أوهام قطر ورهاناتها الخاسرة

  • 17 يناير 2018

لا تزال قطر غارقة في أوهامها، متصورة أن بمقدورها الخروج من العزلة التي وضعت نفسها فيها بإثارة الأزمات والمشكلات مع جيرانها من دون أن تعالج الأسباب الحقيقية لأزمتها الحالية مع دول المقاطعة، وخاصة فيما يتعلق بموقفها الداعم للتطرف والإرهاب أو في تدخلاتها في شؤون العديد من دول المنطقة، وكان آخر هذه الأزمات قيام مقاتلاتها باعتراض مسار طائرتين مدنيتين إماراتيتين خلال رحلتيهما الاعتياديتين إلى مملكة البحرين الشقيقة، وذلك في تهديد سافر وخطير لسلامة الطيران المدني، وخرق واضح للقوانين والاتفاقيات الدولية المعنية. إن هذا السلوك غير المسؤول يكشف بوضوح أن قطر تعاني حالة من عدم الاتزان والارتباك الواضحين، فقد حاولت قبل أيام أن تلفت انتباه العالم إلى عزلتها، بالادعاء زوراً وبهتاناً اختراق طائرة عسكرية إماراتية مجالها الجوي، على أمل أن تتدخل القوى الكبرى لإيجاد حل لأزمتها مع دول المقاطعة، لكن أحداً لم يلتفت إلى مزاعمها، ثم حاولت مجدداً من خلال قيام مقاتلاتها عمداً باعتراض مسار طائرتين مدنيتين إماراتيتين، لكنها فشلت أيضاً، بل وانكشفت أهدافها الخبيثة أمام دول المنطقة والعالم أجمع، وخاصة أنها لم تعترض من قبل على استخدام الطائرات لهذه المجالات الجوية، ولم يتم إصدار أي إنذار بعد الاستخدام، ولعل هذا يفسر تنديد العديد من دول العالم بهذا السلوك القطري غير المسؤول، الذي ينطوي على تهديد واضح لسلامة الطيران المدني، ويعد خرقاً سافراً للقوانين والاتفاقيات الدولية في هذا الشأن.

إن افتعال قطر لهذه الأزمات لا يعبر فقط عن حالة من الإحباط واليأس بعدما فشلت كل رهاناتها على القوى الدولية للتدخل لإنقاذها من المأزق الذي وضعت نفسها فيه، وإنما أيضاً يعبر عن إفلاس سياسي، وأنها تتعمد التصعيد وتحاول أن تعيد أزمتها مع دول المقاطعة (دولة الإمارات العربية المتحدة، والمملكة العربية السعودية، مملكة البحرين، جمهورية مصر العربية) إلى واجهة الأحداث مرة أخرى، بعدما أدركت أن هذه الدول لم تعد تولي هذه الأزمة أي اهتمام، وتعتبرها قضية صغيرة جداً ومحدودة التأثير، ولا يمكن أن تشغلها عن أولوياتها الرئيسية. اليوم تثبت قطر أنها راعية الإرهاب وصانعة الأزمات في المنطقة، لأن من يقدم على تهديد أمن وسلامة الطيران المدني وتعريض حياة مسافرين مسالمين للخطر، ومن دون اكتراث بأي قوانين إنسانية واتفاقيات دولية، يتأكد أنه منخرط بشكل رئيسي في دعم الجماعات المتطرفة والإرهابية، والميليشيات المسلحة التي تقف وراء حالة الفوضى وعدم الاستقرار التي تشهدها العديد من دول المنطقة. لقد حاولت قطر منذ اندلاع الأزمة مع دول المقاطعة في يونيو الماضي أن تصور للعالم أنها راغبة في حل الأزمة، ومنفتحة على أي جهود لحلها، لكنها في كل مرة كانت تراوغ وتناور وتتذرع بأوهام السيادة، وترفض الاستجابة للمطالب المشروعة لدول المقاطعة، بالتوقف عن دعم وتمويل واحتضان التنظيمات الإرهابية والمتطرفة والطائفية، وفي مقدمتها جماعة الإخوان المسلمين، وتسليم المتطرفين والمطلوبين أمنياً على أراضيها، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للعديد من دول المنطقة، والالتزام بما تم الاتفاق عليه من قرارات واتفاقيات فيما يتعلق بجهود مكافحة التطرف والإرهاب، على الصعد الخليجية والعربية والدولية، على الرغم من أنها سبق أن وافقت على هذه المطالب نفسها لدى توقيعها اتفاق الرياض لإعادة السفراء عام 2013، والاتفاق التكميلي له عام 2014. أكثر من ذلك فإن قطر أهدرت كل الفرص التي أتيحت لها لإثبات حسن نواياها، والعودة مرة أخرى إلى الإجماعين الخليجي والعربي، وتصرفت بعدم مسؤولية ومن دون أي رشادة، لهذا فإن عزلتها تتفاقم يوماً بعد الآخر، وتتزايد بالتبعية مؤشرات انهيار اقتصادها في ظل هروب الاستثمارات الأجنبية، وتدني قيمة عملتها الوطنية.

وبرغم المأزق الذي تواجهه قطر، والعزلة التي تعانيها، فإنها لا تزال تكابر وتعيش أسيرة أوهامها بأنها ضحية، وأنها تواجه حصاراً على اقتصادها وشعبها، على أمل استجداء التعاطف الدولي، للتدخل لحل أزمتها، متجاهلة أنها باتت مكشوفة للجميع، وأن مراوغاتها ومناوراتها في التهرب من استحقاقاتها لم تعد تنطلي على أحد، وأنها إذا أصرت على السير في الطريق نفسه والرهان على الخيارات الخاسرة نفسها، فلا تلومن إلا نفسها في وقت لن ينفع فيه الندم.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات