أولويات العمل في عراق المستقبل

  • 5 مايو 2003

أكثر ما يلفت الانتباه في العراق خلال الأيام القليلة الماضية هو تراجع الحديث عن الاحتياجات الإنسانية للشعب العراقي لمصلحة الحديث عن عودة أعمال النهب وأنباء الخلاف بين بعض القادة والفصائل حول تقاسم السلطة والنفوذ، الأمر الذي يستوجب تضافر الجهود كافة، والعمل على مسارات متوازية -لا متتالية- لمواجهة تحدي الأمن والاستقرار وإعادة الإعمار في عراق ما بعد صدام، انطلاقا من أن فراغ السلطة هو بالأساس اختيار إرادة للساسة العراقيين ومقدرتهم على برمجة أجندة عمل تنطوي على ضمان الاحتياجات الإنسانية بموازاة وضع أساس لنظام ديمقراطي تعددي يحتضن أبناء العراق جميعهم في الداخل والخارج. والحديث عن أولوية الجانب الإنساني لا ينبع فقط من المؤشرات الإحصائية التي ترصد سوء حالة لوضع في العراق، ولكن أيضا من تقارير الأمم المتحدة التي تتحدث عن أن العراق لم يزل مهددا بكارثة إنسانية رغم توقف المعارك العسكرية، وهو ما يستوجب تضافر الجهود الدولية لتمويل المساعدات الإنسانية التي يقدّرها خبراء الأمم المتحدة مبدئيا بنحو 2.2 مليار دولار، والأهم من ذلك هو منح المنظمة الدولية الفرصة للقيام بدورها وتحسين صورتها الذهنية عبر مداواة جزء ولو ضئيل من آثار الحظر الدولي الذي فرضته على الشعب العراقي طيلة اثني عشر عاما بسبب ممارسات نظام الحكم السابق.

والمؤكد أن تهيئة المجال وتوفير بيئة عمل مناسبة للمنظمات الإنسانية العاملة في العراق يعدان فرصة ثمينة لاختبار مقدرة الساسة العراقيين على خدمة وطنهم وانتشال مواطنيهم من بين براثن المرض والجوع، فثورة التطلعات السياسية التي بزغت بعد انهيار نظام صدام حسين قد تبدو مبررة في ظل عقود القهر والكبت والتهميش السياسي الذي مارسه النظام السابق ضد شعبه، ولكن هذه التطلعات تمثّل أيضا اختبارا لمقدرة الساسة على مواجهة لحظة الحقيقة التي ينبغي أن تعكس الموروث والعمق الحضاري والوجه الحقيقي للعراق. والمأمول أيضا من الجانب الأمريكي أن يدرك أن كسب معركة القلوب لا يقل قيمة عن كسب الحرب، وأن توفير أجواء الأمن والاستقرار والتعاون مع الأمم المتحدة في مجال المساعدات الإنسانية للشعب العراقي هما مفتاح كسب معركة السلام، وأن توفير الآليات السياسية اللازمة لتأسيس فيدرالية ديمقراطية هو السبيل الوحيد للقضاء على نظريات المؤامرة التي تغذي أجواء الاضطراب السياسي.

إن إنهاء حالة الفوضى والتشرذم السياسي والعرقي والديني هو المطلب الملح للعراق من أبنائه المخلصين، وتكاتف الجهود هو السبيل لامتلاك المقدرة على رسم المستقبل، وهو أيضا الضمان الوحيد لمواجهة أي تدخلات خارجية أو محاولات للتلاعب بأمن العراق وشؤونه الداخلية، والفيصل في إثبات جدية قادة التنظيمات والفصائل العراقية لا يكمن في إيجاد واقع سياسي معيّن على الأرض أو الحصول على مناصب آنية أو تعهدات بدور ما في لعبة تقاسم السلطة والنفوذ، ولكن الفيصل هنا يكمن في المقدرة على تحمّل المسؤولية في تلبية الاحتياجات الإنسانية ومواجهة تحديات بناء الدولة وتجاوز الشكوك والخلافات السياسية والعرقية الضيقة بين التنظيمات والفصائل العراقية.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات