فقط لسوق العمل، وألا نحاول إلقاء العبء على سوق العمل لاستيعاب فقط المتعلمين.  وتعتقد مريم لوتاه أن عملية الربط بين مخرجات التعليم وسوق العمل تنطوي على مغالطة كبرى. فالتعليم ليس الغرض منه تخريج موظفين لسوق العمل فحسب، بل إن الغرض الرئيسي من التعليم هو بناء شخصية الإنسان القادر على التفكير والإبداع، بحيث يستطيع مواكبة أي تطور أو أي تنمية. ولا ينبغي ربط مخرجات التعليم بسوق العمل؛ لأن هذا الأخير متغير. هناك غايات معرفية ومجتمعية للتعليم، يجب أن تكون الموجه الأساسي للتعليم، وكذلك لخطط التنمية. وتشدد لوتاه أننا بحاجة إلى تصحيح الصورة النمطية المغلوطة التي تحمل التعليم مسؤولية إخفاق اندماج المواطنين في سوق العمل من دون وجه حق.


س: كيف يمكن تشخيص القيود المعيقة لملاءمة مخرجات التعليم لمتطلبات سوق العمل؟

ج: يرى أحمد العيسى أن من أهم هذه المعوقات افتقاد التنسيق بين مؤسسات التعليم العالي وقطاعات الاقتصاد ومؤسسات التشريع، وكذلك بين القطاع الخاص والحكومة. فيما يشير عبيد السعيدي إلى تدني مستوى الطلاب الخليجيين مقارنة بالمعايير الدولية، وإلى معوقات أخرى تتعلق بمواكبة التعليم للتطورات التكنولوجية الهائلة التي يشهدها العالم، قلة الجانب العملي في المناهج الدراسية، وعدم تعريف الطالب بالحياة العملية. أما ندى المطوع، فترى أن المعوقات الأساسية لملاءمة مخرجات التعليم لمتطلبات سوق العمل تتمثل في أن التخصصات الممنوحة لازالت تنحصر في التخصصات الإنسانية؛ "فنحن بحاجة إلى تخصصات تقنية حديثة، وإنشاء كليات للمهارات الإدارية، ومؤسسات تدريب عملي للطلاب". 

 وفي تصور مريم لوتاه، تتلخص هذه المعوقات في أن الإصلاحات التي تطبق لا تتناسب مع احتياجاتنا ولا تعمل؛ لأن وراءها أجانب ليس لديهم معرفة بأحوال البلاد. ومن ثم، "علينا تغيير سياساتنا لتصبح أكثر ملاءمة لاحتياجاتنا، وليس للتكيف مع ضغوط خارجية".    

س: ماذا عن تحديات سياسات التوطين في دول الخليج؟ 

ج:  يشير د. السعيدي إلى أن كثيراً من دول الخليج لجأت إلى توطين الوظائف الدنيا في القطاع الخاص، وهي وظائف ذات عائد محدود. كان المفروض أن يتم توطين الوظائف الاختصاصية العليا قدر الإمكان، فلدينا كفاءات كثيرة غير مستغلة. ويرى أنه قبل البحث في فرص العمل التي نريد توطينها، لابد من النظر إلى مخرجات التعليم للتعرف على مدى ملاءمتها لهذه الوظائف. وفي الحقيقة، لازالت دول الخليج تفتقد للعلاقة القوية بين مؤسسات التعليم والقطاع الخاص، بعكس الحال في دول أوروبا وأمريكا. وهناك نقطة أخرى، وهي أنه لا يجب فرض التوطين على القطاع الخاص. فالتوطين يجب أن يتم على مراحل وبشكلٍ طبيعي، وإلا سوف نحصل على عملية توطين "مقنعة. ويجزم السعيدي أن أفضل عمليات التوطين تمت في الشركات الحكومية، وهي المملوكة للدولة ولكنها تدار وفقاً لآليات السوق، مثل أدنوك في الإمارات، سابك في السعودية، وشركة تنمية نفط عمان.  

وعن سياسات التوطين في قطر، يبين فيصل العمادي أنه تم اعتماد استراتجية للتقطير تدرجت من الاكتفاء بأولوية التعيين للمواطنين في وظائف محددة إلى وضع برنامج شامل للتقطير في القطاعين الحكومي والخاص. في هذا الخصوص، تم إنشاء مركز التأهيل الوظيفي عام 2009 كمركز متخصص لتأهيل المواطنين الباحثين عن عمل وفقاً لاحتياجات سوق العمل. كما تسعى الحكومة القطرية إلى تنظيم عمليات استقدام العمالة الوافدة. وتوضح ندى المطوع أن التوطين بدأ باستهداف المؤسسات الحكومية، ثم أصبح يشمل أيضاً القطاع الخاص. وهذا أمر جيد. ولكنها تخشى أن يتم الوصول إلى مرحلة التشبع: تضخم القطاع الحكومي بحيث لا يستطيع استيعاب عمالة أكثر، وشكوى القطاع الخاص من كلفة التوطين. 

وتؤكد المطوع، وتتفق معها مريم لوتاه، أن كل فرص العمل يتناسب توطينها ومخرجات التعليم، والأمر طبعاً يعتمد على نوعية التخصصات الموجودة، ووجود مسؤولين عن الموارد البشرية في هذه المواقع لديهم أولوية في توظيف المواطنين. أما أحمد العيسى، فيرى أن مستوى الدخل أو العائد هو الذي يحكم توجه الشباب إلى وظائف بعينها. فغالبية المواطنين يتجهون إلى الوظائف الحكومية التي تتطلب مهارات متوسطة أو أكثر من متوسطة. أما الشريحة الدنيا من الوظائف والمتعلقة بالعمالة اليدوية والفنية، فمشكلة التوطين فيها كبيرة جداً؛ لأنها لا توفر الاستقرار أو العائد المادي المعقول للمواطنين. كما أن المنافسة فيها عالية جداً مع الوافدين.


س: كيف يمكن إصلاح التعليم في دول الخليج العربية ليصبح قاطرة التنمية؟
 

ج: يرى العيسى ضرورة الاهتمام بالتعليم الأساسي، وجعل الإصلاح عملية مستمرة لتطوير البرامج والخطط التعليمية جديدة. ويشير العيسى إلى أن هناك مجالين تتمتع فيهما دول الخليج بميزة نسبية يجب على القائمين على التعليم والبحث العلمي في دول الخليج التركيز عليهما، وهما صناعة النفط والغاز وتحلية مياه البحر؛ بحيث يكون الهدف هو أن تصبح دول الخليج، وبصفة خاصة السعودية، مراكز التفكير وبيوت الخبرة في هذين المجالين. وربما بهذه الطريقة يمكن البدء في تنفيذ استراتيجية التعليم. أما السعيدي فيحذر من أنه لا يمكن إصلاح التعليم بجلب قوالب خارجية وتطبيقها على واقعنا، ولا باستنساخ المعرفة وعدم إنتاجها. بل يجب على الجامعات والمراكز البحثية أن تساهم في إنتاج المعرفة في قطاعات النفط والغاز وتحلية المياه والتصحر. ويعتقد أن عملية إصلاح التعليم يجب أن تتم من التعليم قبل المدرسي، وأن تتضمن إعادة النظر في المناهج، غرس ثقافة العمل، وربط القطاع الخاص بمؤسسات التعليم. 

ترى لوتاه أن أولى خطوات الإصلاح هي إعادة الاعتبار للعلم والمعرفة وللعملية التعليمية، وعدم ربطها بمتطلبات سوق العمل.   

س: أين مكمن الخلل في عملية التنمية؟ 

ج: يجزم د. عبيد بن محمد السعيدي أن مكمن الخلل في كلٍّ من: استراتيجيات التنمية، خطط التعليم، سياسات التوظيف وعمليات التوطين، البحث العلمي، وثقافة العمل. ويرى ضرورة إعادة النظر في استراتيجيات تنمية الموارد البشرية، وكذلك في السياسات التعليمية لتواكب المستويات الدولية. ويضيف أنه يجب إعادة تقييم بيئة العمل، خاصة في القطاع العام والحكومي. فيما تعتقد د. ندى المطوع أن مكمن الخلل يكمن في استراتيجيات التنمية. حيث يتوافر لدى دول الخليج كل المؤشرات، ولكن ليست لديها المعادلة التي تستوعب كل هذه المؤشرات بشكل جيد. فيما تقطع د. مريم لوتاه أن مكمن الخلل في أن قراراتنا التنموية والتعليمية والتوطينية لا تبنى على أساس من احتياجاتنا الوطنية، بقدر ما تتخذ استجابة لضغوط خارجية.

Share