أيام الغضب العربي

  • 28 فبراير 2011

كنت بعد أحداث الثورة التونسية قد كتبت عن احتمالات امتداد تأثيرها خارج الحدود التونسية، وأشرت إلى استقطاب في الرأي بين الدوائر المسؤولة في البلدان العربية المعنية والمحللين المنتمين لقوى المعارضة. ذهب الفريق الأول إلى استحالة امتداد الثورة التونسية إلى بلدانهم لاختلاف الظروف، فيما ذهب الفريق الثاني إلى أن هذا الامتداد من قبيل البديهيات لوجود قواسم مشتركة بين الوضع في تونس وبلدان عربية أخرى. وخلصت إلى أن المسألة تحتاج إلى معالجة علمية مسؤولة قد تصطدم نتائجها بتمنيات الحالمين بتغيير مشروع، غير أنه يبقى لها فضل محاولة التوجيه إلى الطريق السليم لهذا التغيير.

استندت في تحليلي إلى أن فكرة تعاقب الأحداث بالنمط نفسه من حالة إلى حالات أخرى يستند إلى ما يعرف بنظرية "الدومينو" الشهيرة التي تجد أساسها في فكرة "التواقف" أو "الاعتماد المتبادل"، فأن تكون وحدة ما جزءاً من نظام للتفاعلات يجعلها تتأثر بالضرورة بما يجري في أي وحدة أخرى من وحدات النظام، ولاسيما إذا كان ما يجري بحجم ما حدث مؤخراً في تونس، ويصبح من الأهمية بمكان أن نعي حقيقة أن طبيعة هذا التأثر ودرجته وحدوده تحتاج درساً وتحليلاً حقيقيين.

ذكَّرت في هذا الصدد بالمثال الشهير المتعلق بنبوءة كارل ماركس في القرن التاسع عشر بشأن انهيار النظم الرأسمالية "دفعة واحدة" بدءاً بأكثرها تقدماً، كون التناقضات قد بلغت فيه ذروة نضجها، لكن ما حدث هو أن الانهيار بدأ بروسيا القيصرية -أقل هذه النظم تقدماً- ولم ينتشر خارجها، وهنا قدم لينين قائد الثورة الروسية تفسيره من خلال فكرة "التفاوت في مراحل النمو"، بما يعني أن ظروف الثورة قد تنضج في بلد دون غيره من بلدان النظام الرأسمالي، كما أن ثمة احتمالاً في أن يكون نجاح الثورة الاشتراكية في روسيا القيصرية قد حوّل نبوءة ماركس -التي ربما كانت صحيحة في الأصل- إلى نبوءة "هادمة لذاتها" self-defeating، ويشير هذا إلى سعي القوة الفاعلة في سياق معين لضبط مسار التطور لصالحها. ونعني بهذا أننا لو افترضنا أن حكام الدول الرأسمالية آنذاك كانوا يستخفون بنبوءة ماركس، ثم إذا بهم يجدونها تتجسد بالفعل في دولة بثقل روسيا القيصرية، لكان من الطبيعي أن يصيبهم القلق من جراء ذلك، ويعملوا على تفادي المصير نفسه بتحسين أجور العمال وظروف معيشتهم على النحو الذي يخفف من حدة التناقضات التي اعتبرها ماركس فتيل انفجار الثورة، وهو ما يُرجَح أنه قد حدث بالفعل، بدليل أن نظاماً رأسماليّاً واحداً في أوروبا لم يلق مصير النظام في روسيا القيصرية، وحتى النظم التي تبنت الاشتراكية في شرق أوروبا عقب الحرب العالمية الثانية لم يتم ذلك فيها إلا في ظل وجود القوات السوفييتية على أراضيها، ولذلك ما إن تخلخلت القبضة السوفييتية في ثمانينيات القرن الماضي حتى انهارت تلك النظم في تعاقب سريع يشبه ما تنبأ به ماركس وإن على نحو "مقلوب"، إذ كان يتحدث عن تعاقب الانتقال إلى الاشتراكية وليس الخلاص منها. وليس ما يحدث في عديد من البلدان العربية الآن ببعيد عن التحليل السابق، فقد انخرطت نظم هذه البلدان في سباق محموم من أجل إثبات اهتمامها برفع معيشة المواطنين، وتخفيف المعاناة عنهم، ووقف أي إجراءات تتعارض مع ما سبق كانت بسبيلها إلى أن توضع موضع التنفيذ… إلخ، وقد يثمر هذا كله أو لا يثمر وفقاً لعوامل نعود إليها لاحقاً.

انتقلت بعد ذلك إلى الواقع العربي لمناقشة الأفكار السابقة في سياق أكثر ملاءمة، فأشرت إلى ثورة يوليو 1952 التي قادت مشروعاً حقيقيّاً للتغيير في الوطن العربي لقي تجاوباً هائلاً من الجماهير والنخب العربية، مذكِّراً بأن ذلك المشروع ارتبط بوزن مصر القيادي في الوطن العربي في ذلك الوقت، ومتسائلاً عن النتيجة العملية، ولافتاً إلى أننا إذا حاولنا قياس أثر ثورة يوليو في الأنظمة العربية المحافظة تحديداً فسنجد أنه يكاد ينحصر في العراق عقب ثورة 1958، وفي اليمن من خلال ثورة 1962، وحتى العراق نعلم أن نظامه الثوري الجديد سرعان ما دخل في خلافات طاحنة مع قيادة ثورة يوليو. وتفككت الوحدة التي أقيمت مع سورية في 1958 بعد حوالي ثلاث سنوات ونصف، ولا يعني هذا كله إلا أحد أمرين أو كلاهما: الأمر الأول أن العوامل الداخلية تبقى هي الفيصل في حدوث التغيير مهما كانت ضراوة موجته، والثاني أن ثمة احتمالاً أن تكون النظم المحافظة التي صمدت أمام إعصار التغيير قد اتخذت بعض الخطوات من شأنها أن تحول دون وقوع انفجار شعبي يودي بها من جراء ذلك الإعصار.

انتهيت إلى أن الثورة التونسية ستكون لها دون شك تأثيراتها العديدة عربيّاً، ولعل أهم هذه التأثيرات بداية أنها أكدت عروبة النظام بعد أن كان هناك من يروج بإصرار لوفاة العروبة، وإن المتأمل لردود أفعال الجماهير العربية لا يمكن إلا أن يدرك المعنى الحقيقي لعروبة الجماهير، ومن ثم عروبة النظام. غير أنه بعيداً عن هذا يجب أن يكون واضحاً أن الأمور لا تحدث ولن تحدث بطريقة آلية، فليس معنى أن شاباً تونسيّاً أحرق نفسه في لحظة غضب لكرامته ودفاعاً عن قوت يومه فكان وقوداً لثورة شعبية نادرة الحدوث أن الثورات المنتظرة لا تحتاج سوى إلى شخص يحرق نفسه، ولكن التغيير يأتي عندما تنضج ظروفه الداخلية بما في ذلك ضرورة وجود قوة منظمة تقود إليه أو شعب موحد الإرادة يقف خلفه كما في الحالة التونسية. يترتب على ذلك أن الذين انتعشت آمالهم بغد أفضل بعد أحداث تونس عليهم أن ينظروا في أنفسهم ليروا إلى أي حد تتوفر لديهم موضوعيّاً مقومات هذه الأحداث، والسبيل إلى استكمال النقص في هذه المقومات.

نستطيع بعد ذلك واستناداً إلى هذا التحليل أن نقيم ما حدث فعلاً في أعقاب الثورة التونسية. وفقاً للتحليل السابق امتدت شرارة الثورة خارج حدود تونس إلى عدد من البلدان العربية بدرجات متفاوتة من النجاح، فقد تمكنت الجماهير المصرية من إسقاط نظام الحكم القائم بعد سلسلة من التحركات امتدت بين يومي 25 يناير و11 فبراير، وانتقلت الشرارة إلى اليمن دون أن تحقق قوى المعارضة اليمنية حتى الآن أهدافها شبه المتطابقة مع الحالتين التونسية والمصرية، ثم إلى ليبيا التي يبدو فيها –حين كتابة هذه السطور- أن معركة الحسم لصالح قوى الثورة تقترب، وذلك بالإضافة إلى إرهاصات أقل حدة في كل من الجزائر والأردن والبحرين. وقد يرجع هذا إلى غياب الإجماع على تغيير نظام الحكم في الحالات الثلاثة. لكن المحصلة أن شرارة التغيير انتقلت إلى عديد من البلدان العربية وإن تكن درجة فعاليتها –مصداقاً للتحليل السابق- قد توقفت على عوامل داخلية. فماذا عن تحليل هذه العوامل في الحالات الأكثر نجاحاً؟

يلاحظ أن النماذج الأربعة الأكثر نجاحاً (تونس- مصر- ليبيا- اليمن) يجمع بينها طول مدة بقاء الحاكم في موقعه، واستبداد سياسي واضح مع خلاف في الدرجة، ودور متصاعد يكاد أن يكون احتكارياً لأسرة الحاكم في تسيير شؤون البلد، وشيوع الفساد السياسي إلى مستوى غير مسبوق، بالإضافة إلى أن ردود فعل نظم الحكم الأربعة لما وقع جمعتها سمات مشتركة يغلب عليها نسبة ما وقع إلى قلة من الشعب، وضلوع قوى خارجية فيه، وذلك بهدف إشاعة الفرقة بين صفوف المحتجين أولاً وتخوينهم ثانياً، وهو تكتيك ثبت فشله الذريع بدليل أن قوى الاحتجاج ازدادت إصراراً في مواجهة هذه الاتهامات، فعبرت الجماهير المصرية كافة الحدود بين الطبقات والفئات الاجتماعية والعمرية في المجتمع بالإضافة إلى الإنجاز الأكبر المتمثل في تمتين الوحدة بين مسلمي مصر ومسيحييها، وهي وحدة شابتها، في السنوات الأخيرة وفي الشهور السابقة على الأحداث بصفة خاصة، ظواهر سلبية كانت قد بدأت تفت في عضدها، وحدث الشيء نفسه في اليمن وزاد عليه أن جماهير جنوب اليمن المشاركة في الاحتجاجات والتي كان الأمر قد وصل بها قبل هذه الاحتجاجات إلى رفع مطلب الانفصال عن الوحدة اليمنية صراحة قد سارت في التيار العام لقوى المعارضة الجماهيرية المطالبة بتغيير النظام، كذلك لم ينجح العزف على الوتر القبلي في اليمن وليبيا في إشاعة الانقسام بين صفوف الجماهير، بل على العكس فإن الحركات الاحتجاجية في هذين البلدين –كما في غيرهما- قد تميزت بوحدة ظاهرة.

من ناحية أخرى اتسمت ردود فعل النظم الأربعة بالبطء الشديد في التعامل مع تطورات الأحداث، وربما يكشف هذا عن أن إدراك هذه النظم حقيقة ما يجري قد بني على نوع من العمى السياسي، أي إنها كانت تصدق بالفعل أن ما يجري هو من صنع قلة منحرفة ضالعة مع قوى أجنبية تتآمر على الوطن، ولقد كان هذا البطء الشديد عاملاً أساسياً فيما حققته الحركات الاحتجاجية من إنجازات، حيث زاد من سخط الجماهير من ناحية، وأتاح وقتاً لمزيد من الكشف عن عورات تلك النظم، ولاسيما فيما يتعلق باستشراء الفساد؛ الأمر الذي أعطى زخماً لقوى الاحتجاج من ناحية أخرى، وأخيراً وليس آخرا، فإن ردود فعل النظم الأربعة قد اتسمت بتوظيف درجة عالية من العنف مع جماهير المحتجين بلغت أقصاها في الحالة الليبية، وأحياناً كان العنف غير مباشر،  إذ قامت عناصر أمنية وحزبية تابعة لتلك النظم بمحاولة إجهاض حركة الجماهير بالعنف باعتبار أن تلك العناصر تعبر عن تيار فاعل داخل النظام، وهي لعبة مكشوفة أساءت لتلك النظم أكبر بكثير مما أفادتها. ولم يبد في أي لحظة أن النظم المشار إليها قد أدركت أن العنف، مهما بلغت ضراوته، لا يجدي مع إرادة شعبية.

رغم أن الحركات الاحتجاجية لم تنتشر بطول الوطن العربي وعرضه فإن الأمر الذي لا شك فيه أن معدل انتشارها كان أسرع وأشمل مما حدث في أعقاب ثورة يوليو1952، وربما يرجع هذا إلى النظر إلى تلك الثورة في البداية على أنها انقلاب عسكري قريب من الولايات المتحدة، كما أنها –أي ثورة يوليو- شُغلت من 1952 إلى 1954 بترتيب أوضاع البيت المصري من الداخل ثم بمعارك التحرر العربي، وبمجرد استتباب الأمر للثورة بعد تحقيق إنجاز السويس (1956) والوحدة مع سورية (1958) وقعت الثورة في العراق (1958) واليمن (1962) بالإضافة إلى حصاد النضال في معارك التحرر العربي (الجزائر من1962 بصفة خاصة). ونحن الآن في مفترق طرق في الوطن العربي، فلا يمكن الزعم بأن الأوضاع الجديدة في تونس ومصر قد استقرت، كما أن معركة التغيير ما تزال تدور رحاها على أشدها في اليمن وليبيا، بالإضافة إلى أن ثمة دولاً مرشحة لامتداد حركة المطالبة بالتغيير إليها في أي وقت، وإذا كان التنبؤ بمآل هذا كله من أصعب الأمور، فإن المؤكد أن شمس التغيير قد بدأت تشرق في مواطن الركود والتردي في الوطن العربي.

Share