أولمرت المناور يعمّق الاتجاه نحو اليمين

د. بشارة نصار شربل: أولمرت المناور يعمّق الاتجاه نحو اليمين

  • 14 نوفمبر 2006

"إنه مجرد خطأ تقني"، هكذا اعتبر المسؤولون الإسرائيليون عملية القصف المجرم الذي تسبب في حدوث مجزرة بيت حانون. ولن تخرج لجنة التحقيق التي شُكلت للتحقيق في هذه الجريمة عن هذا التوصيف بالتأكيد، فهذا النوع من الجرائم ضد الإنسانية صار عادياً، فقبل أشهر قليلة ارتكب الإسرائيليون في حرب لبنان "أخطاء تقنية" مشابهة في قانا ومروحين وأماكن أخرى. وإذا كان من غير المفاجئ أن تبرر الحكومة الإسرائيلية فعلة المؤسسة العسكرية، فإن المثير للاهتمام هو تراجع حساسية الرأي العام الإسرائيلي إزاء هذه الجرائم، التي كان حدوثها سابقاًَ يتسبب بتظاهرات وجدل ونقاش واسع، يستحضر الذاكرة اليهودية والتجارب التاريخية، ويقيم نوعاً من "التوازن الأخلاقي" مع الحسابات الباردة للمؤسسة العسكرية والسياسية الإسرائيلية، التي كانت تهضم الأفعال المشينة.

تثبت استطلاعات الرأي أن الجمهور الإسرائيلي ينحو إلى اليمين أكثر فأكثر، وأن الحركات المتطرفة في المجتمع الإسرائيلي صارت أكثر ثباتاً وجزءاً لا يتجزأ من المؤسسات ومن المشهد السياسي العام، فقد دفع وجود شخص مثل "مئير كاهانا" في سبعينات القرن الماضي الكنيست إلى سن قانون بالإجماع لطرده منه، وحدا بأبرز "الإرهابيين المؤسسين"، "مناحيم بيغن"، الذي كان يتزعم اليمين حينذاك إلى القول بأنه عندما يتذكر ماذا فعلت النازية باليهود في ألمانيا يصبح غير مستعد للسماح لعنصري يهودي معاد للعرب أن يظل في الكنيست. أما اليوم فإنه صار أمراً عادياً رؤية الأحزاب السياسية اليمينية تتنافس على التطرف وتحصد الأكثرية في الكنيست وفي الحكومة، وتصغي إلى الطروحات "النازية" العنصرية باهتمام وتشجيع. وصار أكثر من عادي أن تضم الحكومة الإسرائيلية ممثلاً لكتلة من 12 نائباً في رأس برنامجها "تطهير أرض إسرائيل" من العرب.

ومن ثم، فقيام "إيهود أولمرت" بضم زعيم حزب "إسرائيل بيتنا" "افيغدور ليبرمان" إلى حكومته ليس حدثاً غير عادي في تاريخ الحكومات الإسرائيلية، التي نحت منذ مقتل "إسحق رابين" نحو إرضاء المتطرفين، فليبرمان كان حاضراً في حكومة "شارون" ولم يتركها إلا لرفضه مشروع الانسحاب من غزة، و"رحبعام زئيفي" كان وزيراً حين اغتاله مقاومو "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين"، والأحزاب الصغيرة المتطرفة تمثلت بتقطع لتضمن أرجحية حكومية لليكود كانت دائماً مقلقة.

ويستجيب الاتجاه نحو اليمين عموماً للتحولات في الرأي العام الإسرائيلي، الذي انتقل من شعور المتفوق في حرب 1967، والمطمئن بعد حرب تشرين العام 1973، إلى قلق الخائف على الوجود بعد نمو الحركات الأصولية في المنطقة واختبارات العمليات الانتحارية وحروب لبنان والتهديد النووي الإيراني وفشل عملية السلام. لكن ضم وزراء متطرفين إلى الحكومات التي شكلها ليكود، سواء في عهد "بنيامين نتانياهو" و"آرييل شارون"، أو شكلها خريجو ليكود في حزب كاديما المستحدث، هو عموماً تعبير عن مصلحة سياسية مباشرة تستجيب لشروط لعبة السلطة، التي تفرض مناورات تتيح للأحزاب الصغيرة أن تلعب دور المرجح.

هكذا، وحتى يتمكن "أولمرت"، الخارج مرهقاً من فشل "حرب تموز" مع "حزب الله"، من تثبيت حكومته وعدم الارتهان إلى تحالفه مع شريكه حزب العمل، فإنه قام بضم "ليبرمان" إلى الحكومة لترتفع أكثريته في الكنيست من 67 نائباً إلى 78 نائباً.

 وهكذا أيضاً، وبعدما كانت حكومة "أولمرت" تترنح تحت وطأة عجزها في حرب لبنان واستطلاعات الرأي التي انحدرت بنسبة التأييد لأولمرت إلى 7 في المئة، أعاد زعيم كاديما تثبيت حكومته لتغدو الأكثر استقراراً في تاريخ إسرائيل بالنسبة إلى حجم التأييد النيابي الذي تتمتع به.

ما سبق لا ينفي أن دخول "ليبرمان" تحديداً إلى الحكومة بصفته "سوبر وزير" للشؤون الاستراتيجية، خصوصاً تلك المتعلقة بالتهديد النووي الإيراني ومستقبل "خطط السلام" مع الفلسطينيين، يعني أن الاتجاه العام لدى حكومة "أولمرت" لم يعد أبداً تنفيذ مشروعه الأصلي القاضي بالانسحاب من بعض المستوطنات في الضفة لرسم حدود نهائية لإسرائيل، بل بات مجزأً بين "المواجهة الاستراتيجية الشاملة" وبين إحداث تغييرات داخلية في النظام السياسي لخدمة هذه المواجهة، وبين عروض غير مغرية للسلام لسورية ولبنان، في وقت تراوح فيه المفاوضات مع الفلسطينيين مكانها عند نقطة الصفر، بل تتراجع بفعل سياسة القتل والحصار.

لا يتبنى "أولمرت" بضمه "ليبرمان" طروحات الأخير. لكنه قدم تنازلاً واضحاً له حين قبل بصوغ مشروع قانون لتغيير النظام السياسي في إسرائيل ليصير رئاسياً وشبيهاً بالولايات المتحدة، بحيث ينتخب رئيس الحكومة بالاقتراع الشعبي المباشر.  وقد يكون صعباً أن يمر هذا المشروع في الكنيست، لكنه لن يكون مستحيلاً في المستقبل، وهو الأمر الذي سيسمح للجمهور الإسرائيلي المتجه يميناً بإيصال أحد المتطرفين إلى سدة الحكم. وفي هذا الإطار فإن "ليبرمان" المهاجر من مولدوفيا في العام 1978، والذي يتزعم حزباً للمهاجرين الروس يدعو إلى "دولتين نقيتين"، واحدة يعيش فيها اليهود وهي أرض إسرائيل، وأخرى يعيش فيها العرب وهي أرض فلسطين، يفكر بمستقبله السياسي ويهيئ ببطء لمشروع خطير قد تكون له انعكاسات كارثية كونه يتضمن ترحيلاً لعرب إسرائيل وتبادلاً للأراضي يكرس عنصرية هذه الدولة.

قد لا يكون ذلك أحد هموم "أولمرت"، فهذا السياسي المحترف الذي يتاجر بالعقارات، خرج مفلساً من حرب لبنان، ورفض تعيين لجنة تحقيق قضائية جدية تتمتع بصلاحيات موسعة لتحديد مسؤوليات التقصير، وكان مضطراً إلى القيام بخطوة تعوض له الشعور بالمرارة. و"أولمرت" الذي دفعت به الجلطة الدماغية، التي أصابت شارون إلى قيادة كاديما ورئاسة الحكومة لا يجد اليوم للاستمرار في السلطة حرجاً من التراجع عما وعد به ناخبيه من أنه سيتمكن من تفكيك معظم المستوطنات وتنفيذ أكثر مشاريع السلام جرأة منذ العام 1967. فالبديل من الهزيمة عموماً هو السير نحو التطرف، فكيف إذا كان الحليف المستجد قادراً على تأمين أكثرية نيابية مريحة، وإرضاء رأي عام يتقبل الطروحات العنصرية برحابة صدر مفرطة، بل بتشجيع مخيف؟

لم يعد "أولمرت" يملك مشروعاً سياسياً رئيسياً يضعه نصب عينيه ويسعى إلى تنفيذه، فهو يسير في مسارات متعددة تعبر عن ارتباك شديد. خطته الأصلية تراجع عنها، وعروضه للسلام تثير السخرية، وما يحمله إلى واشنطن لا يوحي بالجدية، واختباره في الميدان أثناء حرب لبنان يثير استهزاء خصومه. لم يكن يريد حتماً الذهاب إلى انتخابات مبكرة كانت ستجعل ليكود "نتانياهو" يحل في طليعة اليمين ويليه حزب "إسرائيل بيتنا" بزعامة "ليبرمان" ثم ليأتي بعدهما حزب كاديما. لقد فضّل تجديد عمر حكومته ولو عبر إعطاء فرصة تاريخية لليبرلمان، ليس لتنفيذ رؤاه الاستراتيجية، بل ربما لتجريب حظه مستقبلاً في قيادة دولة إسرائيل.

Share